تسابق الجرافات الإسرائيلية الزمن لفرض أمر واقع على الأرض في منطقة الرأس غرب سلفيت شمال الضفة الغربية، ولتثبيت بؤرة استيطانية جديدة، يُراد لها أن تشطر سلفيت نصفين وتفصل شمال الضفة عن وسطها.
وقبل أسابيع، شرع مستوطنون بإنشاء ثلاث غرف في أراضٍ رعوية بمنطقة الرأس، وشقوا طريقًا يربطها بمستوطنة “أرئيل”، وزودوها بخلايا شمسية وشبكة مياه.
وتعتبر منطقة الرأس منطقة حيوية لسلفيت؛ فهي مطلة على المدينة وعلى واد المطوي الذي يحوي تنوعًا بيئيًا ويضم مئات الدونمات المستغلة زراعيًا وعددًا من الينابيع.
ويبين الباحث في مركز أبحاث الأراضي رائد موقدي أن المساحة التي استولى عليها المستوطنون بشكل فعلي في المنطقة تبلغ 40 دونمًا وتقع في حوض رقم 3 من أراضي سلفيت، وفيها أوراق طابو عثمانية لمزارعين من المدينة.
لكن وبسبب الطبيعة الطبوغرافية للمنطقة، حيث تقع على تلة عالية تشرف على أراض واسعة، فستكون هناك مناطق عازلة تقدر مساحتها بمئات الدونمات يُمنع أصحابها من الاقتراب منها.
ويقول موقدي لوكالة “صفا”: “الخطر الأساسي الذي تشكله البؤرة الاستيطانية هو أن تمتد على مساحات شاسعة، وإذا سيطروا عليها يكونوا قد قسموا محافظة سلفيت إلى قسمين”.
ويرسم موقدي صورة سوداوية لما سيكون عليه الحال عند اكتمال هذه البؤرة وتحولها لاحقا إلى مستوطنة.
ويشير إلى أن هذه المستوطنة ستشكل حلقة تمتد من منطقة “الرأس” وحتى أطراف بلدة بروقين، بحيث تربط المستوطنات الغربية في المحافظة وهي “بدوئيل” و”عيليه زهاف” و”ليشم” بالمستوطنات الشرقية مثل “تفوح” و”أرئيل” و”المنطقة الصناعية”.
مخطط قديم
ويبدو أن اختيار المستوطنين لهذه المنطقة لم يكن صدفة، وإنما بسبب وجود مخطط قديم لإقامة مستوطنة فيها.
ويقول موقدي: “في ظل وجود حكومة إسرائيلية يمينية داعمة للاستيطان، وإدارة أمريكية داعمة، وهرولة عربية للتطبيع، من غير المستبعد أن تسعى الجمعيات الاستيطانية لتنفيذ الأجندة القديمة لتهويد أكبر قدر من الضفة”.
وستكون هذه البؤرة هي الخطوة الأولى لتنفيذ المخطط الإسرائيلي في المنطقة.
ويؤكد أن التهديد الذي يمثله هذا المخطط لا يقل من حيث الحجم عن التهديد الاستيطاني المتواصل في القدس المحتلة، إذ سيؤدي عند اكتماله لعزل مساحات شاسعة من الأراضي، وسيحدث فصلا ديمغرافيا بين التجمعات السكانية الفلسطينية.
ولا يتوقف خطر هذا المخطط على محافظة سلفيت وحدها، بل يهدد شمال الضفة برمته، إذ سيؤدي تلقائيًا إلى خط استيطاني فاصل بعمق 30-35 كلم وبمساحات شاسعة يفصل شمال الضفة عن وسطها.
وهذا المخطط سيهدد الحياة السكانية والموارد الاقتصادية والموارد الزراعية والتجارة والتنقل بين شمال ووسط الضفة.
تهويد الضفة
ولا يبدو إنشاء هذه البؤرة منعزلا عما يجري في الضفة التي شهدت خلال العام 2020 إنشاء سلسلة من البؤر التي بلغ عددها قرابة 11 بؤرة عشوائية تركزت في رام الله وريف نابلس الجنوبي والأغوار.
ويوضح موقدي أن المخططات الاستيطانية تعكس رؤية الحكومة الإسرائيلي لواقع الاستيطان وتهويد الضفة والسيطرة على أراضي الضفة.
ويضيف: “ما يجري الآن هو سباق مع الزمن، والمخطط الذي طرحه نتنياهو للضم لم يلق رضا عصابات المستوطنين الذين يعتقدون أن عليهم استغلال الفرصة وفرض السيطرة على أكبر قدر ممكن من أراضي الضفة”.
ويشير إلى أن تنفيذ تلك المخططات بدأ فعليًا في الأغوار التي تجري فيها حاليًا أكبر عملية تهويد من نوعها منذ عام 1967.
ويضيف: “هناك مخططات لتهويد مساحات شاسعة بالضفة وتغيير معالم المنطقة بشكل كبير، وهو ما سيفتح الباب للضغط على السكان”.
وخلال الخمس سنوات القادمة سنجد خطة مغايرة للخطة التي طرحها نتنياهو، عبر ضم مساحات أوسع بكثير.
سلفيت المنكوبة
ومنذ سنوات تعتبر محافظة سلفيت أشد محافظات الضفة المنكوبة بالاستيطان، إذ تضم 22 مستوطنة وخمس بؤر عشوائية، يسكنها 40-50 ألف مستوطن، مقابل 84 ألف مواطن يعيشون في 18 تجمعا سكانيا فلسطينيا.
ويحتل المستوطنون مساحات شاسعة من أراضي المحافظة ويسيطرون على مواردها المائية ومواقعها الأثرية، والقسم المتبقي يمنع الاحتلال استغلاله وزراعته مثل وادي قانا الذي تبلغ مساحته 10 آلاف دونم، باعتباره محمية طبيعية.
ويقول رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وليد عساف أن مشروعا استيطانيًا بالغ الخطورة يجري تنفيذه في منطقتي المراحات والرأس بسلفيت.
كانتونات ومعازل
ويبين أن هذا المشروع يهدف لاستكمال مشروع تقسيم الضفة إلى كانتونات ومعازل وتنفيذ عملية الضم ميدانيا بعد أن فشلت سياسيًا.
ووفق هذا المشروع، سيتم عزل كل مدينة عن محيطها وريفها، ثم عزل كل محافظة عن بقية المحافظات، ثم تقسيم الضفة إلى ثلاثة أقاليم، شمال ووسط وجنوب.
ويؤكد عساف أن ما يجري في منطقة “الرأس” هو فصل لإقليم شمال الضفة عن الوسط، وهو المشروع الأكثر خطورة لقتل حل الدولتين.
ولفت إلى أن هذه المنطقة تعتبر منطقة استراتيجية، إذ تربط بين أكبر مستوطنتين في شمال الضفة، وهما “بركان الصناعية” و”ارئيل”.
ومن شأن ربط القمم الجبلية الممتدة من “أرئيل” إلى “بركان” أن يفصل بالكامل شمال الضفة عن وسطها، ويربط الكتلة الاستيطانية الممتدة من مستوطنة “رأس العين” على الخط الأخضر غربا إلى مستوطنة “كوخاف هشاحر” على السفوح الشرقية بالأغوار.
المصدر: صفا
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=121151
