الشيخ فيصل مولوي.. الفقيه الانسان

الشيخ فيصل مولوي رحمه الله

يُحار المرء ماذا يكتب ومن أين يبدأ عند الحديث عن أحد القدوات النادرة في هذا الزمن. إنها ليست مجرد سيرة ذاتية عادية، بل هي تاريخ ونضال لظاهرة تنحني الرؤوس لمثلها تقديرا ً وحبا ً. إننا نتحدث عن الشيخ "فيصل مولوي"، الذي يُعتبر مدرسة تركت بصماتها في العالم الإسلامي والعربي والغربي.
 
لم يتوان عن خدمة دينه وأمته لحظة واحدة، ولم يتخاذل في المواقف العصيبة والمصيرية. ورغم أنه رحل عن الدنيا، إلا أنّ ذكراه ستظلّ حيّة وخالدة، وسيبقى نبراسا ً يضيء معالم الطريق بالإرث الإسلامي والثقافي والإجتماعي الذي تركه للأمة.
 
قيمة إسلامية
ولد الشيخ "فيصل مولوي" عام 1941 في مدينة طربلس شمال لبنان، وهو قيمة وطنية وعربية وإسلامية، معروف في العالم العربي والإسلامي والأوروبي. درس الحقوق في الجامعة اللبنانية، والشريعة الإسلامية في كلية الشريعة بجامعة دمشق، كما حصل على شهادة الدراسات المعمقة من جامعة السوربون بباريس.
 
وكان الراحل داعية فقيها ًومجاهداً ومفكرا اسلاميا ً، قضى حياته في خدمة دينه ووطنه ودعوته، وله مواقف مشرفة في الحفاظ على الوحدة الوطنية اللبنانية. ويعتبر أحد أكبر الدعاة والمفكرين الإسلاميين في السنوات الأخيرة، ويذكر اسمه في مصاف علماء العصر ومفكريه الكبار من أمثال الشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ فتحي يكن. كما ان له جهوده الفقهية والعلمية البارزة، وخاصة فتواه المبكرة والواضحة في تحريم وتجريم احداث الحادي عشر من سبتمبر. وقد امتاز بالافتاء المعتدل الجامع بين الفقه والعمل.
 
لعب دور كبير في تأسيس المؤتمر القومي الإسلامي، وعمل على إزالة الكثير من الحدود والصعوبات التي كانت قائمة بين القوميين والإسلاميين، كما كان له دور في تشكيل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
 
انتقل الشيخ مولوي إلى جوار ربه يوم الاحد في 08 أيار 2011، بعد أن تسلل مرض العضال الى جسد مثقل بسنوات طويلة من التفاني في العمل لخدمة الأمة، والتي رفض خلالها الإستماع إلى نصائح الاطباء للراحة والاسترخاء، والإبتسامة لم تفارقه حتى خلال اشتداد مرضه واوجاعه.
 
تاريخ حافل بالعطاء
بدأ مولوي العمل في الحقل الإسلامي في عام 1955، وعُيّن قاضيًا شرعيًا في لبنان عام 1968، وتنقّل بين المحاكم الشرعية الابتدائية في راشيا وطرابلس وبيروت، ثُمّ عُيّن مستشارًا في المحكمة الشرعية العليا في بيروت عام 1988، ونال مرتبة "قاضي شرف برتبة مستشار" بموجب مرسوم جمهوري رقم 5537 تاريخ 23 مايو 2001.
 
واحتل الكثير من المناصب، أبرزها الأمين العام في جماعة عباد الرحمن في لبنان، والأمين العام للجماعة الإسلامية خلفاً للدكتور فتحي يكن منذ 1992 وحتى سنة 2009، ورئيس بيت الدعوة والدعاة منذ تأسيسه سنة 1990، وعضو اللجنة الإدارية للمؤتمر القومي الإسلامي، وكان رئيساً لجمعية التربية الإسلامية في لبنان.
 
في أوروبا
أمضى الشيخ مولوي خمس سنوات في أوروبا في بداية الثمانينيات، كانت حافلة بالإنجازات، وألف خلالها عدداً مهماً من الكتب، كما أسَّس في فرنسا الاتحاد الإسلامي والكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية، وأصبح مرشدًا دينيًا لاتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا منذ سنة 1986، وبَقِي على تواصل مع أكثر المراكز الإسلامية في أوروبا حتى وفاته.
 
وهو العميد المؤسس للكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية في "شاتو شينون" في فرنسا منذ تأسيسها عام 1990،  وهي كلية للدراسات الشرعية بالمستوى الجامعي ومخصّصة للمسلمين الأوروبيين أو المقيمين بصفة دائمة في أوروبا وسائر بلاد الغرب.
 
اختارته الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض أثناء إقامته في فرنسا كأحسن داعية إسلامي في أوروبا ومنحته جائزة تقديرية.
 
القضية الفلسطينية في قلبه
فلسطين كانت بالنسبة إليه على مرمى القلب والعقل والروح، ولطالما اعتبر الانقسام اللبناني كما الفلسطيني خنجر نهديه للعدو الإسرائيلي ولكل المتربصين شراً خلف الأبواب.
 
والشيخ الراحل هو من أهم الشخصيات الإسلامية التي دعمت القضية الفلسطينية، واجتهد في مجال التبليغ ودعم خط الجهاد، ووقفت بقوة إلى جانب المقاومة، وكانت فرحته كبيرة بأنه شهد المصالحة الفلسطينية الفلسطينية، التي طالما دعا إليها وعمل لأجلها.
 
ورحل الشيخ "مولوي" تاركاً إرثاً لا يستهان به من الكتب والمؤلفات لكل المسلمين مهما اختلفت أوطانهم ومنابتهم. وقد أثرى الراحل المكتبة الإسلامية بالعديد من المؤلفات الهامة، التي تطرق خلالها للكثير من القضايا التي تهم الأمة، وتميزت بزاويته الخاصة في دراسة وتحليل الأمور، من منطلق الحاجة وما يمليه العصر.
 
ومن مؤلفاته: تيسير فقه العبادات، دراسات حول الربا والمصارف والبنوك، موقف الإسلام من الرقّ، أحكام المواريث، نبوّة آدم، المرأة في الإسلام، حكم الدواء إذا دخل فيه الكحول، السلام على أهل الكتاب، المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب، أثر انهيار قيمة الأوراق النقدية، بالإضافة لسلسلة من الكتب الدراسية عن التربية الإسلامية للمراحل التعليمية المختلفة.
 
واشتهر الراحل بالكثير من الفتاوى المثيرة للجدل، حيث تميز عن غيره بفكره المستنير في استنباط الفتوى الشرعية مما يمليه العصر، وحاجة الناس، غاضاً الطرف عن ما يمكن أن تسببه هذه الفتوى من نقاش أو جدال.
 
وبحكم معايشته للأقليات المسلمة في أوروبا خصص الشيخ مولوي قدراً كبيراً من بحثه الشرعي لما يعانيه هؤلاء في حياتهم اليومية من مصاعب بسبب التباين الكبير بين منهيات المعتقد وثقافة الشارع في تلك البلاد.

 
رحل الشيخ مولوي عن سبعين عاما ً، بعقله الصافي، الهادئ، الرصين، المنفتح والمتسامح.. وبرحيله، خسارة فكرية وروحية وعلمية للبنان وللأمة العربية وللعالم الإسلامي.