على غير العادة وصل محمد أبو لحية وزوجته نجلاء أبو نحلة إلى متحفهما الأثري الخاص في بلدة القرارة شرقي محافظة خان يونس جنوبي قطاع غزة، ليس لتجهيزه من أجل استقبال الزائرين، بل لتنظيف الغبار الذي كسى آلاف القطع الأثرية والتراثية طيلة فترة إغلاق المتحف بسبب تفشي وباء “كورونا” في القطاع المحاصر.
وللمرة الأولى منذ تدشين الزوجين المتحف الذي أطلقا عليه اسم “متحف القرارة الثقافي” عام 2016 لم يستقبل المتحف أي زائر على مدار نحو شهرين بسبب تفشّي “كورونا”.
وأوصد المتحف أبوابه كما بقية المتاحف والمواقع الأثرية في قطاع غزة بقرارٍ من وزارة السياحية؛ حفاظًا على الصحة العامة ضمن إجراءات مكافحة الوباء.
وخلال تلك الفترة، انقطع محمد (30 عامًا) ونجلاء (28 عامًا) عن زيارة متحفهما أو الاعتناء به بالشكل الكافي بسبب القيود المفروضة على الحركة وحظر التجوال، لكنّهما تمكنا على فترات متقّطعة من المجيء إلى المتحف وتفقّده والاعتناء بمقتنياته التي تعود لعصور مختلفة منها العثمانية، والبيزنطية، والكنعانية، والرومانية.
وبعد تخفيف قيود حظر التجوال، أصرّ الزوجان على قضاء يومهما كاملًا داخل المتحف ليقوما بنفض الغبار عن القطع الأثرية وترميم القطع التالفة، بانتظار صدور قرار من وزارة السياحة بفتح المتاحف رسميًا أمام الزائرين.
وللزوجين طقوس ترتبط بطبيعة المكان، منها مذياع يتنقل من أغنية شعبية تراثية لأخرى، وموقد نار عامر ببكارج القهوة والشاي، حيث يحتسيان أكوابًا منها عند كل استراحة، وبعض المأكولات التي تطهى على النار عند استراحة تناول الغذاء.
هذه الطقوس كان يشاركهما بها في وقت سابق فريقٌ عامل تطوعي لم يعُد يأتي معظمه؛ بسبب ظروف الوباء الراهنة، وزائرون من مختلف الفئات العمرية من أصدقاء ومحبين للتراث، وأعضاء في مؤسسات خيرية وأهلية ووزارات ووفود أجنبية.
ويقول أبو لحية، الذي يعمل فنانًا تشكيليًا، لمراسل “صفا”، إنّ متحفه كان “يعج بالزائرين بشكل شبه يومي قبل تفشي كورونا، من رحلات مدرسية ومؤسساتية وهواة ومحبي التراث ووجهاء ورحلات رياض أطفال، وتقام به حفلات وحلقات علمية ومعايشة، لكن كل ذلك وغيره توقف نتيجة تفشي الوباء”.
ويضيف “حتى لا تفقد تلك القطع قيمتها، أو تتلف، أو تتعرض للفقدان، نعتني بها ونقوم بتنظيفها والاعتناء بها، وتصفيفها على الأرفف، كما نضيف بعض زوايا داخل المتحف، ونواصل ترميم القطع التي كنا نجمعها وبها كسور، خاصة القطع الفخارية”.
ويتابع الفنان التشكيلي “متحفي واحد من عدة متاحف خاصة في خان يونس، وتعبت كثيرًا حتى استطعت تدشينه، فليس من السهل تركه وعدم الاعتناء بها، لذا أحاول كل يوم إضافة أشياء جديدة مميزة، سواء لها علاقة بالديكور، أو بالقطع التي نُحصِلها ونقتنيها ونعرضها للزائرين”.
ويشدّد على أنّ تلك القطع بمثابة “كنز له ولفلسطين، كونها تمثّل حضارات كانت هنا، عدا أنّها طابو يثبت فلسطينية وعربية وإسلامية هذه الأرض؛ لذا من المهم الحفاظ عليها في مختلف الظروف، ولا سيما فتر الوباء التي نعيشها، ولا أحد يعلم نهايتها”.
وعبّر الفنان أبو لحية عن أمله في أن يزول وباء “كورونا” عمّا قريب عن غزة وفلسطين؛ لتعود الحياة لما كانت عليه سابقًا، ويعود المتحف للعمل عامرًا بزواره ومحبيه والعاملين فيه.
المصدر: صفا
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=119296
