بقلم: الدكتور عصام يوسف – رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة
جسّد الأكاديمي والمفكر الفلسطيني الراحل البروفيسور عبد الستار قاسم خلال حياته الفكرة التي اصطلح عليها غالبية الفلاسفة، والتي تؤكد بأن “المثقف يعد موقفاً أخلاقياً صارماً، وليس مهنة”، فلم يمنعه أي نوع من التكلف من التعبير عن مواقفه التي دفع من أجلها أثماناً كبيرة.
الاعتقالات والتهديدات بالقتل، والاعتداءات المتكررة على البروفيسور قاسم، والتي كاد أن يفقد حياته خلالها أكثر من مرّة، وشكلت تهديداً له ولأسرته، كانت تزيد من إصراره على الصدح بالحقيقة التي يسعى كثيرون لتغييبها، سيما وأنها الحقيقة غير المقبولة لدى الكثيرين وعلى رأسهم الاحتلال، حيث امتلك من كان ينتقدهم قاسم حقيقتهم الخاصة بهم، التي صدّقوها ويحاولون إجبار الآخرين على تصديقها.
أدرك الاحتلال الصهيوني بشكل واضح مضاء كلمة الحق التي كانت تخرج من فم قاسم، والتي كانت تواجه جيشاً مدججاً بالسلاح المتطور، بعد أن أطلقها الأكاديمي الشجاع مجلجلة في مختلف وسائل الإعلام، وعلى ما تيسير له من منابر، فالاحتلال يعلم كغيره من الاحتلالات البائدة، والطواغيت الذين امتهنوا سرقة الحضارات ومقدرات الشعوب، بعد أن نكّلوا بها، بأن كلمة الحق مرعبة لهم، وتزلزلهم، ولا تستطيع أن تقف في وجهها على المدى البعيد ترسانات السلاح الأشد فتكاً.
لهذا كان اعتقاله يتزامن مع الأحداث الجلل في تاريخ القضية الفلسطينية، خلال الأعوام الماضية، فاعتقال قاسم، بهدف إسكات صوته إبان حرب الإبادة التي شنها جيش الاحتلال على غزة خلال عدوان 2014 لم تكن مصادفة، فقد كان الاحتلال يريد تنفيذ جريمته دون أن يكون هنالك من يقف في وجهه، سواء بالسلاح أو بكلمة الحق التي تزن بثقلها السلاح، وتوازيه مفعولاً.
آراء قاسم وفكره الذي آمن به كان ملهماً للطائفة الأوسع من أبناء شعبه، والذي شكّل حالة وعي سياسي للجماهير، وربما كان ذلك أحد أبرز عوامل القوة لدى الأكاديمي الملتصق بهموم شعبه، وصاحب الروح الشعبية المرحة المتواضعة التي أحبها أبناء بلده، واقلقت بالتالي من يقفون في اتجاهات الشد العكسي للوعي الجماهيري الفلسطيني والعربي.
مواقفه القاطعة التي لم تقبل القسمة على أي رقم صحيح، كالموقف الرافض للتطبيع، الذي يأتي في إطار رؤيته الشاملة والمتكاملة لطبيعة الصراع مع دولة الاحتلال، كان تعزيزاً للمواقف الشعبية الرافضة للتطبيع، حيث لم يقبل بوصف لمرتكبي جريمة التطبيع من دول وأفراد ومؤسسات، بأقل من الخيانة للقضية الفلسطينية، وللأمة وحضارتها وهويتها.
مواقفه الأخرى لم تكن أقل صدقاً مع ذاتها، فمشاريع الحلول السياسية عند قاسم، كاتفاق أسلو، التي تحرم الشعب الفلسطيني من حقوقه في تقرير المصير وتحرير أرضه، بلا طائل، والمفاوضات العبثية مع الاحتلال لا قيمة لها، ولن تعود سوى بإضاعة الوقت والحقوق والكرامة، بينما ليس سوى المقاومة طريقاً وخياراً وحيداً لاستعادة الحقوق، وتحرير الأرض.
رحل عبد الستار قاسم، في أوج قوته، يستمد عزيمته من كلمة الحق، ويتفرد بميزات الرجال الشجعان الذين قل نظيرهم، في زمن باتت تعز فيه كلمة الحق ترهيباً وترغيباً، تاركاً وراءه إرثاً نضالياً، إلى جانب ارثه الأكاديمي والسياسي الحافل بالعطاء لأرض فلسطين، ونظرة شاخصة في الأفق ترنو ليوم التحرير والخلاص من الاحتلال والضم والاضطهاد.
رحم الله المناضل والأكاديمي الشجاع عبد الستار قاسم..وإلى جنات الخلد.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=122448
