أحزان الترجمة

بقلم: أمين تاج السر

الأسبوع الماضي، رحل المترجم والشاعر المصري محمد عيد إبراهيم، ومنذ شهرين تقريبا، رحل الفلسطيني صالح علماني، وقبل هذين الفقدين الكبيرين بسنوات، فقدنا الصديق المترجم الانتقائي القدير طلعت الشايب، الذي رحل وهو في لجة الثقافة، أثناء مداخلة له في مؤتمر في مدينة دمياط.

مؤكد نحس بمرارة كبرى لرحيل، هؤلاء المترجمين، وغيرهم من الذين ربما قدموا بعض الإنجازات في علوم أخرى غير الأدب، مثل مترجمي كتب القانون، والزراعة، والهندسة، والرياضيات، فالترجمة ليست أدبية فقط طبعا، لكن اهتمام غالبية المثقفين بالشأن الأدبي، واقتصار معرفة مترجمي العلوم الأخرى، على الأكاديميين والدارسين، في تلك المجالات التي يعملون عليها، يجعل من مترجمي الأدب نجوما معروفين، يمكن أن ترد سيرهم دائما، ويمكن أن يستضافوا هنا وهناك للحديث عن عمل أنجزوه.

هؤلاء الذين ذكرتهم، كانوا مترجمين حقيقيين، أي أنهم عملوا بجهد لسنوات طويلة، ونقلوا لنا عبر الجسور الصلدة التي أنشأوها، ثقافات بعيدة ما كانت ستنتقل لولا جهودهم.

وأذكر منذ سنوات حين ظهر كتاب “صدام الحضارات” لصامويل هنتغتون، بترجمة طلعت الشايب السلسة، التي حولت الفكري، الفلسفي، المفترض أنه نظريات صعبة، إلى كتابة سلسة يمكن تذوقها وفهمها والمشاركة في النقاش حولها، وقد كان الكتاب تحليلا منطقيا عن تلك الحروب التي قد تنشأ من استخدام هوية الناس الثقافية والدينية، وأظن أن هذا حدث عندنا بالفعل، ولا يخلو صراع نشأ، أو حرب أعلنت، من بصمة الهوية الثقافية، الدينية.

طلعت ترجم أيضا كتاب “الاستشراق الأمريكي” لدوغلاس ليتل، وكما هو واضح، يحكي الكتاب عن تطلعات أمريكا في الشرق، وترجم روايات لأهداف سويف، المصرية التي تكتب بالإنكليزية، وأيضا كتاب صلاح الدين للبريطاني طارق علي، وهو رواية تاريخية عن زمن صلاح الدين الأيوبي، أظنه بذل فيها مجهودا كبيرا، لتقرأ بنزاهة في العربية، وهي أسوة بالروايات التاريخية التي أبطالها أشخاص معروفون، لم تحد كثيرا عما هم معروف أو مطروح عن صلاح الدين واكتفى التخيل في رأيي بزمن صلاح الدين، واشتغالات على أعوانه، ومجايليه في ذلك الوقت من الأنصار والأعداء، وبالنظر إلى حجم الكتاب أكاد أجزم أن طلعت قضى سنوات في ترجمته، وتقريبه من القارئ العربي من أجل الاستمتاع والمعرفة.

صالح علماني قصة أخرى، أقرب للقصص الأسطورية التي كان يترجمها عن الأدب اللاتيني، إنه مترجم استثنائي فعلا، مترجم يمنحك إحساسا قويا أنه صاحب النص وليس ناقلا له. وقد قلت في رثائه، إنه لم يكن يترجم الرواية الإسبانية، وإنما يكتب المقابل العربي لها، وأن فقده هكذا فجأة، بمثابة يتم معرفي للذين تعودوا على رشاقة أسلوبه، وذلك السحر الذي يقرأ في كل كتاب أنجزه، حتى لو لم تكن القصة سلسة. وقد كانت هناك بالفعل قصص ليست جاذبة كثيرا في الأدب اللاتيني، حولها صالح إلى قصص جاذبة، مثل رواية اسمها “عشر نساء” ما كانت ستقرأ في رأيي لولا أنها من ترجمة صالح. وبالرغم من أن هناك مترجمين كثيرين عن الإسبانية من جيل صالح، وما قبله وبعده، إلا أنه الوحيد الذي لمع هكذا، وأصبح في كثير من الأحيان أشد لمعانا من المؤلفين الذين ينقلهم. طبعا لن أتحدث عن روايات ماركيز التي قرأتها بترجمته، ولا روايات إليزابيث أليندي، وماريو فارغاس إيوسا وكثير من اللاتينيين الآخرين، تلك التي ارتبطت باسم صالح دون غيره، فكل ذلك معروف، وذكرته وذكره غيري كثيرا، لكن أتذكر بعض العلامات مثل “مئة عام من العزلة”، إنها رواية علامة في تاريخ الكتابة، وعلامة في الترجمة إلى العربية أيضا.

الذي أحترمه كثيرا في صالح، أنه لم ينتج رواية أو حتى يفكر في ذلك، كما قال لي مرة حين التقينا في الكويت، كما فعل عدد من المترجمين، تأثروا بالأجواء التي ينقلونها، وسيادة جنس الرواية على الإبداع في كل مكان، وكتبوا. هو لم يفعل ذلك، وظل مخلصا لمشروعه، وأظنه فاق المئة كتاب، وجعل من الأدب اللاتيني أدبا عربيا بنكهة لاتينية.

بالطبع جاء مترجمون آخرون للغة الإسبانية من جيل الشباب، نستطيع الثقة بما يقدمونه، خاصة أن فيهم كتابا للرواية، مثل محسن الرملي الروائي المعروف، وأحمد عبد اللطيف الذي أثق في رواياته وترجماته معا، وهو من الموهوبين النادرين. وجاء مترجمون من اللغات الأخرى أيضا، خاصة الإنجليزية والألمانية، ونستطيع أن نثق بترجمات عبد المقصود عبد الكريم، وسمير جريس، وإيهاب عبد الحميد، الذي ترجم كتب خالد حسيني، وترجم مؤخرا كتاب رحالة للبولندية أولغا توكارتشوك، وكتبت عنه منذ أسبوعين، بوصفه كتابا سرديا مختلفا، ومعرفيا أيضا، ينقلك من أرض إلى أرض بخفة الحكايات الشيقة.

محمد عيد إبراهيم، خسارتنا الأخيرة، هو أيضا كان مجتهدا ومكتشفا للكنوز التي يجب ترجمتها، وأظن أن الأدب الراقي قلما يترجم، وفي الغالب يترجم الأدب التجاري، أو الأدب الذي يباع بكثرة في الغرب. عيد كان شاعرا كبيرا، وبذلك سنجد اختياراته المهمة، ولغة الشعراء التي تظهر في ترجمته للإبداع، وهو ما نطلبه، بمعنى أن لا تكون الترجمة مجرد أداة نقل من لغة إلى أخرى، وإنما أداة مبدعة أيضا.

وكما قلت في الذين ذكرتهم، إن أهم ما يميز ترجماتهم، أنها جعلت من الترجمة فنا إبداعيا ملهما. وقد ترجم عيد عن جلال الدين الرومي، وترجم عن نظريات قصيدة النثر، بوصفها من اهتماماته، وحتى في وسائل التواصل الاجتماعي كان ينشر عن شعراء ترجم لهم.

إذن حزن الترجمة كبير، برحيل أولئك الكبار، لكن يوجد دائما رحيل، يأتي مبكرا أو متأخرا، لا أحد يعرف، فقط رحيل يأتي ذات يوم، ويغيب الناس عن الوجود الفعلي، لكن تظل للذين قدموا شيئا للناس خطوات تمشي بها الأجيال الجديدة. إنها خطوات المعرفة والمتعة في القراءة.

المصدر: القدس العربي