“ضم الأراضي”..أيديولوجية إسرائيلية ترسخها حكومات اليمين المتطرف

قبل شهر من الآن، خرج رئيس الائتلاف الحكومي في “إسرائيل”، “ميكي زوهار”، لتأكيد ما تزعم إليه الحكومة الإسرائيلية، عبر البدء بعملية ضم نحو 30%، ضمن الإجراءات التشريعية الخاصة بفرض السيادة الإسرائيلية على جميع التجمعات السكنية اليهودية في الضفة الغربية المحتلة ومنطقة غور الأردن، المزمع تنفيذها الأول من تموز/يوليو القادم.

“زوهان” أحدث صدمة داخل الشارع الفلسطيني والأوساط الرسمية، أعادت إلى الأذهان مجددا ما تنوي إليه “إسرائيل” منذ عقود عدة، خاصة بعد عدم المصادقة على إقامة دولة فلسطينية، كما كان مقررا في الاتفاقات الدولية، وأبرزها “أوسلو”، أو ما يعرف باسم “إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي”، الذي نص على أن المفاوضات سوف تغطي القضايا المتبقية بما فيها القدس، اللاجئون، المستوطنات وغيرها.

يتزامن قرار الضم الذي يوحي بخطر أمني وسياسي وحتى ديمغرافي للقضية الفلسطينية، مع ذكرى اتفاق أوسلو للتسوية 1991، ضمن مفاوضات أعلن فيها الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي، بوساطة أمريكية فشلها الذريع، ومع الذكرى السنوية الأولى أيضا لمؤتمر البحرين للسلام الاقتصادي، ضمن عنوانه العريض” تشجيع  الاستثمار في الأراضي الفلسطينية”، بينما نظر إليه الفلسطينيون ومراقبون أنه تمرير فعلي لصفقة القرن.

بالنسبة للإسرائيليين لم يكن قرار الضم مفاجئا، لاسيما وأن الحكومات التي تعاقبت على إدارة السياسة والعسكر داخل ” تل أبيب” حملت في عقيدتها وأيديولوجيتها الفكرية والدينية أن الأراضي الفلسطينية المحتلة هي أراض “إسرائيلية”، في محاولة لترسيخ زعم قديم كان يتناقله رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، منذ سنوات عدة في خطاباته: “أن الفلسطينيين هاجموا اليهود في فلسطين قبل قيام دولة إسرائيل بعشرات السنين”، محاولا في الوقت نفسه إثبات أن المشكلة لديهم لم تكن مع الاحتلال بل مع اليهود كيهود”.

في خطابات” نتنياهو” الذي لا يزال يترأس الحكومة الإسرائيلية منذ عام 1996 وحتى الآن، يتجاهل أن المشروع الاستيطاني في فلسطين بدأ قبل قيام “دولة إسرائيل”، وأن عداء الفلسطينيين للحركة الصهيونية كان بسبب مشروعها الاستيطاني قبل تجسيد هذا المشروع كيانا سياسيا، إضافة إلى قناعته أنه لا وجود لشعب فلسطيني لأنه لم يكن في التاريخ شيء اسمه دولة فلسطينية على حد زعمه.

نجح” نتنياهو” الأكثر تطرفا داخل اليمين الإسرائيلي، والذي لا يزال على نفس المقاربات الفكرية والأيديولوجية منذ السبعينات وحتى الآن، مرددا مقولة: “أن العرب في فلسطين لم تكن لهم هوية وطنية في التاريخ”، ما يعني جهل كبير وجوهري في مسألة نشوء القومية والدولة الحديثة والهوية الوطنية.

رؤية إسرائيلية

في كتاب “بنيامين نتنياهو..إعادة إنتاج المشروع الصهيوني ضمن منظومة صراع الحضارات”، يشرح الكاتب بالتفصيل العقلية الإسرائيلية في النظر إلى القضية الفلسطينية، لتكون مسألة الضم حاضرة بقوة في خطابات رؤساء وزراء “إسرائيل” الذي تعاقبوا على الإدارة، لا سيما نتنياهو والذي أدرك أنه يستطيع من خلال ترميم وتصعيد وإدارة الكارثة الكامنة، الحفاظ على وعي سياسي يهودي جماعي، كصمخ يحافظ على وحدة الكيان السياسي اليهودي.

ويشير الكتاب الصادر عن مركز “رؤية للتنمية السياسية”، أن رؤية قادة “إسرائيل لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يمكن حله من خلال اتفاق السلام، وضم المناطق، وانسحاب أحادي الجانب أو طرد الفلسطينيين، وإنما يجب أن يدار من خلال تصعيد الوضع وتحويله إلى واقع غير قابل للحل.

تضرب الحكومة الإسرائيلية اليوم مسألة “حل الدولتين” بعرض الحائط، بعد اتخاذها قرار الضم الذي يناقض مع ما كانت تسعي إليه رؤية دولتين تتعايشان بسلام جنبا إلى جنب، وإقامة دولة فلسطينية ضمن الحدود التي رسمت في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية في 1967، وهو ما يعني القضاء على قرارات الشرعية الدولية نهائيا والتي دعمت ذلك الحل.

سياسة قديمة

من خلال ما سبق يمكن فهم تعاطي السياسية الأمنية الإسرائيلية مع القضية الفلسطينية وتحديدا مسألة الضم، أنه ليس وليد اللحظة، بل مهدت الحكومات الإسرائيلية، بمساعدة أمريكية الطريق إليه عبر اتفاقات عدة، بالإضافة إلى اتباع سياسة مشجعة للهجرة إلى المستوطنات الإسرائيلية، عبر تقديم الحكومات منح ومحفزات اقتصادية تجعلهم يتمسكون بالعيش، بيد أن ثمة قرارات مصيرية خلال عمليات التفاوض بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني كانت ولا تزال سببا في إقدام “إسرائيل” على مشروع الضم وهي:

أولا: حرب الأيام الستة ” 1967″: حيث تمكنت “إسرائيل” بشكل مفاجئ من احتلال المساحة المتبقية من فلسطين (وهي 22%)، كما ضمت القدس الشرقية إلى إقليمها بصورة غير قانونية، وفرضت نظاماً قاسياً من الاحتلال العسكري على سكان قطاع غزة والضفة الغربية، لاسيما الشروع في إقامة المستوطنات، التي تعد واحدة من أبرز المسائل التي مهدت  للضم الإسرائيلي اليوم.

شكل ذلك العام أيضا علامة فارقة في الصراع العربي الإسرائيلي، بعد أن صادق لأول مرة الكنيست الإسرائيلي على مشروع قرار ضم القدس الشرقية إلى “إسرائيل”، لاثبات سيادتها الأمنية والسياسية.

ثانيا: اتفاق أوسلو 1991: حيث كان أخطر ما فيه أن إقامة دولة فلسطينية مستقبلا لم يرد في الاتفاق على الرغم من نصه على ضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل من الضفة الغربية وغزة، الأمر الذي أعطى للحكومات الإسرائيلية التوسع في مسألة الاستيطان وضم الأراضي دون رادع قانوني ودولي لها.

ثالثا: اتفاق “كامب ديفيد” عام 2000:  والمعروف عنه بفشله بسبب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، حيث كان من أهم بنودها إعطاء الفلسطينيين سيطرة على المعابر الحدودية مع الأردن ومصر ضمن إطار استمرار الرقابة الأمنية الإسرائيلية عليها، مع احتفاظ الإسرائيليين بمنابع المياه في الضفة مع الاستعداد للاتفاق على إعطاء الفلسطينيين حصة محدودة منها.

رابعا: اتفاق جنيف عام 2003: وعلى الرغم من فشله إلا أن من أخطر بنوده التي تم ترجمتها على أرض الواقع اليوم أن الفلسطينيين سوف يستعيدون معظم الأراضي، التي احتلت أثناء حرب 1967 من قبل “إسرائيل”، وفي المقابل، ستضم الأخيرة عدة مناطق، ذات كثافة سكانية عالية، إلى جانب إقامة دولة فلسطينية، على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وتبادل الاعتراف بين دولة إسرائيل ودولة فلسطين، وحق الشعب اليهودي في وطن.

تحاول الحكومة الإسرائيلية عند اتخاذ أي قرار بشأن مصير الفلسطينيين وحقوقهم المسلوبة منذ عشرات السنين لاسيما (اللاجئون، والحدود، القدس) استثمار حالة الانشغال العربي والفلسطيني الداخلي، لتمرير ما تصبوا إليه بالتعاون مع الإدارة الأمريكية، وهو ما جعلها تتخذ قرارات مخالفة أصلا للقانون الدولي وبنود الاتفاقات الموقعة سابقا.

المصدر: قدس برس