غزة..مراكز إيواء النازحين تفيض بحكايات الموت وبأطفال تضوروا جوعا بسبب إهمال “الأونروا”

حقيبة صغيرة تحتوي على الأوراق الهامة والثبوتية وبعض شهادات الأولاد، والبطاقات التعريفية والتأمين الصحي، وغيرها من الأوراق الهامة، هي كل ما خرجت به أسرة فلسطينية تقطن إحدى المناطق القريبة من الحدود الشرقية لمدينة غزة، حين اشتد القصف الإسرائيلي لمنطقة سكنها، دون أن تحمل معها شيئا من مستلزماتها الأساسية.

وفي إحدى مدارس الإيواء التابعة لوكالة غوث وتشعيل اللاجئين “الأونروا” وضع الشاب وسيم، في نهاية العقد الثالث من عمره، تلك الحقيبة في ركن داخل إحدى الغرف الصفية، التي تحولت إلى غرفة نوم له ولأسرته، يتفقد ما فيها مرات عدة في اليوم، وبالأخص حين يأتي ممثلو مؤسسات خيرية، لتقديم بعض المساعدات لتلك الأسر النازحة، حيث يطلب أرقام الهويات الخاصة بأرباب الأسر، وعدد أفراد أسرهم.

الشاب الذي يعيل أسرة مكونة من ستة أفراد، ويعمل في مهنة يومية، وتوقف عن العمل منذ اليوم الأول للعدوان على غزة كباقي السكان، حيث شُلت الحياة الاقتصادية بشكل كامل، يقول إن ما كان في جيبه وقت الخروج من المنزل، لا يكفي لشراء ثمن طعام يكفي لأفراد أسرته ليوم واحد.

ويقول لـ”القدس العربي” إنه وأسرته وجيرانه الذين فروا إلى تلك المدرسة التي باتت مركز إيواء، ليومين كاملين، لم تعترف بهم “الأونروا” على أنهم نازحون بحاجة إلى المأوى والأمان، وأن الاعتراف بهم بعد يومين، لم يكن شاملا، إذ لم تقدم هذه المنظمة الدولية على توفير احتياجات العيش من ملبس ومأكل خاصة للأطفال حتى اللحظة.

وقد روى حكاية الأيام الأولى المريرة، حيث تضور أطفاله وباقي أطفال مركز الإيواء جوعا، إذ لم يكن أحد من أرباب الأسر من شدة القصف، ومن هول موقف النزوح والخروج تحت القصف العنيف قد استجمع قواه، للخروج بحثا عن الطعام.

وفي ذلك المركز، إذ لا يملك سكانه إلا أوراقهم الثبوتية وتلك الحقيبة التي تحملها، وبها قليل من النقود، تقدم لهم مساعدات غذائية من بعض الجمعيات والمؤسسات الخيرية، فيما اكتفت “الأونروا” على خلاف العادة بتوفير خزان مياه فقط، وتيار كهربائي.

وفي ذلك المركز، علّق أحد  النازحين وهو رجل مسن بالقول: “وكأن المي والكهربا بتسكت (تسكن) جوع الأطفال”، موجها كلمات انتقاد قاسية لتلك المنظمة الدولية، ويضيف وهو جالس بين عدد من زملائه: “وين نروح (أين نذهب) منازلنا اتدمرت (دمرت) ما النا مأوى”.

ولكل شخص مقيم في المركز حكاية خاصة يرويها عن رحلة (الهروب من الموت)، كما وصف أحدهم، لكن جل الحكايات كانت تشير ساعات خوف لم يعتد عليها أحد من قبل، فأحدهم كان يمسك بأطفاله ويهدأ من روعتهم، وفي ذات الوقت كان يدفع بعربة والدته كبيرة السن التي لا تقدر على المشي.

فيما تقول إحدى السيدات الكبيرات في السن وتدعى أم خالد: “كنا زي (مثل) يوم القيامة”، وكانت تشير إلى هول الموقف. وتشير تلك السيدة إلى أن الأطفال في مركز الإيواء لا زالوا ينتفضون ذعرا وخوفا من مشاهد يوم الفرار من المنازل، وتقول أيضا إن الجميع يكره حلول الظلام، لما للقصف من أهوال أكبر، وبسبب المجازر التي طالت السكان الآمنين ليلا.

هذا وتقول “الأونروا” في آخر تحديث لها حول وضع مراكز الإيواء، إنه” حتى اللحظة لجأ أكثر من56,827  شخصاً إلى 59 مدرسة تابعة لها”.

وقالت إنها بدأت بتقديم خدمات المرافق الصحية، والاحتياجات الأساسية مثل مياه الشرب والكهرباء، ومعدات الوقاية الشخصية للمساعدة في احتواء كوفيد-19، لكنها لم تشر إلى تقديم أي مساعدات غذائية أخرى.

وبسبب تقصير هذه المنظمة الدولية، حمل أهالي بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، الطعام من منازلهم، وساروا فيه للأسر المشردة في مراكز الإيواء وتلك التي قصفت منازلها، في مشهد ينم عن حجم التعاطف المجتمعي.

وفي مراكز الإيواء، ترى الأطفال يلهون في الساحات دون أن يتعدى أحد منهم أسوار المدارس، فلا زالوا يعتقدون أنهم آمنون في تلك الأماكن، وهو إحساس يحاول الآباء تأكيده لهم دائما لتهدئة روعاتهم، غير أن الآباء يستذكرون حالات استهداف في الحروب السابقة، وجهتها قوات الاحتلال لتلك المراكز فأوقعت عشرات الضحايا.

وعلى واجهات الفصول الأمامية، حيث يوحد سور بعلو المتر، تضع النساء بشكل مستمر ملابس أطفالهن بهدف تجفيفها سريعا، في ظل نقص الملابس المتوفرة، فيما  يتجمع الرجال في حلقات كثيرة في تلك المراكز، يتابعون الأخبار، ويتقصون أي معلومة عن منازلهم التي تركوها ولم تعد تصلح للسكان، بعد أن لحق بها دمار كبير، طال البنى التحتية في تلك المناطق أيضا.

وفي مراكز الإيواء، بخلاف الأطفال، هناك طلبة جامعات من الجنسين، وهناك أيضا طلبة ثانوية عامة، وإن كان الظرف لا يتيح للأطفال وطلبة الجامعات من متابعة الدراسة، فإن طلبة الثانوية العامة، مجبرون على متابعة دروسهم، خاصة وأن المدة المتبقية للامتحانات النهائية أقل من شهر.

وبسبب تقصير “الأونروا” في خدمة ورعاية النازحين، استنكرت حركة حماس بشدة التقصير من جانب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في قطاع غزة، وغياب دورها تجاه النازحين في مدارسها ممن هُدمت منازلهم أو تضررت وأصبحت غير صالحة للسكن، وأيضاً النازحين من المناطق التي تعرضت للقصف الهمجي والعدوان الشديد من قبل الاحتلال.

وقال عضو مكتب العلاقات الدولية في الحركة باسم نعيم، إن عدد الذين نزحوا يقارب الـ50 ألفاً، متواجدون في 58 مدرسة تابعة لـ”الأونروا”، دون أي مقومات للحياة الآدمية.

 وأشار إلى أن هناك “أطرافا محددة” في “الأونروا” هي من تعيق تحرك المؤسسة، لتقوم بواجبها تجاه النازحين وبحجج واهية.

وأكد أن “الأونروا” وجدت هنا لخدمة اللاجئين والنازحين وتوفير حياة كريمة لهم، “وليس للجلوس على مقعد المتفرج والمراقب لاستمرار هذه الجرائم بحق شعبنا”، وطالب بأن تقوم “الأونروا” بتغيير فوري في سلوكها، والتحرك الفوري لتزويد الناس بكل باحتياجاتهم الإنسانية.

المصدر: القدس العربي