انهار نظام المحاصصة الطائفية ولا سبيل للإنكار والمكابرة. معظم أركان
النظام المتداعي واللاعبين في ملعبه أقروا مداورة بهذه الحقيقة، بمجرد إجازتهم،
مجاملة، «المطالب المحقة» للحراك الشعبي. المطالب المحقة كثيرة: لكن
أكثرها شعبية ومقبولية ثلاثة: إسقاط النظام: إنهاء الفساد والفاسدين: وتأمين
العيش الكريم.
بعضٌ من النظام الطائفي سقط مع استقالة الحكومة. أركان النظام
المتداعي واللاعبون في ملعبه منشغلون الآن بتشكيل حكومة بديلة، بينما أهل الحراك
الشعبي على امتداد الجمهورية، منشغلون باستكمال هدم النظام الفاسد بغية بناء نظام
بديل بل نقيض. هل موازين القوى المحلية والظروف الإقليمية تسمح لأهل النظام
بترميمه؟ أم تتيح للمنتفضين عليه مباشرة بناء بديله المدني؟
رئيس الجمهورية وتكتّله النيابي «لبنان القوي»: وخصومه السياسيون،
وأبرزهم حزب القوات اللبنانية، يفضّلون ترميم النظام على إبداله بنظام نقيض. حزب
الله وحليفته حركة أمل لا يستعجلان إرساء قواعد نظام بديل، بل يفضلان الإسراع في
تشكيل حكومة وطنية متوازنة لتفادي فراغ دستوري وسياسي، وانهيار مالي واقتصادي يبدو
وشيكا. القوى الوطنية والتقدمية (قوامها الأحزاب اليسارية والعلمانية وبعض تشكيلات
المجتمع المدني) تؤيد المطالب الأكثر راديكالية للحراك الشعبي.
إلى ذلك، تبدو القوى المحرّكة للحراك الشعبي جادة في تعزيزه وإبقائه
حيّاً وناشطاً في الشارع، لغاية تحقيق «مطالبه المحقة»، وفي مقدّمها المطالب
الراديكالية الثلاثة المار ذكرها.
رئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري وحزبه وحلفاؤه يجيزون بعض مطالب
الحراك الشعبي غير الراديكالية، وذلك في سياق ما يؤدي إلى ترميم النظام المتصدّع
وعدم «الانزلاق» إلى نقيضه.
رئيس الجمهورية وتكتله النيابي: كما حزب الله وحركة أمل والحلفاء: لا
يمانعون في إعادة تكليف الحريري تأليف الحكومة، لكنهم يشترطون التوافق مقدماً على
برنامجٍ للحكومة العتيدة يراعي مصالح مكوّناتها ولا يجافي مطالب الحراك الشعبي.
إذا جرى التوافق على برنامج الحكومة، لا يعود مهماً شكلها، سياسية مؤلّفة من
مكوّنات صانعيها، أم تكنوقراطية أم تكنوسياسية. القوى المحركة للحراك الشعبي، كما
القوى الوطنية والتقدمية ترفض بالتأكيد حكومةً بالمواصفات المار ذكرها. ذلك انها
ترفض القبول بمقولة ترميم النظام بدعوى عدم وجود موازين قوى محلية، وظروف إقليمية
مؤاتية. فهي تدعو، في المقابل، لتأليف حكومة تباشر، برفق وجدّية، اعتماد برنامج
لبناء قواعد تأسيسية لدولة مدنية ديمقراطية. إن بقاء هذه القوى الفاعلة متضامنة
وناشطة في الشارع، قد يمدّد أمد الصراع المحتدم بين القوى السياسية المتنافسة،
ويزيد الأزمة تعقيداً في ظل صعوبات مالية واقتصادية جمّة، يهوّل اهل النظام
باحتمال تسبّبها بانهيار مالي واقتصادي.
الحقيقة أن الانهيار الجاري التخويف به ومنه حاصل، وتأليف حكومة
ببرنامج محدود لا يتصدّى لمعالجة جذرية للصعوبات والتحديات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية القائمة والماثلة، سيعجل في اكتمال الانهيار على جميع المستويات.
وعليه لا فعالية ولا جدوى من اعتماد المزيد من الشيء نفسه، بل يقتضي اقتناع
اللاعبين جميعاً، وبلا مراوغة بأن نظام المحاصصة الطائفية سقط، ولا سبيل إلى
ترميمه، وإنه يجب والحالة هذه التوجّه بلا إبطاء إلى اعتماد تدابير استثنائية
تتطلبها الظروف الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد، وذلك باتخاذ الخطوات المشروعة
الآتية:
أولاً: تأليف حكومة وطنية جامعة من قياديين اختصاصيين، بصلاحيات
استثنائية (إصدار
مراسيم اشتراعية) وببرنامج عمل راديكالي مكثف قوامه، تطوير وتنفيذ الورقة
الاقتصادية الإصلاحية التي أعلنها سعد الحريري قبل أسبوع من استقالته، واتخاذ
إجراءات تنفيذية معجلة لاسترداد الأموال العامة المنهوبة، وإحالة المرتكبين على
القضاء، ووضع مشروع قانون ديمقراطي للانتخابات على اساس أن يكون لبنان دائرة وطنية
واحدة، واعتماد نظام التمثيل النسبي، وتنفيذ المادة 22 من الدستور التي تقضي
بانتخاب مجلس للنواب على أساس وطني لا طائفي ومجلس للشيوخ لتمثيل الطوائف.
ثانياً: إحالة مشروع قانون الانتخابات الجديد على مجلس النواب،
لإقراره بلا إبطاء بغية إجراء الانتخابات خلال فصل الربيع المقبل. واذا تأخر مجلس
النواب أو امتنع عن إقرار قانون الانتخاب الجديد، خلال مهلة شهرين من تاريخ إحالته
عليه، تقوم الحكومة بموجب مرسوم اشتراعي، على استفتاء شعبي لإقراره، على أن يتضمن
أحكاماً لاستكمال انتخاب مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وفق المادة 22 من الدستور،
وأحكاماً أخرى لتحديد صلاحيات مجلس الشيوخ موضوع المادة ذاتها.
ثالثاً: يكون من حق الحراك الشعبي والقوى السياسية الوطنية المتضامنه
معه، بل من واجبها في هذه الظروف الاستثنائية، في حال عدم تنفيذ التدابير موضوع
الفقرتين «اولاً» و»ثانياً» أعلاه، المبادرة إلى عقد مؤتمر وطني تأسيسي جامع
لمناقشة وإقرار أسس بناء الدولة المدنية الديمقراطية، بدءا بمشروع قانون
الانتخابات الديمقراطي، الذي يكفل إقامتها وفق أحكام الدستور، ولاسيما المواد 7
و22 و27 منه، على أن يصار إلى إقرار القانون المذكور باستفتاء شعبي لتصبح أحكامه
شرعية ومعجلة التنفيذ.
إن الحراك الشعبي العابر للمناطق والطوائف والمشارب ، شكّل بحد ذاته
استفتاء شعبيا كرس سقوط نظام المحاصصة الطائفية، فلماذا لا يصار إلى التأسيس
للدولة المدنية الديمقراطية، بدءا بقانون للانتخابات يؤمّن صحة التمثيل وعدالته،
ويصار إلى إقراره باستفتاء شعبي؟ وهل إقرار هذا القانون في مجلس النواب الحالي
اكثر مشروعية وشرعية من إقراره في استفتاء شعبي على مستوى لبنان كله؟
الى ذلك، هل من خيار أجدى وأفعل؟.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=109560
