بقلم: د. عصام يوسف – رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة
يقترب المسلمون من أبواب رمضان التي تُفتح على مصراعيها للمتعطشين للجرعة الإيمانية الروحانية، التي يحتاجونها كي يتزودوا من خلالها بالتقوى والورع وعمل الخير، ليضاف إلى أرصدتهم في الدنيا والآخرة، على حد سواء.
وعلى الرغم من أن التزود بالتقوى من خلال العبادات والأعمال الصالحة، ومنها عمل الخير، ليس مقصوراً على شهر رمضان وحده، بل المسلم مطالب بالعبادات وأعمال البر على مدار العام، إلا أن الله سبحانه وتعالى أراد من ربط عمل الخير كمزيّة روحية وإنسانية في الشهر الفضيل، من خلال تحفيز المسلم بمضاعفة الأجر، وإعطاء الثواب خصوصية في هذا الشهر، كي يكون حالة مكثّفة من التدرب والتعوّد على سلوكيات فضلى يظل ممارساً لها في كل وقت من حياته.
فالبرنامج المكثف من العبادات وأعمال البر والإحسان خلال شهر رمضان يشكّل دفعةً للأمام كي يواصل المسلم المسيرة بعد انقضاء الشهر الفضيل، بوتيرة موازية يستمر من خلالها بالقيام بواجباته تجاه دينه، ونفسه ومجتمعه، بما يعود بالفائدة والنفع على مكونات المجتمع المسلم عامة.
رمضان بالتالي يتكرس في عقل ووجدان كل مسلم كحالة يتم فيها بناء الروح والنفس والمجتمع، وتنقيتها جميعاً من كل الشوائب والشرور، والتسامي بها عن كل ما هو دنئ، وخبيث، ولا يكون ذلك إلا من خلال عمل الخير، وإحسان المسلم لذاته ولمجتمعه.
فلا عجب إذاً أن يتسابق المسلمون على اختلاف طبقاتهم، وألوانهم، وأعراقهم، ولغاتهم، من أجل الإكثار من أعمال البر والإحسان، ضمن تصاريف شهر رمضان، وقنوات عمل الخير، التي تحددها الشريعة الإسلامية، وتحدد شروطها وضوابطها.
شروط وضوابط ومصادر عمل الخير، ليست بخافية على أي مسلم، فهي فروض يتعلمها ضمن الأبجديات الأولى لواجباته الدينية، تتقدمها الزكاة بكل أنواعها (ومنها النقود أو الزروع أو المواشي أو المعادن..وغيرها)، فضلاً عن زكاة الفطر التي يؤديها المسلم كل عام خلال شهر رمضان، حيث تجب على كل من يملك ما يكفيه.
يضاف إلى ذلك ما هو واجب من نفقات للأقارب، تدفع من القادرين لغير القادرين، إلى جانب فروع عمل الخير والإحسان الأخرى، كالصدقات التي يؤديها المسلم بشكل طوعي واختياري، ابتغاءً لوجه الله سبحانه وتعالى، ومن أشكالها الصدقة الجارية، والوقف الخيري، وغير ذلك من أنواع الصدقات.
وللصدقات في شهر رمضان طقوسها التي تؤدي المنفعة، وتجلب الأجر المضاعف، في آن واحد، فإطعام الطعام واحدة من أجلّ الأعمال، كما جاء في الحديث النبوي الشريف “خياركم من أطعم الطعام”، يشاركها هذه المرتبة الرفيعة سقيا الماء التي تعد من خير الصدقات تبعاً للحديث الشريف “أفضل الصدقة سقي الماء”، فضلاً عن إفطار الصائم، عملاً بقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، “من فطّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً”.
والبيان الرباني واضح في تحديد أشكال ومعالم وقنوات ومجالات أعمال البر والخير والإحسان، إضافة لمستحقي العمل الخيري، ويبدو ذلك في الآية الكريمة واضحاً بما لا يحتمل اللبس، حيث يقول البارئ جل وعلا: “لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ” (البقرة177) .
وفي الحث على عمل الخير والإحسان، ما تمتلئ به أسطر وصفحات كتاب الله العزيز، كقوله سبحانه وتعالى: “أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ” (المؤمنون61)، فللمسارعة هنا طعمها الخاص، ونتائجها الجليلة التي لا تشبه أية نتائج، سيما وأن نصيب المسلم فيها هو خيرات الدنيا والآخرة عند أدائه للأعمال الصالحة، وهذا وعد من الله تبارك وتعالى، وإن وعد الله حق.
وليس من اشتراطات لمقدار الصدقة حتى وإن قلّت، كما أن دوام العمل الصالح يعد ضمانة لأن لا يتبعه سيئة، يقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، “إن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل”، بينما يتوجب على المسلم أن لا يقلل من إمكانياته في خوض غمار السباق لعمل الخير، ويكون ذلك بحسب قدرته، يقول سبحانه وتعالى “فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ”، فلا يضيع أجره عند الله تبارك وتعالى، وفي قوله سبحانه تأكيد لذلك “وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ”.
وتتسع رحمة ديننا الحنيف لتشمل بالخير المؤسسات من مستشفيات ومدارس ومساجد، وجمعيات خيرية تمثل الأداة لتشييد كل ما من شأنه أن يعود بالنفع على المجتمعات والأفراد، بل إنها تشمل غير المسلمين، وفي الحديث النبوي الشريف خير دلالة على ذلك، حيث يقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، “والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم، قالو: يا رسول الله كلنا يرحم، قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يُرحم الناس كافة”.
وتقع على المسلمين مسؤولية توجيه زكاتهم وصدقاتهم خلال شهر رمضان من ناحيتين، أولاً الوجوب الشرعي كاستحقاق المحتاجين للدعم، إضافة للواجب الأخلاقي والديني والإنساني والقومي والوطني، حيث تنطبق في الحالتين أحقية تقديم الدعم لفلسطين، وقدسها وأقصاها، وشعبها الذي يكافح الاحتلال في مختلف أماكن تواجده لحماية هوية الأمة من الذوبان والاندثار.
ومن الضروري أن يدرك المسلمون في أصقاع الأرض كافة، بأن تقديم الدعم للأرض المقدسة والمرابطين عليها، ولشعبها المحاصر في غزة، وكذلك المشرد في مخيمات اللجوء البائسة، سواء في رمضان، وفي غيره من الأوقات يعد أولوية على الأمة، إلى جانب أولوياتها في تقديم المساعدة، وإغاثة الملهوف في باقي بقاع المسلمين، وأينما تواجد أبناؤها المحتاجين.
فالأمر بات يتعدى “إهداء الزيت لإسراجه في قناديل بيت المقدس”، بحسب ما دعا إليه رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم)، حيث يتضمن الحديث الشريف الزيت كـ “رمزية” لتقديم الدعم لبيت المقدس، ففي الوقت الذي تتجاوز فيه اليوم آلام ومعاناة فلسطين ومقدساتها وشعبها، وتدخل في إطار المأساة التي تلخص الأخطار والتحديات التي تحيق بأمة بأسرها، وليست فقط بشعب تجنّد للدفاع عن حضارة وهوية الأمة الإسلامية، فإن المطلوب أن تكون أشكال الدعم والمؤازرة المختلفة بحجم المعاناة التاريخية والتراكمية للفلسطينيين، وبما يوازي دورهم كجنود يتصدون للغزاة الذين يستهدفون تغيير شكل ومعالم الحضارة والثقافة والهوية العربية والإسلامية.
وتناغماً مع طقوس رمضان، الذي يحتفظ بطابع خاص من الدعم، كإطعام الطعام “وتفطير الصائمين”، وأداء زكاة المال، وزكاة الفطر، وغيرها من أشكال الدعم التي تنسجم مع الشهر الفضيل، فإن من الواجب أن يكون للمحتاجين من أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجدهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي مخيمات اللجوء، نصيب من هذا الدعم، كما أن للمؤسسات الخيرية الداعمة للشعب الفلسطيني حقها في الدعم لأداء وظيفتها في إمداد المحتاجين من الشعب الفلسطيني كالفقراء والأيتام والأرامل والمرضى، وذوي الاحتياجات الخاصة، وغيرها من الشرائح الضعيفة.
لا ريب في أن للمسلم في رمضان فرصة ذهبية لمضاعفة حسناته، فأذرع الشهر الفضيل ممدودة لمن يبغي مضاعفة الأجر، فعمل الخير في هذه الفترة الزمنية ليست كغيرها من الأوقات، وهي من أفضال الله على عباده المسلمين، وعلى المسلم ألا يضيعها، فلا يعلم أحد منا كم من رمضان سيدرك فيما تبقى من عمره.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=123922
