أم البنين.. تحلم بأم البنات

عندما تلمح نبتة وهي تخرج من قلب الأرض وتمد يدك لترويها، فقمة السعادة أن تجدها كل صباح وهي تنمو ويشتد عودها ثم تزهر وتثمر، وترى نبتتك الصغيرة وقد أصبحت كيانا جميلا يسعد كل من حوله.. تلك ببساطة هي الفكرة التي خرجت من رحمها (جمعية أم البنين) لرعاية الأمومة والطفولة. وتوضح هانية صبيح رئيسة مجلس إدارة الجمعية ذلك قائلة: عندما بدأنا في الإعداد لإنشاء الجمعية حاولنا أن نبحث عن تقديم خدمة بعيدة المدى، ولم نكن نريد أن ننظر تحت أقدامنا فقط؛ لأن المستقبل أهم من الماضي والحاضر.
الصغار أولا
ولذلك اتخذنا القرار الصعب بالاهتمام والرعاية للأيتام من الذكور حديثي الولادة، والصعوبة لم تكن فقط في مجرد ما تواجهه مثل هذه الجمعيات من مشاكل في بداية الطريق، ولكن همنا كان أكبر بكثير؛ لأن الرعاية والاهتمام بهؤلاء الرضع تحتاج إلى جهود خاصة؛ لأن التعامل مع الرضع يتطلب من القائمين عليها الصبر على مشقة التعامل مع أطفال أعمارهم لا تزيد في معظم الأحيان عن أيام معدودة، خاصة أن التواجد والعمل على تلبية احتياجات رضع والاستيقاظ على صوت بكاء كل طفل في أي وقت على مدى ساعات اليوم، بل إنه كثيرا ما ينتهي بكاء أحدهم في الساعات الأولى من الفجر، وما إن تخلد المشرفة المسئولة إلى النوم حتى يبدأ بكاء طفل آخر، ولذلك حرصنا على اختيار مشرفات ذات وعي اجتماعي وديني بطبيعة وكيفية التعامل مع الأطفال الذين ينشئون في مثل تلك الظروف الاجتماعية.
وتضيف رئيسة مجلس إدارة الجمعية: وقد فضلنا أن يقتصر النشاط على الذكور بعكس الكثير من الجمعيات المماثلة التي تجمع أطفالا من الجنسين؛ فنحن حرصنا على أن ننظر بشكل أكثر واقعية لمستقبل أيتام جمعيتنا؛ لأننا لا نريد أن نضطر في مرحلة عمرية معينة إلى فصلهم، وقد نلجأ إلى إرسالهم إلى جمعيات أخرى، ومما لا شك فيه أن هذا سيتسبب في أذى نفسي كبير لهم؛ فهم ينشئون على أنهم إخوة تضمهم جدران بيت واحد، فتتوحد سلوكياتهم ومشاعرهم على تلك الحقيقة التي يصعب تغييرها بعد سنوات طفولتهم وصباهم.
كما أن الهدف العام لدار إيواء الأطفال بالجمعية هو استكمال الواجب والمسئولية الملقاة على عاتق القائمين على الجمعية من خلال توفير الرعاية المتكاملة لهؤلاء الأطفال حتى بلوغهم سن الاعتماد على النفس مع الاستمرار في قبول المزيد منهم متى تيسر ذلك، على أن نحاول في أسرع وقت ممكن تدبير المطلوب لافتتاح فرع آخر لإيواء الأطفال الأيتام ولكن للإناث، ليحمل اسم (أم البنات) على أن يتمتع بنفس خصائص دار إيواء الذكور وبنفس أهدافه.
أطباء الخير
وتشير هانية صبيح إلى أن دور جمعية (أم البنين) لا يقتصر على الإيواء فقط وإنما يشمل رعاية صحية فائقة، من خلال نخبة متميزة من كبار الأطباء في كافة التخصصات، حيث يقومون بعمل زيارات دورية للجمعية للكشف على الأطفال ومعالجتهم من الأمراض بجانب متابعتهم للوقاية منها وذلك دون أي مقابل مادي، بل على العكس هناك تسابق فيما بينهم لخدمة هؤلاء الأيتام ليس لمجرد الكشف الدوري عليهم، ولكن هناك الكثير من الأطباء يحرص على توفير العلاج والتطعيمات المطلوبة مجانا لأبناء الجمعية.
أما عن الصحة النفسية فتحتل ركنا أساسيا في برنامج الجمعية لبناء شخصية سوية لهؤلاء الأطفال؛ لذلك حرصنا من البداية على وجود طبيب نفسي يتردد بصفة دورية لمتابعة تطور النمو الشخصي والنفسي للأطفال وتقديم الإرشادات اللازمة في هذا المجال، كما استعنا بإخصائي في التربية كي يقدم حلقات منتظمة ومستمرة لتدريس وتوعية المشرفات القائمات على رعاية أطفال الجمعية، وذلك حتى تتكامل منظومة التربية الصحيحة التي نهدف إلى تحقيقها ونصل بهم إلى أقصى صورة يطمح كل أب وأم أن يرى أبناءه من خلالها، وهي أن تقديم نماذج سوية ونافعة لمجتمعهم وبلدهم مصر.
وتدعيما لما سبق تستعين الجمعية بأحد المشايخ الأجلاء لتقديم درس ديني أسبوعي للمشرفات حتى يستطعن أن يساهمن بنجاح في التنشئة الدينية الجيدة لأيتام الدار، كما يقوم شيخ الدار بدور بالغ الأهمية في تحفيظ أطفالنا ما تيسر من القرآن الكريم والأحاديث النبوية والقدسية، وهذا هدف عام وأساسي وحرصنا عليه منذ بداية العمل الرسمي للجمعية في شهر سبتمبر عام 2001 الذي كان أول نشاطات الدار التي ضمت آنذاك 6 أطفال تتراوح أعمارهم ما بين 10 أيام وشهرين ومع الأيام تضاعف هذا العدد، وأصبح لدينا أعمار متباينة تعدى أكبرهم الخامسة بقليل.
مياه نظيفة
وتوضح رئيسة مجلس جمعية (أم البنيين) أن نشاط الجمعية لم يقتصر على إيواء الأيتام، ولكن امتد إلى المساهمة في خدمة المجتمع المدني المحيط بها وهو أحد أهم الأدوار التي تقوم بها، وفي هذا الصدد نجحت الجمعية في أن تكون وسيطًا بين أهل الخير والعطاء بين المحتاجين للمساعدة على مدار السنوات الماضية، وأثمر هذا التعاون عن العديد من البرامج الناجحة في مساعدة الكثير من الفقراء كان أهمها برنامج (رعاية الأسر المحتاجة) الذي يقدم خدماته بعد دراسة متأنية وشاملة لكل حالة على حدة، ثم يتم إقرار نوع المساعدة المطلوبة، سواء كانت مادية أو معنوية أو مستمرة أو لمرة واحدة.
بجانب ذلك قدمنا برنامج مياه الشرب الذي قمنا من خلاله بتوصيل المياه إلى المناطق التي تفتقر إلى هذه الخدمة الأساسية في حياة كل إنسان، وبالفعل تم إدخال مياه الشرب الصالحة للاستخدام الآدمي إلى عدد من المنازل، وذلك تحت باب الصدقة الجارية لأهل الخير والمتبرعين، وتفتخر الجمعية بأنها من الرواد الأوائل الذين فكروا وقدموا بالفعل نظام الحقيبة الرمضانية للفقراء والمحتاجين التي تعتمد فكرتها على إعداد حقيبة تحتوي على كافة أنواع السلع الأساسية وبكميات مناسبة ليتم توزيعها مع بداية شهر رمضان المبارك لكل مسكين أو ذي حاجة، إضافة إلى نظام خاص لسداد مصروفات الدراسة للطلاب المعسرين، حيث تدرس الجمعية تلك الحالات بالتعاون مع مديري المدارس الحكومية على أن تتولى الجمعية دفع الرسوم الدراسية بالنيابة عن هؤلاء الطلاب.
وتعرض هانية باقي الأنشطة الرئيسية للجمعية، حيث تقول: لدينا برنامج خاص بمحو الأمية ولدينا بالفعل عدد من الدارسين يتلقون تعليمهم بالمرحلة الأولية لمحو الأمية؛ وذلك بالتعاون مع جهاز تعليم الكبار، وقد قدمت وزارة التربية والتعليم المواد التعليمية وتبرعت الجمعية بأجر المدرس المختص، علاوة على توفير حجرة للدراسة بمقرنا، وأيضا نجهز لافتتاح مجلس لتحفيظ القرآن الكريم يبدأ عمله مع نهاية كل عام دراسي، وطول فترة الإجازة يستفيد منه أطفال المنطقة التي تعمل فيها الجمعية.
وذلك لإيماننا الكامل بأن محو الأمية وخلق أجيال أكثر وعيا وإدراكا بمجريات الأمور من حولها من شأنه أن يخرج أطفالا وشبابا لديه القدرة على الإنجاز والعمل، بل ولديه القدرة على تطوير ذاته وأسرته وبالتالي المجتمع الذي ينتمي إليه، ومن يتوفر له ذلك بشكل فعلي يتكون لديه بنيان نفسي صحيح، ويكون أكثر ثقة في ذاته وتقبلها كما هي دون وساوس أو تخوف مما هو قادم، إضافة إلى حبه ونشأته على تقديم يد المساعدة والعون للمحيطين به كما قدمها له الآخرون من قبل؛ وبالتالي نكون قد ساهمنا في خروج رجل صحيح دينيا ودنيويا، وذلك هو كل ما نسعى له ونتمنى تحقيقه بقدر استطاعتنا.
أمل.. أم البنات
وتختتم هانية صبيح حديثها قائلة: حتى تستطيع الجمعية أن تواصل تلك الخدمات وتطويرها نعمل على تحويلها إلى كيان مؤسسي يضمن لها الاستقرار مع المحافظة على الجودة، ولن يتحقق هذا الأمر إلا بوجود مبنى مستقل للجمعية تستطيع منه إدارة هذه الأنشطة وإضافة المزيد منه، وهو ما ندعو الله أن ينعم به علينا وييسره لنا، خاصة أننا لا نملك أي مصدر للتمويل سوى التبرعات التي تأتي من أهل الخير سواء المادية أو العينية. وكما نتمنى لجمعية (أم البنيين) أن تحقق حلمها بزيادة عدد أطفالها وتنفيذ حلمها الأكبر بإنشاء دار (أم البنات) وتحويل الحلم إلى حقيقة واقعة وتجربة ملموسة تنبض بأحلام براعم جديدة لديها القدرة على تحويل الألم إلى حنان، والحزن إلى سعادة، والدمعة إلى ابتسامة، والخوف من الغد إلى أمل في مستقبل مشرق ينتظر هؤلاء الأطفال.. ونحن ننتظره معهم.