الموقف الأوروبي من خطة ترامب..جيد ولكن!

بقلم: محمد كريشان

اعتبرت صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية أن الرد الأوروبي على خطة «السلام» الأمريكية بعد ساعات قليلة من إعلانها من قبل الرئيس ترامب أظهر أن «الدول الأوروبية بقيت ملتحمة ولو لمرة واحدة». ويوضح مراسل الصحيفة في بروكسيل في عددها الصادر أمس أن وزير الخارجية الأوروبي جوزيب بوريل سارع إلى نشر بيان مقتضب لم يغفل فيه، لمنع استفزاز مناصري واشنطن داخل الاتحاد، الإشارة أن المبادرة الأمريكية «فرصة لإعادة إطلاق الجهود الضرورية والعاجل من أجل حل قابل للحياة» لكنه أكد في نفس الوقت باسم كافة دول الاتحاد الــ 28 على «الالتزام القوي وبالاجماع بحل تفاوضي وقابل للحياة يتضمن دولتين تأخذان بالحسبان التطلعات المشروعة سواء للفلسطينيين أو الإسرائيليين مع احترام كل قرارات الأمم المتحدة»، وفي هذا رفض جلي و«مؤدب» للخطة الأمريكية.
وتستعرض الصحيفة الجهود السريعة والحازمة التي جرت في الكواليس لصدور هذا الموقف الأوروبي الموحد الذي حال دون صدور مواقف أوروبية متعددة كل في اتجاه مختلف ومتنوعة مثل «الشماريخ» وفق تعبير دبلوماسي أوروبي، خاصة وأن جيراد كوشنير كان يستعجل صدور مواقف مؤيدة لهذه الخطة من العواصم الأوروبية. وأرجعت «ليبراسيون» التوفيق في التوصل إلى هذا الموقف الأوروبي الموحد والسريع إلى الجهود الجبارة والذكية التي قام بها شارل ميشيل رئيس المجلس الأوروبي «الذي نجح في أول اختبار له في السياسة الخارجية الأوروبية» حيث لم تؤيد رسميا أي دولة أوروبية مضمون «الصفقة» التي عرضها الرئيس الأمريكي.
ربما لم يأخذ هذا الموقف الأوروبي حظه من الاهتمام، ولم لا من الاشادة، في خضم زحمة المواقف الدولية التي أجمعت على رفضها، حتى وإن اتشحت بتلك الجملة التي طلبتها واشنطن والتي «تثمن جهود إدارة الرئيس ترامب من أجل السلام»، لكن ذلك لا يمنع من التوقف عنده قليلا لأنه يمثل مكسبا لا يستهان به للأوروبيين أنفسهم وللفلسطينيين طبعا الباحثين عن كل موقف يسندهم في هذا الظرف القاهر.

بالنسبة للأوروبيين، يبدو وضعهم الحالي بالغ الحساسية بعد مغادرة المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي الذي ظلت فيه لسبعة وأربعين عاما، وبعد عجز كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا على تحمّل وزر شق عصا الطاعة لواشنطن في موضوع الملف النووي الإيراني، وأيضا بعد التعثر في صياغة موقف متناغم في الملف الليبي خاصة بين كل من فرنسا وإيطاليا وألمانيا في انتظار ما ستقود إليه نتائج «مؤتمر برلين» الأخير. وإذا ما أضيف كل ما سبق إلى العجز السابق لدول الاتحاد في تبني موقف واحد من قضايا الهجرة والعلاقة مع تركيا وما لذلك من صلة بالوضع في سوريا الذي أفلت بالكامل من أي مساهمة أوروبية فإن أمام الاتحاد الأوروبي أوقاتا صعبة لاستعادة اللحمة الضرورية من قضايا دولية مختلفة.
أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن هذا الموقف الأوروبي الثمين يحتاج إلى إسناد حقيقي من القيادة الفلسطينية وقدرة على تفعيله وتوظيفه في سياق المعركة الدبلوماسية الدولية المعقدة التي تنتظرهم مع إدارة ترامب خاصة إذا ظفر بفترة رئاسية ثانية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. لكن الفلسطينيين سيكونون عاجزين عن ذلك إن لم يتحلوا بالوضوح والجرأة اللازمين، تماما كما يطالبون غيرهم بذلك. على سبيل المثال لا غير، لم يكن مناسبا هذا الموقف الفلسطيني المتذبذب بخصوص وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، فبعد موقف الرئيس محمود عباس في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة الذي أعلن فيه أنه أبلغ الإسرائيليين بوقف كل الاتصالات معهم بما في ذلك الأمنية، عاد في رام الله بعد أيام قليلة ليقول إن هذا التنسيق متواصل، وقد يوقفه إن مضى الإسرائيليون في سياستهم الحالية، وكأنهم لم يفعلوا بعد، كما أن مسؤولين فلسطينيين آخرين صرحوا بأن السلطة ستوقف التنسيق الأمني إذا ضمت إسرائيل فعلا الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية وغور الأردن، أي بعد أن تسقط الفأس على الرأس!!
أوروبا سند هام لكنها ليست مستعدة، ولا هي قادرة أو مطلوب منها الحقيقة، على أن تخوض معركة الفلسطينيين نيابة عنهم. ومع ذلك فللأوروبيين إن كتب للرباعية الدولية الخاصة بالشرق الأوسط أن تعود إلى الحياة بعد طول سبات (أنشئت عام 2002 وتتكون من روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) دور هام في الدفع في اتجاه إعادة الاعتبار لمرجعية الشرعية الدولية التي داست عليها الخطة الأمريكية، وربما إحياء أي شكل من أشكال الرعاية الدولية لعملية السلام كما يطالب بذلك الفلسطينيون رغم اعتراض واشنطن التي أدمنت احتكار هذه العملية حتى أفرغتها من أي مضمون وأفرغت دورها هي ذاتها كـــ«وسيط نزيه» رغم ما كان يكتنف ذلك من شكوك وتشكيك منذ البداية.
الخلاصة أن الموقف الأوروبي الأخير من خطة ترامب ونتنياهو موقف جيد يستحق التثمين لكنه بحاجة فعلا إلى إسناد عربي وفلسطيني لا لبس فيه ولا تردد ولا رياء لأنه من الصعب أن تطالب «السيدة العجوز» بالحيوية و«أصحاب القضية» من «الشباب» متثاقلون أو كسالى أو الأسوأ لم يعد لهم علاقة بما حدث ويحدث!!.

المصدر: القدس العربي