العمل الخيري التركي..”فضاءات” لا تعرف الحدود

بقلم: الدكتور عصام يوسف- رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة

يقدّم التاريخ صوراً تكاد تكون “ملحمية” لما سطرته مآثر الشعب التركي في أعمال الخير، تمنح للباحث العلامة الدامغة على حب الأتراك للحياة، والالتزام بالقيم الإنسانية من جانب، ومشاركة المعوز والمكلوم آلامه وعذاباته، والانصراف لإغاثته دون حساب، من جانب آخر.

يبرهن على ذلك شواهد تاريخية، كـ”فزعة” الخير حين هب الأتراك لتقديم الدعم الإنساني للشعب اليوناني، خلال تجربة المجاعة التي مرت بها أثينا إبان الحرب العالمية الثانية، على الرغم من الخلاف التاريخي اثر التنازع على الحدود، وقضية جزيرة قبرص، التي أدت إلى الاشتباك العسكري، وحالة الاستنفار المستمر بين الطرفين.

شحنات الأغذية والأدوية والملابس، المرسلة من جانب الشعب التركي ومؤسساته الخيرية، إضافة لمساعدات أرسلتها حكومات عبر تركيا، تجاوزت حدود العمل الإغاثي، إلى تغليب للحس الإنساني، وارتقائه فوق أي اعتبارات، فالعين التركية حينها كانت تنظر داخل إطار السمو الإنساني على كل شيء، مع تهميش للخلافات، وأية مشاعر محتقنة أفرزتها النزاعات السياسية.

القلق التركي على الجار، والأخ في الإنسانية، تجاوز فوق كل ذلك المعاناة الداخلية، فتركيا كانت تواجه كذلك نقصاً في الغذاء، إلا أن الوعي التاريخي للجهود الإنسانية فاق الحسابات الضيقة، التي تقهقرت أمام إحداث المؤسسات الإغاثية فوهةً في جدار التراخي الدولي تجاه الأزمة، لتسفر جهود هذه المؤسسات وعمال الإغاثة الذين تحولوا لنجوم، عن خلق قوة ضغط أدت لانخراط سياسي أوسع لمعالجة أسباب الكارثة.

التاريخ لا يتوقف عن سرد تفاصيل فلسفة العمل الخيري والإنساني في الحالة التركية المتميزة، فانغماس العمل الخيري التركي في التاريخ تفصح عنه “أسبلة” المياه في مدينة “أرضروم” (شرقي تركيا)، وغيرها من الحواضر في بلاد الأناضول، التي لا تزال منذ أكثر من ألف عام، وحتى يومنا هذا، إحدى الشواهد على عمق العطاء المتجذر في روح وفكر الإنسان التركي.

إضافة إلى ذلك، يعتبر الأتراك هذه الأسبلة شاهد على مراحل ازدهار حضارتهم ذات الطابع الإسلامي، والتي يعد عشق العمل الخيري أحد أركانها، ووجهها المشرق، ورسالتها التي عبرت الآفاق لتصل إلى الحضارات الأخرى وتبلغ عن رقي العقل التركي الإسلامي، دون استئذان ودون حاجة لتأشيرة عبور، حيث الحضارات تتواصل وتتلاقح بمنجزاتها وبما تقدمه بشكل تشاركي للإنسانية بصرف النظر عن العرق والدين والتوجه الفكري، حيث التمايز بجودة المنتج الفكري والإنساني.

ميراث خيري وقيمي

ويستدل على توارث تحضر الفكر والسلوك، هو استمرارية حالة العطاء لهذه الأسبلة التي لا تزال حتى اللحظة تمنح الظمآن شربة الماء، وتلبي احتياجات السكان من المياه، من خلال انتشار العشرات منها، لتقوم بدورها بالتأريخ للحقبتين “السلجوقية” و”العثمانية”، ولتؤكد بأن مياه نهر الخير-دائم الجريان- التي سقت وتسقي ملايين البشر ليس لها أن تنضب، أو تتوقف عن مد الظمآن بالحياة، والبشرية بالقيم الإنسانية.

الميراث الخيري و”القيمي”، يحمله الشعب التركي كحرز في عقولهم وأفئدتهم، ويعبرون عنه في وقتهم الحاضر، من خلال مؤسسات تعمل وفق أسس مهنية وإدارية ذات حرفية عالية، ومستوى متقدم من العمل الخيري الذي يوظف مختلف الأدوات التقنية والفنية ليتربع على رأس قوائم الهيئات والمنظمات الإنسانية الدولية ذات الإمكانيات الواسعة، والقدرات الكبيرة على الوصول للمحتاجين من أقصى الأرض إلى أقصاها.

ولا بد من الإشارة لبعض هذه المؤسسات، بهدف التطرق لدورها الهام في رفد العمل الخيري بالخبرات والأفكار، وإسهاماتها في الجهد الإنساني المحلي والإقليمي والدولي، حيث لا يأتي انتقاؤها من باب المفاضلة إحداها على الأخرى، بل من منطلقات إبراز أنماط العمل الخيري المختلفة، وشكل الأداء.

كما أن سطورنا هذه لا يمكن لها أن تحيط بكل المحتوى الخيري التركي، بما يحمله من عظمة المنجز والمردود، فضلاً عن عدم إمكانية تناول المؤسسات كافة، ذات الانتشار الواسع، والحيوية الكبيرة التي لا تعرف الكلل أو الملل.

التضحية من أجل قضية أخلاقية وإنسانية

من بين هذه المؤسسات “مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية “(IHH)، التي أثبتت تميزها الخاص من نواحي عدة، أهمها إتباع منهاج مختلف في دعم وتثبيت المبادئ الخيرية والقيم الإنسانية، من خلال مساعدة وإغاثة المحتاجين، والأخذ بيدهم من أجل ممارسة حياتهم بشكل اعتيادي، وحقوقهم الطبيعية كبشر، وقد قامت من أجل هذه الغايات بتوسيع نطاق عملها ليشمل 120 دولة، حيث تسعى لتقديم مختلف أنواع الدعم للمصابين والمحتاجين في شتى أنحاء الأرض سواء بسبب الحروب أو الاحتلال أو الكوارث الطبيعية، وتعطي الأولوية لتلك المناطق المتضررة من الحروب والمنكوبة من الظواهر الطبيعية والتي تعاني الفقر من مختلف دول العالم بغض النظر عن بلدانهم وأديانهم ومعتقداتهم وعرقهم ولغاتهم.

وتنشط المؤسسة في العديد من بلدان العالم المتضررة جراء الكوارث الطبيعية، إضافة لمحاربتها العوز في جيوب الفقر المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، حيث تنفذ مشاريع كحفر آبار المياه، وتوزيع المواد الغذائية، وتنفيذ مشاريع الأضاحي، وتنفيذ مشاريع دعم اللاجئين، إضافة للمشاريع الأخرى ككفالة الأيتام، وتقديم الدعم الصحي والتعليمي، فضلاً عن الأنشطة الثقافية والاجتماعية، حيث شملت هذه المشاريع أكثر من 135 بلداً وإقليماً في خمس قارات، من بين هذه البلدان: سوريا والعراق واليمن وفلسطين وأندونيسيا وأفغانستان وباكستان والسودان والصومال..وغيرها من الدول.

ولعل تجربة “أسطول الحرية” الذي أسهمت بشكل فاعل في إطلاقه في مايو 2010 بهدف كسر الحصار عن غزة، يعتبر من أوضح الأمثلة على الحالة “القيمية” التي تتبناها المؤسسة، وتؤمن بكونها مقرونة بالجانب الخيري والإنساني، على الرغم من هامش المخاطرة الكبير الذي كان يحف التجربة قبل انطلاقها، ما يؤكد على ثبات هذه المبادئ والقيم داخل عقول وقلوب القائمين على المؤسسة، وإيمانهم بأن خوض غمار الدفاع عن الحقوق الإنسانية لبني البشر هو جزء من عقيدة راسخة بداخلهم.

وعلى الرغم مما آلت إليه جريمة الاعتداء الصهيوني على سفن كسر الحصار، واستشهاد 11 متضامناً تركياً كانوا على متن سفينة “مافي مرمرة” التي أطلقتها المؤسسة وأعدّتها بالمساعدات الإنسانية والمتضامنين، إلا أن قناعات المتضامنين والقائمين على المؤسسة تؤكد على أن نتائج التجربة جاءت في سياقات التضحية من أجل أداء الواجب الإنساني والأخلاقي، تجاه قضية إنسانية تحمل في مضامينها السياسي والعقدي والأخلاقي، وتوحي إلى كل حر وصاحب ضمير حي أن يؤدي واجبه تجاهها.

هذا الرابط الإنساني العقدي الأخلاقي دفع بمؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية أن تذهب بعيداً في تقديم الدعم للشقيق الفلسطيني، وذلك بقطعها عهداً على الاستمرار في دعم أبناء الشعب الفلسطيني، سيما المحاصرين في غزة، الأشد حاجة للدعم في هذه المرحلة، بعدما أوصل الحصار أبناء القطاع إلى حافة الكارثة الإنسانية، من فقر وبطالة غير مسبوقة عالمياً، وموت للمرضى نتيجة نقص الدواء والمنع من السفر للعلاج.

يشاطر مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية هذا الإيمان بالمبادئ والقيم الإنسانية، الذي من مؤداه تلبية النداء الإنساني تجاه المحاصرين في غزة، جمعية “غزي دستك” التي تخصصت بالشأن الإنساني لقطاع غزة، وذلك مع التدهور المتسارع للواقع المعيشي للمحاصرين في القطاع منذ سنين طويلة، حيث استهدفت بمشاريعها القطاعات الأشد احتياجاً كالصحة والسكن والمياه والتعليم، وغيرها.

فقد نفذت الجمعية عدداً من مشاريع تحلية المياه لخدمة الغزيين الذين يعيشون على بقعة صغيرة من الأرض تعاني من تلوث بالمياه بلغ نسباً غير مسبوقة، وصلت إلى 95%، وإطلاقها الحملات لتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، مع فقد الكثير من أصنافها في القطاع، من ضمنها حملة “بلسم شفاء..حتى لا يتوقف النبض”، التي هدفت لتأمين الطاقة الشمسية للمستشفيات مع شح الوقود، والعمل على علاج وتأهيل المصابين وذوي الإعاقة، إلى جانب توفير الدواء، والمستلزمات الطبية.

كما خصصت الجمعية الكثير من الدعم لإعادة إعمار، وترميم آلاف المنازل التي دُمرت نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على القطاع، وأطلقت من أجل هذه المشاريع حملة “إعمار وإيواء..حتى لا يتوقف النبض”، فضلاً عن إطلاقها حملة “حقي أتعليم..حتى لا يتوقف النبض”، الهادفة لتقديم المنح الجامعية لطلبة القطاع، وتسديد الأقساط المتراكمة على الخريجين، وتوفير الطاقة الشمسية للجامعات والمدارس وبرامج محو الأمية لذوي الإعاقة وتشجيع ودعم التعليم المهني والتقني.

مؤسسات عابرة للحدود

وتعد “وكالة التعاون والتنسيق التركية التابعة لرئاسة الوزراء (تيكا TIKA)” من بين المؤسسات التي اجتهدت على مدى أعوام طويلة في رسم قسمات الوجه الإنساني لتركيا، حيث حرصت الدولة التركية على إظهار الوجه المشرق لحضارة البلاد، التي تعد جزءاً من الحضارة الإسلامية، من خلال مؤسسات كبيرة تتبع منهاجاً حداثياً في العمل الخيري الإنساني، اعتمد طواقمها وعاملوها على أساسه طي المسافات في أقاصي الأرض لغوث المحتاج، ومد يد العون لكل معوز.

يدعم هذه الجزئية من الحديث اتساع ميادين عمل “تيكا”، فقد وصلت الوكالة بمساعداتها ومشاريعها المختلفة إلى 140 دولة، بحسب تقارير رسمية، كما تقدر أعداد مكاتب التنسيق التابعة لها بـ 52 مكتباً، يضاف إلى ذلك فاعلية خطط الدولة التطويرية لعمل الوكالة، حيث تشير الأرقام إلى أن قيمة المساعدات الإنمائية المقدمة من “تيكا” عام 2002 قدرت بـ 85 مليون دولار، فيما ارتفعت قيمة تلك المساعدات عام 2014 إلى 3 مليارات و 591 مليون دولار.

وتوضح الأرقام المذكورة حول تطور عمل الوكالة توجهات الدولة التركية في احتلال مساحات واسعة على خارطة العمل الإنساني العالمي، واستغلال الفرص كافة من أجل عقد المؤتمرات والندوات التي تدعم هذه التوجهات، لتقود إلى مؤشرات أكثر وضوحاً واتساعاً من خلال قراءة سريعة لبعض المعطيات التي تفيد بأن: قيمة إجمالي المساعدات الخارجية التركية زاد عام 2014 بنسبة 47% مقارنة بعام 2013، لتصل إلى6.4 مليار دولار، بينما زادت المساعدات الإنمائية التركية الرسمية 42 مرة، خلال الأعوام الـ 12 الماضية.

وفي المحصلة، فإن تركيا تحصد منذ أعوام مضت ثمار ما تجنيه من خلال العملية التطويرية لمجال العمل الخيري، وهذا ما تؤكده الأرقام الصادرة عن “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، التي تفيد بأن “تركيا حلت عام 2014 في المركز الثاني عالمياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية في مجال المساعدات الإنسانية، حيث بلغت قيمة تلك المساعدات التي قدمتها 2.42 مليار دولار، في حين حلت في المركز الأول عالمياً من حيث نسبة المساعدات للناتج القومي الإجمالي، ووفقاً للبيانات الأولية فقد وصلت قيمة المساعدات الإنمائية الرسمية التركية عام 2015 إلى 3 مليارات و 913 مليون دولار، قُدّم القسم الأكبر منها للاجئين السوريين.

ولـ”تيكا” مشاريعها المتنوعة، التي تختلف باختلاف حاجات وظروف الميدان، ومتطلبات مستحقي الدعم الإنساني، ومثال على ذلك، فقد نفذت الوكالة العديد من مشاريع حفر آبار المياه في مناطق تعاني الجفاف، وشح مياه الشرب، قدرت بـ 1000 بئر، 423 منها في آسيا، و 337 في أفريقيا، في الفترة من 2003 إلى 2014.

كما يمكن الإشارة إلى منجزاتها في المجالين التعليمي والصحي، حيث قامت في الفترة من 2011، إلى 2014 بإنشاء أو ترميم أو تجهيز 264 مستشفىً ومركزاً صحياً، وقامت في نفس الفترة بتدريب 3 آلاف عامل في المجال الصحي، وتقديم 170 من المعدات الطبية والتقنية، فضلاً عن تجهيزها وترميمها العديد من المدارس والصفوف الدراسية، سيما للطلبة من أبناء اللاجئين السوريين.

ولا بد من الإشارة للمشاريع الإغاثية التي برزت فيها إنجازات الوكالة بشكل واضح، حيث قدمت للنازحين في مدن شمال العراق كأربيل وكركوك ودهوك، مساعدات تضمنت معدات منزلية، وأدوات مطبخ ومواد غذائية، كما أرسلت المواد الغذائية والطبية إلى الأطفال الصوماليين الذين يعانون جراء سوء التغذية، في إطار حملة مساعدات عاجلة أطلقتها لتلبية احتياجات أبناء الشعب الصومالي الذي يعاني نتيجة الجفاف الموسمي، إضافة لتقديمها 12 ألف طرد غذائي للمتضررين من السيول التي ضربت باكستان عام 2014، فضلاً عن دعمها مسلمي أراكان في ميانمار.

وفيما يتعلق بالشأن الفلسطيني، فقد لعبت “تيكا” عظيم الدور في أدائها الإنساني من أجل مساعدة أبناء غزة سيما بعد الهجمات الإسرائيلية المتكررة على القطاع، كما دعمت الوكالة قطاعات حيوية مهمة تضررت نتيجة الحصار الإسرائيلي على غزة كالقطاع الصحي، الذي حرصت “تيكا” على دعمه من خلال تقديم الاحتياجات الرئيسية كالأدوية والمستلزمات الطبية للمستشفيات، يضاف إلى ذلك تنفيذها مشاريع تستهدف الأسر الفقيرة بشكل مباشر كتوزيع آلاف الطرود الغذائية، وتنفيذ مشروع توزيع عشرات الآلاف من الوجبات الغذائية طيلة أيام شهر رمضان الفضيل على الأسر المتعففة.

استجابة سريعة للنداء الإنساني

وتمتلك “إدارة الكوارث والطوارئ التركية (آفاد)” عنصر التميز من خلال تكريس نفسها كجسر يوصل تركيا إلى قارات الأرض، عبر تنفيذها مبدأ السرعة والفعالية في الأداء، كما أن سرعة الاستجابة للغوث من الكوارث يعتبر ديدنها، وأساس عملها، ويظهر ذلك بشكل جلي في تجاربها الإغاثية تجاه أحداث كارثية كزلزال نيبال عام 2015، الذي أدى لمقتل ما يزيد عن 8 آلاف إنسان، وجرح ما يقرب من 20 ألف، حيث سارعت “آفاد” بتقديم أطنان المساعدات الطبية والغذائية للمتضررين من الزلزال، وكانت أول هيئة إغاثية تصل نيبال لتقديم الدعم الإغاثي.

وقد أتاح لها أداءها المتميز على المستوى الدولي، إلى حصولها على المرتبة الرابعة في نطاق المساعدات اﻹغاثية الدولية لعام 2012، بين كل من أمريكا وإنجلترا، والأمم المتحدة، ودخلت بذلك إلى مجال العالمية في اﻹغاثة، بعدما انتشرت طواقمها في أربع قارات، ووصلت إعاناتها لأكثر من 40 دولة شهدت كوارث طبيعية كالزلازل والسيول والجفاف والحرائق, وغيرها من الكوارث.

من إنجازاتها تقديم كافة المساعدات اﻹنسانية واﻹغاثية للاجئين السوريين المتضررين منذ عام 2011، إضافة لتنظيم حملات لإغاثة كل من أصابه الجوع والفقر والأمراض المعدية من أهالي ميانمار بأمر منالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث قامت بتخصيص حسابات بنكية في كافة الولايات التركية للتبرع لأهلها، فضلاً عن تحركها لإغاثة ضحايا السيول التي أصابت دول البلقان ومنها البوسنة والهرسك وصربيا في عام 2014.

ويلعب “الهلال الأحمر التركي” دور الرديف لـ”آفاد” ولغيرها من المؤسسات الإنسانية، مع تميزه في عدة جوانب، من بينها اعتباره أحد أعرق المؤسسات الإغاثية التركية وأكبرها، حيث تأسست في عهد السلطان العثماني “عبدالمجيد الثاني”، يوم 11 يونيو/ تموز من العام 1868، على يد مجموعة من الأطباء العثمانيين تحت اسم “جمعية الهلال الأحمر”، وامتلاك المؤسسة للخبرة الواسعة في هذا المجال، إلى جانب امتلاكها للإمكانيات الفنية والمادية التي مكنتها من تقديم خدمات الإيواء لمئات الآلاف من النازحين واللاجئين، بما في ذلك تقديم خدمات المأكل والمشرب، ما أهّلها لتكون أحد أهم أعضاء الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر.

وبحسب ما تؤكده المؤسسة فإن خدماتها “لا تقتصر على حالات الكوارث فقط، وإنما تُقدّم المساعدات على مدار السنة لكافة المحتاجين، وتهدف مشاريع تقديم المساعدات الاجتماعية المتزايدة باستمرار إلى تلبية احتياجات المحتاجين محليًا وإقليميًا على حد سواء، وتقدم المؤسسة مجموعة من برامج التعليم الخاصة بها كالتّوعية بالكوارث الطبيعية والإنسانية، والإسعافات الأولية، وبرامج تدريب على التخفيف من المخاطر، وبرَامج التّوعية من مرض نقص المناعة المكتسب (إيدز)، كما تتعاقد المنظمة مع مدربين مختصين في تلك المجالات”.

وتشير المؤسسة إلى أنها “تُدير عمليات الاستجابة للكوارث محليًا من خلال مركز عمليات الكوارث “Afom” الذي يقدم الخدمة اللوجستية من خلال 33 مركزًا موزعة على جميع أنحاء البلاد، كما تم تأسيس نظام “توركسات” عبر الأقمار الصناعية ليوفر لها الاتصالات لكافة أماكن الكوارث بالإضافة إلى البنية التحتية التقنية الحديثة كليًا في مراكز عمليات إدارة الكوارث. كما يحقق الهلال الأحمر التركي أعلى جاهزية للتواصل في حالات الكوارث المحتملة دون انقطاع محليًا وإقليمياً”.

وتمتلك المؤسسة ممثليات دائمة لها في عدد من الدول مثل الصومال، وجنوب السودان، وفلسطين، واليمن، والعراق، وباكستان، وأفغانستان، وبنغلاديش، وجمهورية شمال قبرص التركية، والبوسنة والهرسك، وبلغاريا، كما وصلت مساعداتها بشكل عام إلى ملايين المحتاجين في 151 دولة، منذ تأسيسها قبل قرن ونصف، وقد وسّعت المؤسسة من أنشطتها الإغاثية في الأعوام الثلاثة الأخيرة، وازداد عدد من تلقوا مساعداتها الإنسانية من 3 ملايين و500 ألف شخص، في 20 دولة، قبل 3 أعوام، إلى 7 ملايين شخص في 53 دولة، العام الماضي، بحسب وكالة أنباء “الأناضول”.

وإلى جانب الكثير من شعوب الأرض، كان للمؤسسة، وما يزال، وقفاتها المشرّفة مع أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي الشتات، حيث سارعت في مد يد العون إلى المظلومين في غزة نتيجة الحصار الجائر، سيما عقب الحروب الإسرائيلية المتكررة على القطاع، بإرسال العديد من شحنات الأدوية والمستلزمات الطبية للمستشفيات، فضلاً عن شروعها في تأسيس بنك للدم، ومستشفى لخدمة مرضى القطاع، إلى جانب تنفيذه مشاريع في الضفة الغربية كتوزيع الطرود الغذائية، ولحوم الأضاحي، وغيرها من المشاريع.

التنوع الخيري

وتضيف العديد من الجمعيات الخيرية التركية حالة من الزخم الخيري والإنساني من خلال التنوع في الأداء ومخرجات المشاريع الخيرية، في بلد اعتاد أبناءه على انتهاج عمل الخير ومساعدة الآخرين كجزء من الحياة اليومية، وصولاً إلى اعتبارها جزءاً من هويتهم الحضارية والفكرية، حيث يمكن وصف مؤسسات خيرية بصفة الجمعيات الخيرية “الشعبية”، كونها أهلية خالصة وليست حكومية، إضافة لمنطلقات تنفيذها لمشاريع تلبي حاجة الأسر الأشد فقراً، وتحقيقها لنجاحات من خلال قربها منهم، وبالتالي تلمسها لمعاناتهم بشكل مباشر.

“وقف الديانة التركي” يعد أحد مقاييس حالة التنوع الخيري من خلال شمولية مشاريعه الخيرية، فإلى جانب أدائه في تدعيم الجانب الإداري والشرعي في تسيير الشؤون الدينية، ينفذ العديد من المشاريع الخيرية التي تعتبر في صميم جهوده في التكليف الشرعي، حيث الزكاة والصدقات وأعمال الخير هي جزء من هذا التكليف، إضافة لدورها في تدعيم حالة السلم والوئام في المجتمع، لينصرف إلى اعتماد تنويع المشاريع من بناء المساجد، وبناء المؤسسات التعليمية، وتنظيم حملات دعم القطاع التعليمي من ضمنها المنح التعليمية، إضافة للدورات والمعارض ذات الاختصاص.

وينفذ الوقف مشاريع توفير المياه للمجتمعات الفقيرة في أفريقيا وآسيا، إلى جانب تنفيذ المشاريع المختلفة من توزيع المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية على اللاجئين السوريين، وفي المجتمعات الفقيرة في قارتي آسيا وأفريقيا، فضلاً عن تقديمه الدعم لأشقائه في فلسطين، خاصةً في قطاع غزة الذي يعاني الحصار والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، من خلال إمداد الأهالي بالمواد الغذائية والمستلزمات الطبية، وقيامه بإعادة إعمار العديد من المساجد التي دمرها العدوان الصهيوني.

ولـ”جمعية الرحمة الإنسانية” طابعها الخيري الشعبي من خلال ما تنفذه من مشاريع إنسانية كمشاريع دور القرآن، ومشاريع بناء المساجد، ومدارس التحفيظ، وبناء منازل الأسر الفقيرة، وحفر الآبار اليدوية، إضافة لمشاريع إنشاء منازل أئمة المساجد.

ولا يقتصر عمل “الرحمة الإنسانية” على الميدان الداخلي، فقد نفذت الجمعية العديد من المشاريع الهامة في ميادين تشهد أزمات إنسانية كاليمن، حيث مشاريع الإغاثة ذات التأثير الإيجابي المباشر لإنقاذ الأرواح، كسقيا الماء، وتوزيع السلال الغذائية، ووجبات إفطار الصائم، والأضاحي، وكسوة العيد، والمساعدات النقدية، وخيم الإيواء، وتوزيع زكاة الفطر، والمستلزمات الطبية.

ومع استشعار الحكومة التركية بجسامة الأزمات الإنسانية التي تعيشها شعوب دول الإقليم، سيما الأزمة السورية التي كان لها انعكاس مباشر على الدولة والمجتمع التركي، فتحت السلطات التركية الباب أمام الجهود الخيرية بمختلف أشكالها، لدعم ومساعدة مجاميع اللاجئين التي اتخذت من الأراضي التركية ملاذاً آمناً لها، فضلاً عن الأسر النازحة داخل الأراضي السورية.

وعلى أساس ذلك شجعت الحكومة التركية نشاط الجمعيات والمؤسسات الإنسانية، التي ازدادت أعدادها نظراً للمستجدات، حيث جرى تأسيس العشرات من الجمعيات العاملة لصالح المجتمع التركي، لخدمة الفقراء من الأتراك واللاجئين، من ضمنهم الأشقاء السوريين، الأكثر عدداً، كـ”منظمة بناء الإنسان” التي تأسست في العام 2013 وكان من بين أهدافها العمل على عدة محاور (اجتماعية وحقوقية وإغاثية).

وفي إطار ذلك، نفذت المنظمة العديد من المشاريع الخيرية كحملات علاج المرضى المعوزين، وإنشاء دور العجزة، وحفر الآبار، وتشييد المساكن للمحتاجين، وتقديم المنح التعليمية، وغيرها من المشروعات.

ولـ”جمعية الأيادي البيضاء” دور هام في العمل على إغاثة اللاجئين السوريين في مخيمات اللجوء داخل تركيا، وفي الأراضي السورية، من خلال تنفيذ مشاريع كتوزيع المواد الغذائية، وكفالة الأيتام، ومشاريع دعم تعليم أبناء اللاجئين، وتوفير المأوى ومستلزمات المنزل، إضافة لتوفير خدمات العلاج والمياه والصرف الصحي، وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

بدورها تعمل جمعية “إنسان” على تقديم الدعم الإنساني في عدة مجالات، من أهمها المجال الصحي، حيث تنفذ مشاريع علاج الجرحى جراء الحرب في سوريا، وتقديم خدمات الدعم النفسي والتأهيل للجرحى والمصابين، إضافة لتقديم التثقيف الصحي للجرحى وأسرهم.

تواصل إنساني مستمر

وتضطلع المؤسسات الخيرية التركية إلى جانب تنفيذها المشاريع الإغاثية والتنموية داخل تركيا وفي مختلف المجتمعات الفقيرة، بواجب التواصل الإنساني، والوفاء لهذه المجتمعات بتفقد أوضاعها من حين لآخر، والتأكد من نجاح ونجاعة مشاريعها المنفذة، ووصول الأمانات إلى مستحقيها.

وتعتمد “منظمة كانسويو الخيرية” هذه الآلية في عملها أسوة بباقي المؤسسات الخيرية التركية، فقد شاركت المنظمة إعداد القوافل الإنسانية إلى قطاع غزة المحاصر، وسعت إلى التواصل من أجل أن يشمل دعمها مختلف الشرائح المحتاجة في المجتمع الغزي، حيث قامت بتنفيذ العديد من المشاريع ككفالة الأيتام، ودعم أسر الشهداء، وتنفيذ المشاريع الموسمية كإفطارات رمضان، والأضاحي، وغيرها من المشاريع.

وتقدم المنظمة الدعم الإنساني للأشقاء اللاجئين السوريين، والأشقاء من الروهنجيا في ميانمار، وفي اندونيسيا، وأثيوبيا، والصومال، وغيرها من المجتمعات.

أما “جمعية البشير للتضامن الاجتماعي” التي ترفع شعار “جبر القلوب الحزينة”، فإنها تسعى من خلال جهودها إلى دعم العدالة الاجتماعية والإخاء، عبر مشاريعها الخيرية التي تنصب على مساعدة المنكوبين جراء الكوارث الطبيعية، ودعم التعليم في المجتمعات الفقيرة، وكفالة الأيتام، وتقديم الدعم الصحي للفقراء، كما تتنوع ميادين عملها في الدول التي تبتلى بالكوارث كالفيضانات في الدول الأفريقية، إضافة لدعم اللاجئين داخل تركيا وخارجها.

وتتتبع جمعية “يد الحياة” الفقراء في مختلف أماكن تواجدهم، بالدعم العاجل والحثيث، حيث وصلت مشاريعها إلى دول ككينيا وأفغانستان وآراكان، إلى جانب دعم أبناء الشعب الفلسطيني، ودعم اللاجئين السوريين في تركيا، والنازحين داخل سوريا، من خلال تنفيذ مشاريع توزيع المواد الغذائية والصحية، وتوزيع لحوم الأضاحي، وتوزيع زكاة الفطر، وحفر آبار المياه، وغيرها من المشروعات.

بدورها تنفذ “جمعية الرعاية (كير) للمعونة والتنمية” مشاريع خيرية تهدف من خلال رؤيتها إلى بناء عالم أفضل في المجتمعات الفقيرة، وبشكل خاص في قارتي آسيا وأفريقيا، ودعم المنكوبين جراء الكوارث كالزلازل والفيضانات والحرائق، وتقديم ما يحتاجونه من مساعدات مادية وروحية عبر تزويدهم بالغذاء والرعاية صحية، ودعم التعليم، ومن الأمثلة على هذه المشاريع: كفالة الأيتام، والأضاحي، وحفر الآبار، ومشاريع التشغيل للعاطلين عن العمل، ومشاريع إفطارات رمضان، وتوزيع الأغذية، وغيرها، وشملت مشاريعها دولاً كأوغندا والفلبين، إضافة لتقديم الدعم للاجئين السوريين.

وتعتمد جمعية “الخيرات للمساعدات” إستراتيجية دعم الأسر الفقيرة, وتحويلها لأسر منتجة، كشراء الماشية لأسر أفريقية تعمل في الرعي، باعتبارها تدخل في نطاق مشاريع التنمية المستدامة، فضلاً عن مشاريعها الأخرى ككفالة الأيتام، وتقديم المنح الدراسية لضمان مستقبل الطلبة، وحفر آبار المياه، وتوزيع الأضاحي، فضلاً عن مشاريع الدعم الصحي والتعليمي.

وتسير جمعية “اليكدر” على ذات النهج الخيري، معتبرةً بأنها عملها يمثل أيقونة “الضمير” الإنساني، عبر تقديم مشاريع الدعم الإنساني والاجتماعي العاجل للمجتمعات المنكوبة بالحروب والفيضانات والزلزال، وغيرها، بهدف إعادة تأهيل هذه المجتمعات، والعودة للحياة الطبيعية، وفي إطار ذلك تنفذ مشاريع كفالة الأيتام الذي فقدوا ذويهم جراء الكوارث، في العديد من المناطق كالعراق وسوريا، ودول أفريقية، ومشاريع توفير فرص العمل، ومشاريع توفير مياه الشرب، والأضاحي، وغيرها من المشاريع.

وفي الركب ذاته تتخذ جمعية “ساداكاتاسي” منهجية إغاثة وتنمية المجتمعات الفقيرة في أفريقيا وآسيا، من خلال تنفيذ مشاريع دائمة للفقراء، من بينها مشاريع دعم تعليم النشء، وكفالة الأيتام، وحفر الآبار، وبناء المساجد وتنفيذ دورات تحفيظ القرآن الكريم، إضافة لتنفيذ حملات إجراء العمليات الجراحية للعيون، لعلاج أمراضها ومن بينها مرض “إعتام العين”.

وتقوم جمعية “فيرينيل” بالعمل على شمول مشاريع البقعة الجغرافية الأوسع، حيث تنفذ في الوقت الحالي مشاريع إنسانية في20 دولة تنتشر في 3 قارات، وتهدف من خلال مشاريعها إلى تحقيق الخدمة الإنسانية بما يعود بالنفع على الأفراد والمجتمعات، وتنفذ في هذا الصدد مشاريع كفالة الأيتام، وتوفير المياه، وتقديم الدعم الصحي والتعليمي، ومشاريع الأضاحي، ودعم حلقات العلم، وغيرها من المشروعات.

وتتركز مشاريع جمعية “يريوزو دكتورلاري” على جانب تقديم الدعم الصحي، وما ينجم عن الحروب والكوارث من آثار كالمجاعات وسوء التغذية والإصابات والأمراض، وقد نفذت مشاريع كبيرة في قطاع غزة، تمثّل في إسهامها ببناء مركز للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل للمرضى والجرحى جراء الاعتداءات الصهيونية، فضلاً عن تقديمها الدعم للأطفال المصابين بسوء التغذية في اليمن، حيث تعتمد تنفيذ الحملات الطبية والإغاثية في العديد من المناطق المنكوبة.

رمز “للدبلوماسية الإنسانية”

اتسعت الرؤية الإستراتيجية في تركيا تجاه العمل الإنساني في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي أشار نصاً في إحدى خطاباته، بأن “الأتراك سوف يصلون إلى جميع أنحاء العالم وسيمدون يد العون باسم تركيا إلى جميع المظلومين”، ومع اتساعها تصدرت تركيا قوائم الدول الناشطة في مجال العمل الإنساني، بمؤسساتها الطموحة والواعية لأهمية عملها، والمتمكنة من أدائها المهني العالي، حيث تمكنت تركيا مؤخراً من التربع على مركز الوصافة بين الدول الأكثر تقديماً للمساعدات الإنسانية في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، في حين تصدّرت القائمة من حيث مقارنة حجم المساعدات مع الدخل القومي للبلدان.

وباتت تركيا واحدة من أهم اللاعبين الأساسيين في مسرح “الدبلوماسية الإنسانية”، نظرا للجهود الكبيرة التي تبذلها في مجال تقديم المساعدات الإنسانية، ولدعواتها المتكررة بضرورة إحلال العدالة الدولية من أجل إرساء الاستقرار حول العالم، بحسب ما تؤكده من خلال أدبياتها الإنسانية والدبلوماسية، وما تثبته طواقم مؤسساتها في ميادين العمل الخيري والإنساني يوماً بعد يوم.

ولم تكتفِ تركيا بإرسال مؤسساتها ورجالاتها من “دبلوماسيي” الإنسانية إلى أماكن الكوارث والفقر والعوز، بل فتحت حدودها لتحتضن المكلومين من أشقائها السوريين، لتكافح خلال بضع سنوات من أجل استيعاب اللاجئين السوريين الذين وصل عددهم لقرابة 3 ملايين لاجئ، وذلك في ظل تداعيات الأزمة السورية المستمرة حتى اليوم بكافة أبعادها، لتلقى بذلك كل أشكال الترحيب من المجتمع الدولي، والإعجاب من كافة الناشطين والعاملين في قطاع العمل الإنساني والخيري، بعدما غرست نبتة الخير التركية التي نمت وأورفت ظلالها، لتكون مدعاة لكل تركي للفخر بإنجازات بلاده، وما أودعته في رصيدها الإنساني الكبير.