بقلم: محمد جميل
لقد أخطأ مكتب الادعاء العام في اعتماده على المادة 19، فروح المادة
وما يفسرها من مواد أخرى لا تنطبق على الحالة في فلسطين، لأن النطاق الإقليمي وهو
مسرح الجرائم المعددة في المادة الخامسة من اتفاقية روما محدد وواضح بمجرد قبول
اختصاص المحكمة أو انضمام الدولة المعنية لاتفاقية روما وإلا على أي أساس فتح
التحقيق المبدئي في كافة الأراضي الفلسطينية، فلو كان هناك مانع قانوني من وجود
اختصاص إقليمي للمحكمة لظهر هذا المانع لدى إعلان قبول الاختصاص والإنضمام من قبل
دولة فلسطين لاتفاقية روما .
وقد حدث في عام 1989 أن الوديع السويسري لاتفاقيات جنيف رفض انضمام
منظمة التحرير الفلسطينية لاتفاقيات جنيف لأن الأمر قاصر على الدول فقط، فلو كان هنالك
مانع من انضمام دولة فلسطين بشكلها الحالي لاتفاقية روما كان يتوجب على الوديع،
وهو الأمين العام للأمم المتحدة ومسجل المحكمة إثارة الامر.
وفيما يتعلق بالاتفاقيات الموقعة بين الجانب الإسرائيلي ومنظمة
التحرير فإنها لا تلزم مكتب الادعاء العام في شيء، فهي في مضمونها وترجمتها
العملية على الأرض من قبل إسرائيل خالفت القواعد الآمرة في القانون الدولي ومنها اتفاقيات
جنيف لعام 1949.
حدود دولة فلسطين
لقد خالف مكتب الادعاء العام قواعد القانون الدولي القائمة، وهو خطر
شدد عليه نظام روما في المادة العاشرة، فمكتب الإدعاء العام والمحكمة غير مختصين
بتعريف حدود أي دولة طرف في اتفاقية روما، فالأمر برمته يعود للقانون الدولي العام
وقرارات الأمم المتحدة والتعامل الدولي، ووفقا لهذه المنظومة فإن حدود دولة فلسطين
هي حدود الرابع من حزيران (يونيو) عام 1967م.
هذه الحدود معرفة ومحددة بخرائط تحتفظ بها الأمم المتحدة ومصادق عليها
بقرارات واضحة أهمها حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره على أرضه، قرار الجمعية
العامة المكرر رقم 3236 تاريخ 22 تشرين ثاني (نوفمبر) 1974 وقرار مجلس الأمن
بتاريخ 23 كانون أول (ديسمبر) 2016 رقم 2334 الذي كرر مطالبة إسرائيل بأن توقف
فورا وعلى نحو كامل جميع الأنشطة الاستيطانية، وشدد القرار على أن أي تغييرات على
حدود الرابع من حزيران لن يعترف بها .
كان بإمكان مكتب الإدعاء العام وقد أطال أمد التحقيق المبدئي
واختصارًا للوقت أن يطلب من الجهاز المختص في الأمم المتحدة تفسيرا للقرارات
الخاصة بحدود دولة فلسطين وعاصمتها لا أن ينتظر كل هذه المدة في استنزاف واضح لتحقيق
مبدأ العدالة الناجزة.
الجهاز المختص وهو محكمة العدل الدولية أكد في الرأي الإستشاري الصادر
بتاريخ 9 تموز (يوليو) 2004 بخصوص بناء جدار الفصل العنصري أن الجدار غير قانوني
لأنه ينتهك مجموعة القواعد الدولية التي تؤكد على الوحدة الجغرافية لأراضي فلسطين
على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، فلماذا تجاهل مكتب الإدعاء العام هذه
الفتوى التي تجيب على كل الأسئلة المتعلقة بفلسطين وحدودها؟
حالة فريدة
دولة فلسطين حالة فريدة في المجتمع الدولي “دولة تحت الاحتلال”
لكنها ليست عصية على الفهم، يتحمل التعقيدات المحيطة بها الدول التي تحابي إسرائيل
وتشجعها على الاستمرار بهذا الاحتلال الذي يتمدد ويتوسع ليصبح استعمارا، لكن لا
يوجد أدنى شك أن فلسطين تستجمع كافة عناصر الدولة وقد جاء القرار المذكور الصادر
عن الجمعية العامة وإن كان منقوصًا ليكشف هذه الحقيقة .
السؤال المنطقي الذي كان يجب أن يطرحه مكتب الادعاء العام لو أن دولة
طرفا تعرضت لعدوان واحتلال لكافة أراضيها أو أجزاء منها وارتكبت جرائم في الأجزاء
المحتلة هل سيطلب مكتب الادعاء العام من غرفة ما قبل المحاكمة تحديد النطاق
الإقليمي للإختصاص؟ بالقطع لا.
وما يزيد من حدة الإرباك الحاصل أنه بمجرد طلب مكتب الادعاء العام من غرفة
ما قبل المحكمة قامت الغرفة بوضع جدول زمني لمن يرغب بتقديم تعليقات حول الموضوع
فانهالت التقارير منها ما هو داعم لفكرة أن فلسطين ليست دولة، وأن المحكمة غير
مختصة، وهؤلاء بالطبع من أنصار إسرائيل ومنهم من يؤكد على اختصاص المحكمة الإقليمي
على اعتبار أن فلسطين دولة، لكن اللافت أن أحدًا لم يستعرض الخطأ الجسيم الذي وقع
به مكتب الادعاء العام وجر إليه المحكمة.
كان من المفترض من منطلق الفهم السليم لمجموع القواعد القانونية ذات
الصلة أن ترد غرفة ما قبل المحاكمة طلب مكتب الادعاء العام وتلزمه بالبدء في فتح تحقيق
رسمي كون مسألة النطاق الإقليمي محسومة منذ قبول اختصاص المحكمة وانضمام دولة
فلسطين لاتفاقية روما.
مرة أخرى المحكمة أوقعت نفسها في مشكلة عقب إعلان الرئيس عباس التحلل
من الاتفاقيات مع الحكومة الاسرائيلية والأمريكية، فبتاريخ 19 أيار (مايو) 2020 توجهت بالاستفسار عن الموضوع ملمحة أنه قد يؤثر على قرار المحكمة، هذا
الاستفسار ما كان ينبغي للمحكمة أن ترسله، فالأمر برمته ليس من اختصاصها وهذه
الاتفاقيات الثنائية بين منظمة التحرير وإسرائيل لا تلزم المحكمة بشيء إذ أنها لا
تتمتع بصفات المعاهدات الدولية فهي موقعة باسم منظمة التحرير وليس باسم دولة
فلسطين، وقبل أن تتحلل منها منظمة التحرير تحللت منها إسرائيل على أرض الواقع
بدليل التوسع الاستيطاني ولم يبق من هذه الاتفاقيات سوى التعاون الأمني الذي أبقت
عليه إسرائيل لأنه يخدمها، فإسرائيل أعلنت بعد مسيرة طويلة من الخداع وفرض السيطرة
عن نيتها ضم المستوطنات والأغوار .
اتفاقيات أوسلو لا تلزم الشعب الفلسطيني
اتفاقيات أوسلو بما يشوبها من إشكالات قانونية ودستورية دولية ومحلية
لا تلزم الشعب الفلسطيني في شيء، وعلى وجه الخصوص بعد ما ثبت عبر سنوات من سوء نية
الطرف الإسرائيلي باستخدام هذه الاتفاقيات للنيل من حق الشعب الفلسطيني في تقرير
مصيره وإقامة دولته المستقلة.
ما ورد في اتفاقيات أوسلو من تقسيم المناطق (أ) و(ب) و(ج) يجب أن لا
يكون محور نقاش لتحديد نطاق اختصاص المحكمة الجغرافي فهذه التقسيمات لو قدر لاتفاقيات
أوسلو أن تطبق بحسن نية لاختفت ولكننا اليوم أمام دولة على حدود الرابع من حزيران
(يونيو) 1967.
إن الوصول إلى صفة دولة وإن كان منقوصًا في الأمم المتحدة لم يكن نتاج
اتفاقيات أوسلو إنما نتاج تضحيات شعب مصمم على تقرير مصيره وإقامة دولته وممارسة
حقوقه المنصوص عليها في القانون الدولي.
لقد حصل المحظور في عمل المحكمة، حيث تجاوزت اختصاصها وانزلقت للنظر
في قضايا سياسية، وهذا بسبب قصور في عمل مكتب الادعاء العام وعدم وجود جهة واضحة
للطعن على قراراته، ومكتب الادعاء العام يعلم تمام العلم أنه بمجرد فتح تحقيق رسمي
لا يعني أنه سيتمكن من إنصاف الضحايا وتحقيق العدالة الناجزة، فالمشوار طويل نظرا
لأن المحاكمات وجاهية وهذا لا يتأتى إلا بإلقاء القبض على المتهمين، وهذا طريق شاق
وصعب، لذلك كان حري بمكتب الادعاء العام أن لا يضع مزيدا من العراقيل أمام الإسراع
في فتح تحقيق رسمي كسبا للوقت الذي يمضي دون حساب.
مهمة مكتب الإدعاء العام والمحكمة تحقيق الدعوى الجنائية المعروضة
أمامها لإنجاز العدالة وإنصاف الضحايا، فكل الأسئلة التي تتعلق بماهية فلسطين وحدودها
أجوبتها محسومة في القانون الدولي والمادة 19 الفقرة 3 التي اعتمد عليها مكتب
الادعاء العام ليست ذات صلة وهي أحد العراقيل التي أوجدها مكتب الادعاء العام دون
سبب مفهوم أدى إلى الإبطاء في فتح تحقيق رسمي .
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=115822
