بقلم: صبحي الحديدي
التوصّل إلى لقاح مضادّ لفيروس كوفيد ـ 19 هو أوّل ضوء في آخر النفق
الذي يفضي إلى جعل الجائحة خلف البشرية، كما يُجمع أهل العلم والاختصاص، وكما يقول
المنطق السليم. فماذا بعد الاستخدام الفعلي لثلاثة لقاحات حتى الساعة، “فايزر ـ بيونتيك” و”مودرنا” و”سبوتنيك ـ V” و77
لقاحاً في أطوار متباينة من عمليات الاختبار والتجريب هنا وهناك في العالم، من أصل
165 قيد التطوير؟ الإجابة عن الـ”ما بعد” تقتضي، بحكم المنطق السليم إياه، العودة
إلى الـ”ما قبل”؛ أي الأسباب الفعلية لولادة هذا الفيروس، وأجيال سابقة عليه مشابهة
له أو مختلفة عنه، وما إذا كانت الأوبئة البيو ـ اقتصادية والبيو ـ زراعية والبيو
ـ صناعية والبيو ـ سياسية سوف تواصل العيش في اضطراد وتفاقم، أم أنّ الحدّ من
عواقبها هو الذي سوف ينير آخر النفق وليس هذا اللقاح أو ذاك؟
ثمة، إلى هذا، ما يجري استيلاده على خلفية اللقاحات من مصطلحات عابرة للجائحة،
أو بالأحرى أكثر وفاء لوضعها في إطاراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية
الفعلية: “رأسمالية الكوفيد”، في مصطلح أوّل؛ و”قومية اللقاح”، في مصطلح ثانٍ؛ وما بين
هذا وذاك تقفز بالضرورة اعتلالات الكون القديمة بين دول التخمة ودول الجوع، وبين
شمال وجنوب، وبين هيمنة وخضوع… ولقد وفّرت أبحاث مؤسسة “راند” معطيات في هذه
الميادين، تشير إلى أنّ علاج الجائحة هو اقتصاد سياسي في مقام قد يكون تالياً
مباشرة للمقام الطبي والعلمي.
تقول سلّة الأرقام الأولى إنّ غياب لقاح كوفيد ـ 19 سيكلّف البشرية
3.4 ترليون دولار سنوياً، ولكن حتى لو توفّر اللقاح فإنّ الكلفة ستبقى في حدود 1.2 ترليون دولار سنوياً تثقل كاهل الناتج الإجمالي. هذه بوّابة أولى
لمرور “قومية اللقاح”، أي توجّه بعض الدول
والتجمعات الاقتصادية الكبرى، إلى تفضيل مواطنيها من حيث توزيع اللقاح، على حساب
الشعوب الفقيرة والعاجزة عن تأمين الكميات المطلوبة، لأسباب اقتصادية أو سياسية أو
لوجستية. فإذا صحّ أنّ “قومية اللقاح” خيار شبه إجباري لدى المجموعة الأولى،
بالنظر إلى أسباب عديدة مفهومة؛ فإنه في الآن ذاته ليس الخيار الصائب رأسمالياً،
أو عولمياً، لأنه سيكلفها 1.2 ترليون سنوياً على صعيد الناتج القومي الإجمالي، لا
لأي اعتبار آخر سوى أنّ العالم مترابط بالضرورة، والعولمة لم تعد تسمح بتجزئته إلى
جزر مستقلة.
سلّة أرقام ثالثة تقول التالي: إذا لم تتوصل الدول الفقيرة إلى
اللقاحات بمعدّلات كافية، فإنّ العالم سوف يخسر 153 مليار دولار في الناتج القومي الإجمالي
سنوياً؛ والاتحاد الأوروبي وحده سوف يتكلف 40 مليارا، والولايات المتحدة 16
مليارا، والمملكة المتحدة بين 2 و10 مليارات دولار، سنوياً في كلّ هذه الأرقام.
على العكس، وهنا بعض مفارقة “رأسمالية كوفيد”، إذا زُوّدت الأمم الفقيرة
باحتياجاتها من اللقاح، فإنّ الدول الغنية وذات المداخيل العالية سوف تكسب 4.8
دولار لكلّ دولار واحد تنفقه في توريد اللقاح إلى فقراء المعمورة! وفي سياقات
العولمة، تقول سلّة أرقام أخيرة إنّ لجوء كتلة سياسية أو اقتصادية، مثل الولايات
المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو الصين أو الهند أو روسيا، إلى احتكار اللقاح سوف
يحسّن اقتصادها؛ لكنه سوف يُبقي نشاطها الاقتصادي متأصراً سلبياً جرّاء انخفاض
الطلب من بلدان الاقتصادات المتوسطة أو المنخفضة.
وهكذا، كان لافتاً أنّ حكومة الولايات المتحدة لم تموّل أبحاث لقاح
“فايزر” مباشرة، بل منحت الشركة 1.95 مليار دولار
دفعة أولى مقابل شراء 100 مليون جرعة، وهذه إشارة ساطعة الوضوح لجهة الترابط بين
الرأسمال الصناعي الحرّ والدولة الرأسمالية المركزية. ولعلّ هذا التشابك العلائقي
بين رأسمالية هنا وقومية هناك في أتون مقاومة الجائحة ما يؤكد، أيضاً، ضرورات
الذهاب إلى أوّل النفق؛ حيث حروب البيو المتعددة لا تضيء نوراً قبل أن تطفئ سواه،
ولا تغلق نفقاً قبل أن تشقّ نظيره.
المصدر: القدس العربي
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=121001
