بقلم: الدكتور عصام يوسف – رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة
تصر إدارة دونالد ترامب على الاستمرار في مسلسل استباحة الحقوق الفلسطينية، حتى وهي تعد أيامها الأخيرة في السلطة، مكرسةً آخر مواقفها السياسية بالمزيد من خلط الأوراق وتقديم الخدمات لدولة “الأبارتهايد” الصهيونية، عبر حرف أنظار العالم عن انتهاكات وجرائم دولة الاحتلال، وتشتيت جبهة الحركات المناضلة سلمياً ضدها، وخنق الأصوات الحرة المنادية بمحاسبتها إزاء ما تقترفه من فظائع بحق الشعب الفلسطيني.
تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في مؤتمرٍ صحفي مشترك عقده مع رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الخميس، تكاد تنتمي لذهنية دولة ما قبل إعلان القوانين التي شرّعت للحريات العامة في الولايات المتحدة، وربما يظن من يستمع لها للمرة الأولى بأن من يطلقها ليس إلا وزيراً في دولة تلت حقبة “كريستوفر كولومبوس” الذي أسس لأركان الدولة الأمريكية “الكولنيالية” بعدما شن وأتباعه حرب إبادة بحق سكان الأرض الأصليين.
مضامين التصريحات لم تكن إلا سهاماً إضافية تسدد إلى ظهور الفلسطينيين، ولكل صاحب ضمير حي يدافع عن عدالة قضيتهم، إلى جانب مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية التي سعت الولايات المتحدة لإقناع العالم بتبنيها كدستور دولة، وأجندة أممية زعمت تعميمها على شعوب الأرض على مدى عشرات السنين.
تشير تصريحات بومبيو إلى حجم المأزق الأخلاقي الذي تعيشه الإدارة الأمريكية، من جانب، ومن جانب آخر نجاح الحركات السلمية المناوئة للاحتلال، وعلى رأسها حركة “مقاطعة الاحتلال الإسرائيلي وسحب الاستثمارات منها (BDS) “التي تنتشر فروعها في مختلف أنحاء العالم، في إيلام دولة الاحتلال من خلال التسبب بخسارات اقتصادية معتبرة لها، بعد تمكنها من اقناع شعوب وحكومات ومؤسسات بمقاطعة دولة الاحتلال اقتصادياً وأكاديمياً وفنياً ورياضياً، وغير ذلك.
اعتزام بومبيو إعلان الحركة، وغيرها من الحركات، كمنظمات معادية للسامية، وإن كان ذلك سيتسبب بمزيد من القيود على الحركة ونشطائها داخل الولايات المتحدة، إلا أنه لن يكون بإمكانه إقناع طفل حديث الولادة بعدم قانونية عملها، وادعائه عنصريتها، في الوقت الذي تؤكد فيه الحركة “رفضها بشكل مبدئي ومتّسق جميع أشكال العنصرية، بما في ذلك العنصرية ضد اليهود”.
وتتوخى الحركة منذ بداية إنطلاقها الجانب القانوني، ومدى اتساق عملها مع القوانين الدولية، التي تشرع النضال السلمي ضد طغيان وجبروت الاحتلال، حيث تؤكد على الدوام بأن اتباع نهج العقوبات والمقاطعة، يعتبر بمثابة أداة مجربة ضد أنظمة الاستبداد، في الوقت الذي يجثم فيه الاحتلال على صدر الشعب الفلسطيني، ويسلبه حريته وكرامته وأرضه.
يختتم بومبيو زيارته للكيان المحتل بزيارة مستوطنة تقع ضمن أراضي مدينة البيرة المصادرة في الضفة الغربية، مباركاً سرقة الأرض، وشربه النبيذ المصنع من العنب المسروق، ثم تقديمه الهدية والمكافأة للسارقين من خلال اعتزام بلاده وضع علامة على منتجات المستوطنات باعتبارها منتجات إسرائيلية، ليقوم بشكل فعلي بإضفاء الشرعية على جريمة السرقة، وتشجيع السارقين على فعلتهم، ما من شأنه أن يشكل محاولة للالتفاف على إدراك الإنسان للأخلاقيات العامة، وقلب المفاهيم التي يرتكز عليها الوعي بأبسط قواعد العدالة.
ما من شك بأن القبول بإدارة الظهر للفلسطينيين، وتبرير نهب حقوقهم وممتلكاتهم، وتسويغ سرقة أرضهم، وتصفية قضيتهم، سيكرّس بشكل نهائي منظومة اللاأخلاق واللامبادئ، في إطار التخلي عن شرعة القوانين والأعراف التي قامت عليها منظمة الأمم المتحدة، وبالتالي إنهاءً لقواعد القانون الدولي بشكل صريح، ما يشكل عهداً جديداً للبشرية تعود فيه إلى شريعة الغاب.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=120091
