خُبُوّ الأيديولوجيا وانعكاساته عالميا وعربيا

بقلم: فايز رشيد

كثيرون من الكتّاب والسياسيين العرب والعالميين تحدثوا وكتبوا عن أفول الأيديولوجيا، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية عام 1991. حتى أن فرانسيس فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» الصادر عام 1989،استفاد من مقدمات انهيار النظام الشيوعي ليحسم مسيرة التاريخ في اتجاه الرأسمالية ومبدأ التجارة الحرة.
تماما كما استنتج صموئيل هنتنغتون في كتابه «النظام السياسي لمجتمعات متغيرة» وزبيغنيو بريجنسكي في كتابه «رقعة الشطرنج الكبرى». هؤلاء وغيرهم أصدروا كتبا وخطّوا مقالات تناولت موضوع موت الأيديولوجيا، أو نهاية عصرها، وكتبوا عن أهمية الانفكاك منها لصالح الأوليغارشية المالية، والتقدم التكنولوجي ومراكمة رأس المال، مثلما ركّز في إصداراته «مركز كارينغي للسلام» وهو مركز أبحاث أمريكي معروف.
اعتبر أصحاب هذا النهج أن الأيديولوجيا هي الطريق لتدمير العالم، وهدم الدولة الوطنية، وهي طريق لظهور جماعات قد يلجأ بعضها إلى حل تناقضاته عن طريق السلاح . كما أنها تعمل على تفشي الأمية، وتنامي دور السوق السوداء.. ولكن بعد مرور ثلاثة عقود على خبوّ (ولا نقول أفول أو موت) الأيديولوجيا، هل امتلك العالم خشبة الخلاص من إشكالاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكثيرة؟ أم بات أكثر أمنا وتسييدا للعدالة وإنهاءً للحروب العدوانية؟ وأقلّ امتصاصا لخيرات وثروات الشعوب؟ وهل باتت العولمة الرأسمالية خشبة الخلاص للتطور الذاتي للدول؟ نقول خبوّ الأيديولوجيا، لأن هناك دولا ما تزال تعتنق الأيديولوجية الشيوعية: الصين، كوريا الشمالية وفيتنام الشمالية. وبعض الدول ينتهج الأيديولوجيا الاشتراكية، كوبا، بوليفيا، فنزويلا وغيرها. ثم أن الأيديولوجيا في العادة عابرة للقارات، لذا من الخطأ القول بـ(موتها) فهناك مئات الأحزاب الشيوعية والأخرى الاشتراكية والجماعات/ الأحزاب اليسارية في قارات العالم الخمس، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها، فهناك الحزب الشيوعي الأمريكي، كما في كندا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، بريطانيا، عدا عن آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية.
لو بحثنا في التاريخ الإنساني، فهو عبارة عن تراكم أحداث وقعت في الماضي. في حاضرنا يتكرر بعضها بشكل مختلف «إمّا على شكل مأساة أو شكل مهزلة». الماضي متصل بالحاضر المتطور حتما في عوامله المتعددة، بالتالي تصاحب الأحداث بتطور الوعي الإنساني، فهو الذي أنتج وينتج القوانين المتحكمة في التطور المجتمعي، والتحكم في أدوات ووسائل الإنتاج، بالتالي فإن هذه القوانين تندرج ضمن الفعل البشري، ومدى وشكل وعي وفاعلية الإنسان، الذي إن امتلكه طبقيا، فسيسهل عليه تحليل الوقائع الاقتصادية، كما الوقائع السياسية «فالسياسة هي أولا وأخيرا اقتصاد مكثف» وفقا للفلسفة. امتلاك الوعي الممنهج، يعني امتلاك الأيديولوجيا. يتكئ بعض منظّري العولمة الرأسمالية على أن الاقتصاد الحرّ في عالمنا، لا يخلو أيضا من الأيديولوجيا، فقد أخذ بعض من سمات النيوليبرالية، وتم اعتبار الأخيرة فكرا أيديولوجيا مبنيا على الليبرالية الاقتصادية، التي تعتبر مكونا أساسيا لليبرالية الكلاسيكية. لكن تطبيقها يعني تبني سياسة اقتصادية تقلل من دور الدولة، وتزيد من دور القطاع الخاص. كما تسعى هذه (النيوليبرالية) لتحويل السيطرة على الاقتصاد من الحكومة إلى القطاع الأخير، بدعوى أن ذلك يزيد من كفاءة الحكومة، ويحسّن الحالة الاقتصادية للبلد. نعم إنها تدعو إلى تقليص القطاع العام إلى أدنى حد، والسماح بأقصى حرية في السوق، ويستخدمها بعض اليساريين كتعبير «ازدرائي» لما قد يعتبره بعضهم خطة لنشر الرأسمالية الأمريكية في العالم. من جهة اُخرى يعتبر بعض المحافظين والليبرتاريين هذا التعبير خاص باليساريين، يستخدمونه لتشويه فكرة السوق الحر. للعلم لهذا اللفظ مدلول قديم انقرض استعماله حاليا، وهو الذي أطلقه الاقتصادي الألماني ألكسندر روستوف على ما سماه» الليبرالية الاشتراكية»، وهو أول من اقترح الشكل الألماني لتحسين الحالة الاقتصادية للبلدان.

كما يحلو للبعض تسمية حاضرنا بـ«عصر التكنولوجيا» بعد موت الأيديولوجها، أو أفولها. إنهم يؤكدون مقولتهم بثقة. يردّ على هؤلاء المؤرخ والناقد الاجتماعي والسياسي الأمريكي هوارد زن في كتابه القيّم «التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية» قائلاً: «عندما حاربت الولايات المتحدة في فيتنام كانت تمثّل التكنولوجيا الحديثة المنظمة، مقابل البشر المنظّمين، وانتصر البشر»، ويستطرد، أجل، لقد بذلت أعتى وأقوى دولة في التاريخ، أكبر جهد عسكري لم تنقصه سوى القنابل النووية، كي تهزم حركة ثورية قومية، في بلد زراعي صغير، وفشلت لأن «البشر المنظمين» في مواجهتها كانوا مسلحين بما هو أفتك من أدوات التكنولوجيا. بالطبع، الشيوعية ليست دينا بقدر ما هي أيديولوجيا كما غيرها من الأيديولوجيات بمعنى منظومة من الرموز والمفاهيم والمعاني والمعايير والمسالك، يفسّر بها الناس (والثوار تحديدا) الأحداث من حولهم، ويضعونها في مكانها من سياق همومهم الحياتية الآنية، ويستلهمونها في سعيهم إلى مستقبل أفضل.
وللإجابة على كل التساؤلات السابقة، فقد شهدنا بعد انهيار الانظمة الأيديولوجية، تفرّدا أمريكيا بالسياسات العالمية، أصبحت الولايات المتحدة شرطيّ العالم، وبهتت الأمم المتحدة وقراراتها، كما كافة الهيئات القانونية والحقوقية التابعة لها. شهدنا ونشهد ابتزازا أمريكيا ـ غربيا ـ صهيونيا للدول، وزيادة للتحكم في أوضاعها الداخلية، وأصبح الولاء للسياسة الامريكية والرضوخ لإملاءاتها، أحد المعايير لبقاء النظام الحاكم، وحتى بقاء الدولة ذاتها، على صعيد القارات الثلاث: آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية. شهدنا حروبا أمريكية تشن على بعض الدول: أفغانستان، العراق (والعديد من دول أمريكا اللاتينية: تشديد الحصار على كوبا بعد أن حلحله أوباما، تبني أمريكا للمعارضة الفنزويلية، التدخل في الانتخابات البرازيلية وإنجاح المرشح الأمريكي، إلخ.
على الصعيد العربي جرى غزو العراق واحتلاله تحت دعوى امتلاكه للأسلحة الكيماوية (ليتبين في ما بعد من خلال ما كشفه وصرّح به كولن باول أن ذلك فبركة أمريكية)، إرسال قوات امريكية إلى الخليج العربي وسوريا، تحت غطاء «مكافحة الإرهاب»، إطلاق يد إسرائيل في العالم العربي، وتأييد كلّ خطواتها في الاستبيان والاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لها، التخلي عن هدف إقامة الدولة الفلسطينية، اعتبار كل أشكال العدوان الصهيوني على الفلسطينيين والعرب دفاعا مشروعا عن النفس، إجبار الدول العربية على شراء صفقات أسلحة أمريكية (لا تحتاجها ومقيدة الاستعمال) بمئات مليارات الدولارات سنويا. فرض مبالع سنوية على بعض الدول العربية، كالسعودية، وإجبارها على دفع 450 مليار دولار أجرة «حمايتها» وبقاء نظامها. وعلى ذلك قسْ. إننا نعني بالأيديولوجيا، امتلاك الفرد أو الجماعة لمجموعة من القيم والأخلاق العليا والأهداف التي تصبو لتحقيقها، والحزب الذي ليست له أيديولوجيا ينظر له كحزب انتهازي، حتى لو كان حزباً علمانياً، فالأيديولوجيا مهمة، لأنها تعطي للموقف السياسي بعدا أخلاقيا وتبرره. جورج بوش الابن (الحريص جداً على الحرية والديمقراطية للشعب العراقي) قال قبل غزو العراق ما نصه: «الحرية هبة الله القدير لكل رجل وامرأة في هذا العالم، وإن على الولايات المتحدة كأكبر قوة على وجه الأرض، واجب العمل على نشر الحرية». لكن الحرية والديمقراطية التي من أجلها احتلها، كانت الممارسات القميئة للجنود الأمريكيين في سجن «أبو غريب»، إضافة إلى سرقة ثروات العراق ونفطه وآثاره، وبناء تسع قواعد أمريكية على أراضيه، وإعطاء الضوء الأخضر للموساد الصهيوني للعبث بأمنه والتحكم في شماله.
في ظل الأيديولوجيا لم يجرؤ كنيدي على غزو كوبا بعد أزمة «خليج الخنازير». صحيح، أن خروتشوف سحب الصواريخ الروسية من أراضي كوبا، ولكن ضمن اتفاق عدم الاعتداء الامريكي على اراضيها. لعبت الأيديولوجيا دورا في إفشال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، رغم أن الدور الرئيسي يعود لبطولة الشعب المصري وقيادته بزعامة الخالد عبدالناصر. صحيح أن الاتحاد السوفييتي ارتكب خطأ عندما أبلغ عبدالناصر عدم ترجيح خيار الحرب عام 1967، لكن لماذا لم يتجهز الجيش المصري على احتمال الحرب والإعداد لها. وحطّم الكيان الصهيوني بمعاونة حليفته الاستراتيجية الأمريكية، الطائرات المصرية في مطاراتها. ومع ذلك عوّض الاتحاد السوفييتي مصر كافة الأسلحة التي فقدتها. ورغم ذلك قام خليفته السادات بطرد الخبراء السوفييت من مصر، وقام بحربه التحريكية لا التحريرية. لولا الأيديولوجيا لما تم بناء السد العالي، وقيام الثورة التصنيعية في مصر. الأيديولوجيا ساعدت في تحرير جنوب اليمن والجزائر وبلدان أخرى في القارات الثلاث. لو كانت الأيديولوجيا قائمة لما آلت أحداث الربيع في عام 2011 لما آلت إليه. عمليا لو أن انتفاضتي لبنان والعراق الحاليتين، في ظلّ الأيديولوجيا لامتلكت كل منهما قيادة موحدّة وواحدة، تحدد مطالب الجماهير، وتنظم تحركها اليومي بعيدا عن التناقض في أوساط المنتفضين: إغلاق الطرق العامة أو فتحها، وتعلن مطالبها الرئيسية التي لن تتزحزح عنها أبدا.