بقلم: الدكتور عصام يوسف – رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة
اتخذت قصة الشابة رزان النجار عقب استشهادها قبل عامين سمة “القضية”، ربما لما رافقها من تشبع فصولها بالمعاني القيمية، وارتباط ذلك بتقديم رواية متجددة لحالة الإجرام الصهيوني، التي كانت الشهيدة راويتها والشاهد على تفاصيل الجريمة في ذات الوقت.
قصة رزان حملت منذ بداياتها، وتحديداً عند التحاقها بالطواقم الطبية كمسعفة للجرحى من المتظاهرين المدنيين في مسيرات العودة على حدود غزة، معاني الفداء والتضحية، فالشابة الصغيرة تدرك- وهي ابنة شعب يعاني الظلم والقهر منذ عقود- بأن العدو التاريخي لم يوفر برصاص جيشه يوماً مدنياً، أو طفلاً أو امرأةً أو عاجزاً.
يفسر إصرار رزان على خوض تجربة الممرضة المسعفة رغم ما يحيق بها من مخاطر ما يغمر قلبها من إيمان بعدالة قضية شعبها، وما خرج من أجله المتظاهرون الذين يواجهون جيش الاحتلال المدجج بالسلاح، بصدورهم العارية، بمقدار ما يفسر ذلك ما تمتلكه الفتاة الصغيرة من شجاعة تفوق بآلاف المرات قدرة الجندي الصهيوني المتمترس خلف سلاحه على ترهيبها.
تلك الدافعية الكبيرة للنزول إلى منطقة ملتهبة يراقب جيش الاحتلال كل كائن حي يمر بها، وربما كل نبتة وذرة تراب فيها، بينما يرفع مستوى خطورتها خروج الآلاف من أبناء القطاع المحاصر للتظاهر مطالبين بحقهم في العودة والكرامة وإنهاء الحصار، يمكن إرجاعها إلى تراكم الوعي النضالي لدى رزان وجيلها الذي أنجبه مجتمع مقاوم يأبى أن يطأطئ رأسه أمام المحتل ويعلن استسلامه.
وكأنّ في هرولة رزان بين جريح هنا سقط مصاباً برصاص القناص الصهيوني ساعيةً بمعية زملائها في إيقاف نزف جراحه، وبين مختنق هناك من كثافة الغاز المسيل للدموع تجتهد من أجل منع امتلاء رئتيه بالغاز الخانق، ما يختزن كنايات التشجيع على مواصلة المسيرة حتى نهايتها، ورفض التهاون في المطالبة بالحقوق، فسقوط الجسد جريحاً يظل هيناً أمام سقوط الروح والفكرة والهوية.
قوة رزان تكمن في حضورها، وتواجدها إلى جانب زملائها المسعفين، لتقول للمتظاهرين السلميين بأن هنالك من يسندكم ويداوي جراحكم، فامضوا رغماً عن وعورة المرحلة، بكل تفصيلاتها، فقد ولدتم في الزمن الصعب، معتبرةً بأن حقيبتها الإسعافية أقوى ما لديها من سلاح، وأفضل ما يمكن أن تواجه به رصاص القناصين الذي يعرف طريقه نحو أجساد المتظاهرين الغضة.
لم تتهيأ رزان للحظة الموت برصاص القناصة الغادر، ولم تتدرب على الاستشهاد، فقد كان لديها بصيص من أمل بأن يشفع لها رداؤها الأبيض ويكبح شهية الجنود لقتلها، والتفكير بها كهدف لأسلحتهم النارية.
استطاعت رزان قبل استشهادها أن توصل رسالتها بصوتها البرئ، حين أكدت لإحدى وسائل الإعلام الفضائية، بأنها: “بكامل قوتها وعزيمتها، ومهما تعرضت من مخاطر ستكمل مشوارها وستنقذ كل المصابين، حتى يعودوا ويدافعوا عن أرضنا”، مؤكدةً “سنبقى هنا موجودين، حتى نستعيد أرضنا”. وأضافت “أنا صامدة في أرضي وسأستعيد حقي بيدي”.
نبرة الصمود ليست غريبة على رزان، فهي ابنة فلسطين، التي ولدت من رحم المعاناة، وفي أرض تعاني الحصار وجبروت الاحتلال، حيث النبرة ذاتها في صوت والدتها، التي تؤكد في لقاء صحفي أعقب استشهاد رزان، بأن “اليوم بات كل العالم يذكرها (أي رزان)، فقد أصبحت رمزاً لقضية فلسطين، واليوم هناك أكثر من فريق طبي متطوع يحمل اسمها ويكمل مشوارها، وصورها باتت في كل العالم”.
وتضيف والدة رزان “”فقداننا رزان موجع وألمه كبير وما يخفف هذا الألم أنها تحولت من أيقونة مسيرة العودة إلى أيقونة عالمية.. فهذا الملاك الأبيض طاهرة القلب باتت شاهدة على جرائم الاحتلال الإسرائيلي”.
أما والد رزان فيؤكد بأن ابنته أصرت منذ انطلاق مسيرات حراك العودة في غزة، أن “تكون في مقدمة الطواقم التي تُقدّم المساعدات الطبية، وهي من طرحت فكرة المستشفى الميداني قرب الحدود أولا، على زملائها في العمل، ولاقت فكرتها قبولا كبيرا، واستجابة الطواقم الطبية المساندة، وكانت فعالة وناشطة جدا في مجال عملها، بحسب قوله.
وإذا ما غلبه هاجس الأب الذي يخشى على أبنائه، محذراً بقوله “يا ابنتي هذا الاحتلال لا يعرف ممرضا أو طاقما طبيا، أخاف أن تصابي برصاصة غدا”. وتجيبه “أنا أشعر أنني أصنع شيئا من أجل شعبي”.
استشهدت رزان، وغطت الدماء الرداء الأبيض، لتصبح “قضيةً داخل القضية”، ينادي بها أصحاب الضمائر الحية، ويطرحون تساؤلاتهم في العواصم الدولية المختلفة، على لسان والدة ووالد رزان، وباسم كل إنسان حر: بأي ذنب قتلت؟؟!!.
وفي هذا الصدد تفيد والدتها “قمت بجولة أنا وزوجي في عديد من الدول وعرضت قضية رزان مباشرة ووجدت ردوداً قوية، أنا ناضلت وسافرت وأوصلت رسالة الشعب الفلسطيني بكل أطيافه”. مسترسلةً بالقول “جميع من قابلتهم تأثروا بقصة رزان هذا الملاك، فهناك من بكوا تعاطفا وهناك من طلب الصور، وفي مناطق انطلقت مبادرات إنسانية باسم رزان لتبقى خالدة ورمزاً للعمل الإنساني في كل العالم، فضلاً عن كونها شاهدة على إجرام إسرائيل وقتلها حتى الطواقم الطبية”.
تلك الروح المقاوِمة العظيمة التي سكنت عقل وقلب رزان، كانت تطغى على كل شيء لدرجة أنها لم تأبه لحجم الانتهاكات التي مارسها الاحتلال بحق المتظاهرين، فقائمة الإجرام الصهيوني كبيرة تفوق التصور والتخيل البشري، فهل من سوي يصدق بأن قائمة شهداء مسيرات العودة الكبرى تضم 46 طفلاً، و9 من ذوي الاحتياجات الخاصة، وسيدتين، و6 مسعفين، وصحافيين.
ولا تنفك الأرقام تشير إلى حجم الإجرام الذي مارسته بندقية الغدر الصهيوني بحق المتظاهرين السلميين، ففي إحصائية شبه نهائية لأرقام من سقطوا برصاص القناصة وجنود الاحتلال أصدرها مركز الميزان لحقوق الإنسان في أكتوبر 2019، تفيد باستشهاد 326 مواطنًا فلسطينيًا، وإصابة 18460، من بينهم 4649 طفلًا، و826 سيدة، ومن بين المصابين 9243 أصيبوا بالرصاص الحي، من بينهم 2000 طفل، و184 سيدة، إلى جانب الاستهداف المباشر لطواقم المسعفين، والصحفيين.
باستشهادها، أصبحت رزان الزهرة التي غابت لتملأ المكان أزهاراً، بعد تحولها للملهمة لبنات جيلها اللاتي رأين فيها الرمز للناشطة والمتطوعة في مجال العمل الإنساني، التي قدمت روحها، بعدما استنفذت كل جهد في العطاء من أجل قضية شعبها، وما آمنت به في تقديم يد العون لكل مريض أو جريح، سيما وأن عملها كمسعفة وممرضة يكتنز في داخله الكم الأكبر من المخزون الإنساني.
رحلت رزان وبقيت قضيتها حية تجوب عائلتها بها العواصم والمحاكم الدولية بحثاً عن العدالة، فالإيمان بعدالة القضية كفيل ببقاء صوت صاحبها صداح في كل مكان، وفي أي محفل، مهما طال الزمان، فقد تربى الفلسطيني على القناعة التامة بمبدأ: لا ضاع حق وراءه مطالب.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=115880
