انطلقت في العاصمة الأردنية عمان، اليوم الثلاثاء، أعمال الندوة الإقليمية “التراث الثقافي والحضاري في مدينة القدس..الواقع والتحديات” برعاية وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عبدالناصر أبو البصل، وبتنظيم من المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة – الإيسيسكو، والمؤتمر الوطني الشعبي للقدس، واللجنة الملكية لشؤون القدس، والمؤتمر الإسلامي العام لبيت المقدس، وبمشاركة أكاديميين وبرلمانيين وسياسيين وعلماء، ورجال دين مسيحي من الأردن والخارج.
وتناول المشاركون في أعمال الندوة، في يومها الأول، العديد من القضايا والمحاور، من بينها الأخطار المحدقة بالتراث الثقافي والحضاري في مدينة القدس جراء ممارسات الاحتلال، وأهمية الحفاظ على كافة أشكال التراث التاريخي العربي الإسلامي والمسيحي فيها، إضافة للرعاية الهاشمية للمقدسات في المدينة المقدسة.
وافتتحت أعمال الندوة بكلمات لعدد من المشاركين، من ضمنهم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عبدالناصر أبو البصل الذي قال بأن الظروف المحيطة بنا مهما كانت متشابكة وصعبة فلن تصرفنا عن المحور الرئيس في اهتمامنا وبرنامجنا المتمثل بالأقصى والمقدسات في القدس الشريف فالمقدسات تبقى متجددة متجذرة في وجداننا وفي الصدارة من اهتماماتنا وأولوياتنا .
وأشار إلى أن ما يتعرض له الأقصى والمقدسات وكل القدس من تغيير المعالم وتهويدها يحتاج من الأمة جميعاً الوقوف صفاً واحداً وتوحيد كلمتهم وخططهم لمواجهة هذه الهجمة التي قطعت أشواطاً في أعمالها وعلى رأسها ترويج الروايات التوراتية وتنفيذها وادخالها الى الاعلام والسياسة والقانون والتاريخ لافتا الى ان هذه الندوة هي خطوة مهمة وشعلة لاضاءة الطريق في مواجهة خطة اختطاف التراث الحضاري والثقافي لأمتنا في القدس الشريف .
أمين عام المؤتمر الإسلامي لبيت المقدس، د.عزت جرادات قال في كلمة له، بأن معركة الأمة من أجل القدس طويلة منذ وعد بلفور، وممتدة لا تنتهي بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “المشؤوم” الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وأشار بأن المعركة شاقة مع عدو “صهيوأمريكي” تتطلب دعم صمود المقدسيين، اقتصادياً وتجارياً، واستثمارها في مشاريع إسكانية، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات الاجتماعية من تعليم ورعاية صحية وأسرية.
وأضاف بأن المعركة تتطلب كذلك رفض أشكال التطبيع وأمكنته كافة في العالم العربي والإسلامي، مشيراً إلى أن كل نشاط تطبيعي مع العدو الصهيوني يمثل خنجراً في جسم المدينة المقدسة، كما لفت إلى أن المعركة تتطلب تعزيز التضامن الإسلامي المسيحي في تكثيف الوجود العربي الإسلامي المسيحي في القدس، إضافة لتحصين الوصاية الهاشمية برعاية الملك عبدالله الثاني، باعتبارها حقيقة تاريخية ورعاية تطبيقية غير قابلة للمناقشة أو المنافسة، مشيراً إلى أن القدس هي العاصمة الروحية للمملكة الأردنية الهاشمية.
أهمية تكثيف الدعم العربي والإسلامي
بدوره لفت أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس، د.عبدالله كنعان، إلى أن الاهتمام الهاشمي بالقدس، إضافة إلى الاعمار، قد تعدى ذلك إلى النواحي الثقافية والتعليمية، منها إنشاء وقفية الملك عبدالله بن الحسين لتدريس فكر الإمام الغزالي في المسجد الأقصى وجامعة القدس في عام 2012، وفي عام 2019 تم الاتفاق على إقامة مركز الحسن بن طلال لدراسات القدس حيث يعنى بالدراسات المقدسية لما بعد مرحلة الدكتوراه، وغيرها من الإنجازات.
وأفاد كنعان بأن الحفاظ على التراث الثقافي والحضاري، والدفاع عن هذا التراث وعن القدس، هو مسؤولية مليار و800 مليون مسلم، إضافة لـ 350 مليون عربي مسلم ومسيحي، فلا يجوز ترك الأردن وحيداً في مجابهة المخططات الصهيونية في فلسطين والقدس لأن فكر وعقيدة الحركة الصهيونية لن تكتفي بالقدس وفلسطين فقط، بل تضع نصب عينيها الاستيلاء على الثروات العربية والإسلامية كلها، والأردن يقوم بدور خط الدفاع الأول عن هذه الثروات من منطلقات وطنية وقومية ودينية وإنسانية وتاريخية مشهود لها، لافتاً إلى أن ما يقدم للأردن لا يتناسب مع حجم التحديات التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، والتي تسعى الحركة الصهيونية من خلال تطبيقها إلى محاربة أمننا وثقافتنا وهويتنا الراسخة، مؤكداً بأن أمن الأردن وقوته هو أمن للأشقاء جميعاً.
أما أمين عام المؤتمر الوطني الشعبي للقدس، اللواء بلال النتشة، ففد أفاد بأن صفقة القرن التي يتبناها الرئيس الأمريكي ترامب، والتي استهلها بإعلانه القدس عاصمة لإسرائيل، ضارباً بعرض الحائط كافة المواثيق والمعاهدات الدولية، الأمر المتناقض أساساً مع الفهم الاستراتيجي الفلسطيني حيث اجتهاد الأطروحات السياسية التي تأتي لطرح الحلول المقترحة للقدس، والتي في أغلبها تأتي على شكل تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، كأن يتم التعامل مع القدس بجزئيات، كالحديث عن القدس العتيقة، وأحياء القدس الشرقية أو محيطها، أو القدس المحافظة، أو القدس الحاضنة للتجمعات السكانية، لتبدو القدس أصغر كثيرا مما هي عليه، بمعنى أن تقسيم القدس وفقاً لهذه المفاهيم هو محاولة لتطويع الحلول وتفصيلها على مقاسات الأطروحات الإسرائيلية، وما هو إلا استمرار في مسلسل ضياع القدس وسيطرة دولة الاحتلال عليها، وإن اختلفت الأدوات والسبل والطرق في ذلك.
من جانبه، أكد ممثل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة – الإيسيسكو، د. مصطفى أبو عيد، بأن فلسطين والقدس الشريف تحتل صدارة الاهتمام في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، منذ إنشائها، وفي إطار وعي المنظمة لما يتعرض له التراث الثقافي في القدس من خطر يتهدد المدينة والمقدسات، بما فيها المساجد والكنائس، في عموم القدس وفلسطين، فقد أحدثت المنظمة لجنة دائمة من الخبراء والمتخصصين، تجتمع سنوياً وتعنى برصد الانتهاكات والاعتداءات وأعمال الحفريات التي تطال المسجد الأقصى ومحيطه، كما اعتمدت المنظمة برنامج عمل للحفاظ على التراث الثقافي والحضاري في القدس الشريف، وتعمل على تسويقه ورصد التمويل الخاص به.
وتضمنت الندوة في يومها الاول على محورين المحور الاول حمل عنوان التراث الثقافي في مدينة القدس : الواقع والتحديات و سبل الحماية و الصون في جلستين الاولى تحدث فيها المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية سماحة الشيخ محمد حسين ومفتي عام المملكة الاردنية الهاشمية سماحة الدكتور محمد الخلايلة والأستاذ في الجامعة الاردنية الدكتور مهند مبيضين برئاسة مدير مركز الحسين بن طلال لدراسات القدس الدكتور محمد هاشم غوشة .
حماية التراث والمقدسات
ونوّه الشيخ محمد حسين إلى أن المقدسات هي أمانة ووديعة في يد المسلمين يجب عليهم الحفاظ عليها، مشيراً إلى الأخطار التي تتعرض لها القدس بدأت منذ اليوم الأول لاحتلالها من جانب الصهاينة في حزيران 1967، حيث أطلقت حينها القنابل على عدد من المعابد كالمسجد الأقصى الذي أصيبت أجزاء منه، إضافة لقبة الصخرة، لتأتي بعدها جرافات الاحتلال وتهدم أماكن محيطة بالأقصى كحي المغاربة بما فيه من أوقاف، وكان الهدف من ذلك طمس المعالم الحضارية الناطقة بعروبة وإسلامية القدس، لتتوالى بعدها الاعتداءات كحرق الأقصى والحفريات والاقتحامات والاعتداء على موظفي الأوقاف والمقدسات، وغيرها من الانتهاكات المستمرة حتى يومنا هذا.
وتناول مفتي عام المملكة الاردنية الهاشمية سماحة الدكتور محمد الخلايلة خلال حديثه نظرة علماء الدين إلى التراث، موضحاً بأن التراث هو كل ما تركه السلف سواء أكان مادياً أم معنوياً، وأشار إلى أن أية إشكالية حول هذا الموضوع تتفكك عند الحديث عن التراث الحضاري والثقافي في القدس، كون أن الدين الإسلامي دعانا للحفاظ على جميع التراث المادي الموجود في المسجد الأقصى المبارك، لأن التراث هو الخيط الذي يربط الماضي بحاضرنا اليوم، مما يجعلنا نخطط لمستقبلنا، سيما أنه لا يمكن لأية أمة حية أن تنفصل عن تاريخها وتراثها.
أما المؤرخ والأستاذ في الجامعة الاردنية الدكتور مهند مبيضين فقد دعا لإنشاء منصة واحدة للوثائق الفلسطينية، معللاً ذلك بوجود أعمال النهب والبيع والتشتت للوثائق، مبيناً بأن الأرشيف والوثائق التي تؤرخ لفلسطين والقدس تتوزع في العديد من الدول داخل الوطن العربي وخارجه.
واكد المتحدثون خلال الجلسة على ضرورة تكاتف الجهود العربية والاسلامية لحماية التراث في القدس ومنع وصول الاسرائيليين له والسعي الى تأريخة وحمايته وتوثيق كل ما يلزم حتى نحافظ على هذه التراث المهم لهوية المدينة المقدسة.
وفي الجلسة الثانية قدم امين عام وزارة الاوقاف المهندس عبد الله العبادي مادة فلمية استعرض فيها الاخطار المحدقة بالمسجد الاقصى المبارك من خلال الحفريات وحفر الانفاق وبناء الكنس والقبور الوهمية ومحاولة تعميم الروايات الوهمية وتركيب جدار الكتروني ومجسات حول المسجد الاقصى والسعي الى تقسيم المسجد الاقصى مؤكدا على اهمية التصدي لهذه المخططات وتكاتف الجهود في سبيل ذلك.
واضاف العبادي ان المستوطنين والمتطرفين والحاخامات اليهود يسعود دائما للاقتحامات اليومية بهدف الضغط ومحاولة تغيير الواقع وزيارة الهيكل المزعوم وهو ما يتطلب الحماية الكبيرة والموقف المتكاتف من الدول العربية والاسلامية في دعم المسجد الاقصى لمواجهة هذه الاقتحامات اضافة الى محاولتهم تغيير اسماء المواقع الجغرافية والاستيلاء على الوقف المسيحي وبناء المتاحف وهو ما يعدفون من خلاله الى تغيير الواقع.
مدير عام أوقاف القدس، محمد عزام الخطيب التميمي، استعرض أعمال الرعاية والإعمار التي قام بها الهاشميون للقدس والأقصى، مشيراً إلى أنهم حملوا مسؤولية رعاية المدينة ومقدساتها عبر قرن من الزمن، وعملوا جاهدين لتبقى المدينة عربية إسلامية الطابع والهوية، وقد عملوا على رعايتها من خلال مشاريع متواصلة، حفاظاً على المقدسات ودعماً لأهلها لتعزيز ثباتهم على ثرى المدينة المقدسة.
وحمل المحور الثاني عنوان (مؤسسات الوقف الاسلامي والمسيحي ودورها في حماية وحفظ التراث المقدسي) اكد من خلالها المتحدثون على ان القدس غنية بالوقف الاسلامي والمسيحي الذي يؤكد اولا اهمية المدينة دينيا وهويتها العربية الاسلامية اضافة الى ضرورة العمل المشترك للحفاظ على الوقف وتعظيمه وحمايته من اي اعتداءات وليستفيد منه المقدسيون والمقدسات الاسلامية و المسيحية هناك.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=107579




