يعاني لبنان من أزمة اقتصادية خانقة، زادت حدتها خلال سنة 2020، في ظلّ انهيار العملة الوطنية اللبنانية، وفي ظل تداعيات جائحة “كورونا”. وتصاعد، خلال الفترة القريبة الماضية، الحديث عن توجه الحكومة اللبنانية لرفع الدعم بشكل كلي عن بعض المنتجات الأساسية التي كانت تدعمها؛ كالدواء والطحين والمحروقات وغيرها من السلع الغذائية الأساسية، أو إبقاء بعضها لفئات معينة من اللبنانيين فقط.
أوضاع كارثية
وحذرت منظمات دولية من أن رفع الدعم، سيعود بنتائج كارثية على الفقراء والمحتاجين، ويُنذر باندلاع أزمة وشيكة لا سابقة لها، وينطوي على مخاطر كبرى تهدد الاستقرار الاجتماعي، وتتضرر منه بشدة الفئات الاجتماعية الأكثر عوزاً.
وفي ظلّ الوضع الاقتصادي المهترئ في لبنان، وفي ظلّ سياسة تقليصات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” لخدماتها المقدمة للاجئين الفلسطينيين في لبنان، والحديث عن حرمان اللاجئ الفلسطيني من الدعم واقتصاره على بعض الفئات من اللبنانيين، بات السؤال الأكثر إلحاحاً لدى اللاجئ الفلسطيني في لبنان هو: ماذا سيحل به إذا تمّ رفع الدعم، ولم تتحمل “الأونروا” مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاهه؟.
ويعيش في لبنان أكثر من 260 ألفاً لاجئ، وفق دراسة أعدتها الجامعة الأمريكية في بيروت بتكليف من “الأونروا” في سنة 2015. وفيما يبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى “الأونروا” في لبنان في سنة 2020 أكثر من 470 ألف لاجئ، وبينت الأرقام التي أفضى إليها “التعداد العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان عام 2017″، والذي تمّ تنفيذه في 12 مخيماً و156 تجمعاً سكانياً، أن عددهم بلغ 174 ألفا و422 فرداً، يعيش نصفهم داخل المخيمات.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك نحو 50 ألف لاجئ فلسطيني غير مسجلين، أو فاقدين لأوراقهم الثبوتية، ولا يستفيدون من خدمات “الأونروا”، بالإضافة إلى أكثر من 20 ألف لاجئ من المخيمات الفلسطينية في سورية.
لم تتحمل الدولة اللبنانية مسؤولياتها تجاه اللاجئين الفلسطينيين، وتركت الأمر لوكالة “الأونروا” وللمؤسسات الإنسانية وللفصائل الفلسطينية. وأصبح معظم فلسطينيي لبنان يعتمدون بشكل أو بآخر على المعونات الإنسانية ومنظمات الإغاثة. وذلك بالرغم من اتخاذ جامعة الدول العربية سلسلة من القرارات الخاصة باللاجئين الفلسطينيين، وأنشأت الجامعة مؤتمر المشرفين على شؤون الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة، ويعقد اجتماعاته بصورة دورية سنوية.
تضييق وحرمان من العمل
وبحجة عدم منافسة اللبنانيين في معيشتهم، حُرم اللاجئون الفلسطينيون من حقّ العمل في معظم المجالات، فالسلطات في لبنان تحظر على اللاجئين الفلسطينيين العمل في القطاع العام، كما تحظر عليهم العمل في بعض الوظائف في القطاع الخاص.
ونتيجة لذلك، يعاني الفلسطينيون في لبنان من محدودية فرص العمل لهم؛ وهناك أكثر من 56% من الذين هم في سنّ العمل هم بلا عمل، مما أدى إلى وجود نسبة بطالة عالية، خصوصاً بين المتعلمين وخريجي الجامعات. وبحسب دراسة الجامعة الأمريكية ارتفعت نسبة البطالة بين اللاجئين الفلسطينيين من 8% سنة 2010 إلى 23.2% سنة 2015.
وفيما يعتمد أكثر 33% من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان على مساعدات “الأونروا” من خلال برنامج شبكة الأمان الاجتماعي، كمصدر الرئيسي للدخل، يعمل نحو 80% من القوة العاملة بين اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان إما لحسابهم الخاص في مهن بسيطة أو كعمال بالأجرة، وتعمل الغالبية العظمى منهم في وظائف منخفضة الأجر (75% منهم يكسبون أقل من الحدّ الأدنى للأجور)، تخضع في معظم الأحيان إلى ظروف عمل قاسية واستغلالية وغير آمنة، ولا يتمتع 95% منهم بأي تأمين صحي.
ويسهم عامل البطالة في انتشار الفقر بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فنسبة الفقر لدى الفلسطينيين المقيمين في لبنان بلغت 65%، وذلك بحسب دراسة الجامعة الأمريكية. فيما تشير بعض الإحصاءات إلى أن نسبة الفقر بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ارتفعت إلى نحو 80%، نتيجة الأزمة الاقتصادية، بالإضافة إلى جائحة “كورونا”.
ظروف صعبة
بالإضافة إلى أن الأوضاع الصحية للاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان متردية جداً، ويعتمدون اعتماداً كبيراً على خدمات “الأونروا” للحصول على الخدمات الصحية. ويعاني فرد واحد فيها على الأقل من ضمن 81.3% من الأسر من مرض مزمن، ويعاني أكثر من 60% ممن تزيد أعمارهم عن الـ 60 عاماً من وضع صحي سيّئ أو سيّئ جداً.
وفيما يتعلق بالأمن الغذائي المنعدم، الذي يتأثر بعاملين أساسيين هما الجوع وسوء التغذية، يتمتع 38% فقط من اللاجئين المقيمين بالأمن الغذائي، فيما يعاني 38% منهم من انعدام الأمن الغذائي المتوسط، و24% من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
مقبلون على ظروف أصعب
وأمام معاناة اللاجئ الفلسطيني في لبنان، من فقر وبطالة، وأوضاع معيشية واجتماعية مأساوية، وأوضاع صحية صعبة، يجد اللاجئ الفلسطيني نفسه أمام خيار حرمانه من أبسط مقومات الاستمرار في الحياة. فاللاجئ الفلسطيني في لبنان قد يجد نفسه غير قادر على تأمين حاجاته الأساسية من دواء، ومشتقات القمح، وبعض المواد الغذائية، بالإضافة إلى المحروقات، والتي سترتفع أسعارها بنحو خمسة أضعاف، بما يتناسب مع سعر الدولار في السوق السوداء.
وهذا يعني أزمة جديدة تضاف إلى أزمات تعليمية وعدم قدرة على الرعاية الصحية، وأوضاع سكن صعبة.
وهنا يكمن دور “الأونروا” والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير والقوى والفصائل الفلسطينية؛ لتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه اللاجئين الفلسطينيين؛ فعلى السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير والفصائل الفلسطينية إنشاء “خلية أزمة” لمواجهة التداعيات السلبية لقرار رفع الدعم.
وفيما يتهم اللاجئون الفلسطينيون في لبنان إدارة “الأونروا” في لبنان بـ”التقاعس والتقصير واللامبالاة”، وتحمليها المسؤولية الكاملة عمّا آلت إليه أوضاعهم المعيشية والصحية والاجتماعية المأساوية، فعلى الوكالة الدولية القيام بخطوات استباقية، وبشكل عاجل، لمواجهة ما يمكن أن ينتج عن ذلك، وعليها إطلاق نداء استغاثة لتأمين تمويل طارئ، لتغطية احتياجاتهم الأساسية طيلة فترة الأزمة، ولرفع التغطية الاستشفائية.
إن وقف الحكومة اللبنانية دعم السلع الأساسية ستكون له انعكاسات قاسية على المجتمع الفلسطيني في لبنان، وسوف تزيد من معاناته الإنسانية والاقتصادية، وتوسع دائرة الفقر والجوع، وتهدد الأمن الاجتماعي، وتهدد حياة الأطفال، وتحد من قدرة العائلات على الحصول على مقومات الدواء والغذاء.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=121073
