الذات العربية ومحنة الفقد

بقلم: رشيد المومني – شاعر وكاتب من المغرب

يمكن التعامل مع سؤال الفقد، بوصفه أحد المداخل الأساسية لمقاربة راهن العقلانية العربية.. وهو بامتياز راهن ذات تعيش حالة رهيبة من الإحساس بالفقد. حيث انقرضت شروط الهوية التقليدية، ولم يبق منها سوى ذلك الوشم المحفور في الذاكرة التراثية. ولعل أبرز سمات هذا الفقد، السجالات المرتجلة، حول المدونة اللغوية، الواجب اعتمادها كأرضية مشتركة للتواصل، علما بأن هذه السجالات، تعاني من «عقدة» أفول العقل اللغوي، الذي دأبت العربية لقرون خلت على اعتماده بوصفه التجلي المركزي لخصوصيتها.
هذا العقل الذي لم يعد ممكنا استعادته، بفعل التحولات الحثيثة التي تعرفها السيرورة التاريخية. وبعيدا عن تهمة التحلي برؤية إقصائية في الموضوع، سنقر باستحالة تخلص الذات العربية على المدى القريب، من الأسطورة الملحة على عبقرية الخصوصية اللغوية، بما هي هوية متلاشية، عبثا تلح على تكريس استمراريتها في الـ»هنا» والآن. ما يدعونا للقول، بأن الأمر يتطلب عمرا طويلا للتخلص من عبء قداسة العقل اللغوي، في أفق تملك آليات عقل عملي، ينسجم مع تجريبية الحياة الجديدة والمعاصرة.
والشيء نفسه ينطبق على ظاهرة الإسلام السياسي، في طبعته المعاصرة، ذلك أن المتحمسين لأطروحة التسييس الديني، يعتمدونها في القول بتأسيس الدولة على قاعدة الشريعة، التي كان يستند جانب كبير من سلطتها إلى نبوغ العقل اللغوي. الشيء الذي لم يقع خارج اهتمام دائرة الحداثيين، بموازاة الانتكاسات المتتالية التي يمر بها هذا العقل، لأن النبوغ اللغوي المجسد في كل من النص وتلقيه، هو الذي كان يقود العجلة الدينية، التي استطاعت بفعل قوتها، أن تحتوي كل التوجهات السياسية المحايثة. غير أن تفكك دواليب هذه العجلة، أدى بالضرورة إلى انفلات الوعي السياسي من قبضة السلطة الدينية، بقوة تفاعل وتماهي خطاباته مع خطابات المراكز الغربية، التي تحولت تدريجيا إلى نمط نموذجي للحياة الجديدة، حيث تتربع العلمانية بامتياز على كرسي المشهد. وطبعا، سيحتل هذا الإشكال منزلة الصدارة، في السجالات القائمة بين التنويريين والسلفيين، الذين يرفضون الامتثال إلى قانون الجدلية التاريخية، التي تحرر تلقائية الصيرورة، من حواجز الثوابت القديمة المكدسة أمامها. ملحين مقابل ذلك،على ديمومة النموذج الأصل، باعتباره – في نظرهم – قادرا على الاستمرار، وعلى احتواء كل التحولات الجديدة الناتجة عن حركية الواقع، بوصفه الجوهر «الدائم «الذي لا يطاله أي تبديل أو تحوير. وكما هو معلوم، فإن هذا العناد المبني على حالة من التجاهل اللاعقلاني، يحول دون تمثل المفارقات الناتجة عنه.
وفي نظرنا، إن مصدر هذا التوجه هو الغمة التي تجثم على كاهل الشعوب العربية الإسلامية بفعل معاناتها من مختلف مستويات وأساليب الاستبداد، سواء من قبل الاحتلال الخارجي سابقا، أو التواطؤ الداخلي، المعبر عنه في وحشية الأنظمة الحاكمة. تأسيسا على ذلك، وضمن التواجد الدائم للذات، في قلب هذه الأجواء الكارثية، لا تجد سندها لدى أي هيئة تنظيمية، بالمفهوم السياسي أو المدني للكلمة. حيث يبقى الملاذ الوحيد والأوحد، هو استجارتها بسلطة السماء، وأيضا، بكل التعاويذ اللغوية المشحونة بذبذبات الغيب. وبإمكان الباحث المهتم، أن يخلص إلى وضع معاجم ضخمة، تضم في طياتها من مأثور القول، الموظف عشوائيا، ما يدرأ به المؤمن أذى الواقع ونوائبه، علما بأن مرجعيات هذه المعاجم، ستكون حتما متمحورة حول ما هو وارد في النص، وفي المتون المتفرعة عنه، فضلا عن الحكم المنظومة أو المنثورة في اللغة العربية الفصيحة، أو الدارجة، المستقاة من هذه المتون.

كما أن الباحث المهتم، سينتهي إلى أن تمائم هذا الأقوال المأثورة، توظف بوصفها البلسم الأخير الذي يستنجد به المؤمن، كلما اصطدم بالجديد من المواقف الشائكة في حياته الخاصة أو العامة. فضلا عن توظيفها كبديل جاهز، يعفيه من تعب البحث عن أي حلول عملية وعقلانية، قد تسعفه في تجاوز عوامل الغمة، ومسببات المحنة.
وبتواز مع هذا الوضع، تظل الرؤية التنويرية معطلة، لأنها لا تعدو أن تكون إطارا نظريا، يفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الممارسة. ما يؤدي إلى تقلص حدود اشتغالها على محك الواقع والمعيش. أيضا، من بين العوامل المؤثرة في تعميق وتقوية معضلة هذا الفراغ، ذلك الدوران العبثي للرؤية التنويرية حول إشكاليات مشحونة بالمفارقات، من قبيل إشكالية العقل، باعتبار أنها تدمن مقاربته بوصفه طاقة مجردة وقائمة الذات، يتعذر دونها القول بوجود حياة عقلانية. وفي أحسن الأحوال، نجدها تجنح إلى نحت صورته وفق ما هو متعارف عليه في الثقافة الغربية. والحال أن العقل المعرفي والمجتمعي، غير قابل لأن يؤطر في بنية ثابتة نهائية ومطلقة. وكل مقاربة «تنويرية «تشتغل في هذا المنحى، تلتقي ضمنيا بالرؤية الميتافيزيقية والغيبية. علما بأن هذه الأخيرة، جد مبررة مقارنة بالرؤية التنويرية، التي يفترض فيها أن تُقارِب مفهوم العقل ضمن الخصوصية التاريخية للحالات المعنية، إلى جانب الخصوصية المجتمعية والثقافية، لأن الترسيمة التقنية والعقلانية التي يتم فيها تصنيع جهاز أو آلة ما، لا تكون بالضرورة صالحة لفهم وتحليل خصوصية حضارية محددة بمكانها وزمانها.
نخلص من ذلك، إلى القول بأن المنهجية الممكنة لمقاربة المقولات التي أدلى بها الفلاسفة المسلمون حول العقل، كابن حزم والفارابي وابن سينا، هي التي تنطلق من اعتبارها مقولات مرحلية، تنسجم عمليا مع تملك أصحابها لمقومات معرفية، كانت مؤهلة لتجاوز تلك التي كانت متداولة في زمانهم، وليس بوصفها مقولات مطلقة، معدة للتكريس الأبدي.
وفي اعتقادنا أن تبني هذه المنهجية، سيؤدي حتما إلى نتائج نظرية من شأنها العصف بكثير من «المشاريع التنويرية» المعروفة بتبجحها في الساحة العربية، وهو ما يدعونا للتأكيد على أن المنهجية التنويرية، بالمفهوم النظري والممارساتي للكلمة، تستمد دلالتها من عمق وقوة تفاعلها مع المعطيات التاريخية، وليس من ترجمتها الحرفية عن ثقافات وحضارات شعوب أخرى. ونستحضر في هذا الإطار، حرص فئة من هؤلاء، على تفنيد الكثير من مقولات الفكر العربي الإسلامي القديم، «الذي كان حينها مضادا للتوجهات الرسمية والسائدة» عبر تقمص كاريكاتيري لمنهجية الحجاج والبرهنة، التي اشتهرت بها رموزه، وأمست سمة راسخة وثابتة من سمات خطاباتها. من ذلك اعتماد منطق التنويع الأسلوبي في بسط الفكرة الواحدة، والانتشاء بإسقاط أصحابها في شرك التناقض، بالعمل على تطويق مفاهيمهم المركزية، بما يكفي من الدوامات الاستفسارية والمقارناتية، التي من شأنها تسريب حالة التشكيك في ما يقترحونه من أنساق ومقولات. وذلك من منطلق استغلال الطبيعة الملتبسة، والغامضة أحيانا، الملازمة لجوهر القضايا المطروحة للنقاش، على غرار الوحي، والنبوة، والحلول، والخلق، وغيرها من المفاهيم التي لن تستنفد دلالاتها مهما تعددت مستويات تناولها، واختلفت وجهات النظر إليها. والأدهى من ذلك، التخلص من الأسئلة المحرجة التي يطرحها الإشكال، باستعمال منطق التعميم، الذي تنغلق بموجبه أبواب الشك.. ما يحول دون تجديد طرح السؤال.
كل ذلك، في أفق ضمان حيز ملائم للإقناع، الذي لا يفضي لأي مردودية مقنعة. ما يساهم في مضاعفة سلطة تلك الطاقة الغامضة، التي يمتلكها الخطاب السلفي، كأصل ثابت من أصول التراث القديم أو المتأخر.. علما بأن وصفنا لها بالطاقة الغامضة، يندرج في سياق قدرتها على استقطاب نقاشات صاخبة، متفرعة، ومتنوعة، تسهر على إدارتها مختلف المنابر، تنويرية كانت أم أصولية. وهذا الجانب وحده قابل لأن يكون موضوع مقاربات قائمة الذات.

المصدر: القدس العربي