لم يعبأ أحمد منير عسراوي (33 عاما) ابن بلدة علار شمال مدينة طولكرم بالتحذيرات التي وصلته عبر غروب «الواتس اب» الذي يشترك فيه ويحمل اسم «غروب الفتحات» ويقدم توضيحا حول حال «الفتحات» التي يدخل منها يوميا صوب مكان عمله في مناطق الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948.
فالشاب عسراوي لديه التزامات مالية كبيرة، وعليه أن يعمل يوميا ليوفر قوت عياله.
قبل الفجر استيقظ وتجهز وبعد أن أعدت له زوجته طعامه (زوادته) ودعها وذهب باتجاه فتحة زيتا القريبة من البلدة زيتا التي تبعد 10 كيلومترات عن مدينة طولكرم، واعتاد الدخول عبرها إلى مكان عمله. وبمجرد أن وصلها عسراوي هجم جنود الاحتلال عليه بطريقة وحشية.
تقرير الإسعاف الذي نقله من مكان «الاعتداء الوحشي» إلى مستشفى الهلال الأحمر في مدينة طولكرم يثبت أنه تعرض لكسور ورضوض كثيرة بفعل اعتداء الجنود عليه.
ومفهوم «الفتحة/ الفتحات» يشير إلى ثغرات يحدثها عمال فلسطينيون في جدار الفصل العنصري الشائك الذي بناه الاحتلال عام 2002 في ظل انتفاضة الأقصى، وفي عام 2006 وصل طوله الى 402 كيلومتر لمنع دخول فلسطينيي الضفة الغربية إلى مناطق فلسطين 48.
ويحدث العمال هذه الفتحات في المقاطع التي بنيت باستخدام الأسلاك الشائكة التي تمر بمسار متعرج يحيط بمعظم أراضي الضفة الغربية ومعظمه من الإسمنت المسلح.
ولا يعرف على وجه الدقة عدد الفتحات لكون أعدادها معرضة للزيادة والنقصان حسب الجهود الفلسطينية والإجراءات الاحتلالية، لكن الأرقام تشير إلى أنها في محافظتي طولكرم وجنين فقط تزيد عن العشرة فتحات، في هذه الفترة، وهي التي كانت هدفا مباشرا لإجراءات الاحتلال الإسرائيلي على خلفية هرب السجناء الستة من سجن «جلبوع» قبل ما يقرب الأسبوع.
وبعد اعتقال قوات الاحتلال لأربعة في منطقة قريبة من مدينة أم الفحم والناصرة في فلسطين 48 عملت الجهود الاحتلالية على إغلاق كل الفتحات في جنين وطولكرم من أجل تضييق الخناق على الأسيرين الآخرين حيث تكثف قوات الاحتلال جهودها لمنعهم من دخول الضفة الغربية.
وغالبا ما يتحكم الاحتلال بهذه «الفتحات» ويجعلها أساسا لخدمته أمنيا؛ فهو يخضعها لعملية مراقبة ومتابعة دائمة ويعرف أماكن وجودها.
وحسب شهود عيان فإن قوات الاحتلال قامت الجمعة والسبت وحتى صباح الأحد بإغلاق جميع فتحات جدار الفصل العنصري في شمال الضفة، بينما شوهدت حافلات إسرائيلية تنقل تعزيزات من الجيش للمناطق الحدودية، ووفق رواية عمال فلسطينيين فإن قوات الاحتلال نصبت خيام مراقبة ثابته ومموهة في العديد من مواقع الجدار المطلة على القرى الحدودية مع جنين كما قامت بإغلاق الفتحات في مناطق عانين وسالم والطيبة غرب جنين، وطورة وأم دار وظهر العبد جنوب غرب جنين، وفقوعة وجلبون والجلمة للشرق والغرب من المدينة.
وتستهدف تلك الإجراءات التي ظاهرها البحث عن الأسيرين الفارين لكنها تؤثر بشدة على أكثر من 15 ألف عامل يدخلون يوميا إلى مناطق فلسطين 48 بهدف العمل من أجل لقمة العيش بطريقة غير قانونية حسب المفهوم الإسرائيلي.
كل الفتحات مغلقة
عدنان العاصي، أمين سر الاتحاد العام لعمال فلسطين فرع طولكرم قال في تصريحات لـ«القدس العربي»: «نستطيع القول اليوم أن كل الفتحات مغلقة، وهذا يعني أنه لا يمكن لأي عامل فلسطيني الدخول أو الخروج».
وحسب العاصي فإن العمال الذين يعملون في الداخل يقسمون إلى فئتين، الأولى: تضم من يعمل بطريقة منظمة وبعقود وهؤلاء يستخدمون غالبا الحواجز الرئيسية، والفئة الثانية: تضم عمالا غير شرعيين، ويستخدمون «الفتحات» التي تشكل خطرا على حياتهم مثلما تمنحهم فرصة للبحث عن مصدر رزقهم.
ويضيف: «المرور من الفتحات رحلة يومية محفوفة المخاطر، حيث يتعرض العمال لكل أشكال المطاردة والملاحقة وإطلاق النار والغاز والسقوط أيضا أثناء الملاحقة، يوميا يصاب عمالنا بفعل سياسات الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يريد أن يمنحهم أي إحساس بالراحة والأمان».
في الظرف الطبيعي، كما يقول العاصي، «يحمل العامل دمه على كفه في مشوار بحثه عن لقمة عيشه، والاحتلال يدير هذا الأمر بطريقة تتلاءم مع سياساته، فمرة يترك الفتحات وأحيانا يغلق بعضها، لكن كان دوما ما يترك بعض الفتحات كمتنفس للعمال، وهذه المرة يحكم قبضته عليها جميعا ويترك جنوده للمراقبة وللاعتداء على العمال».
منع اختلاطهم بالعمال
ووفق مراقبين فإن منع العمال من الاقتراب من الفتحات هدفه عدم التمويه على الأسيرين الفارين، وحتى لا يختلط على الجنود أثناء الملاحقة بين العمال والأسيرين، بحيث لا يمنحوا فرصة للاختلاط والاندماج مع العمال في حال قرروا الدخول لمناطق الضفة الغربية.
وحسب عبد الحكيم شيباني، من الاتحاد العام لعمال فلسطين فرع جنين فإن التقديرات تقول إنه «ما بين 10 ـ 15 ألف عامل يستخدمون الفتحات بشكل يومي، وهذا يعني أن أكثر من 10 آلاف أسرة تتضرر حياتها ومصدر رزقها مع عملية الإغلاق التي نعيشها اليوم».
شيباني، الذي كان في الصباح الباكر يراقب أمور العمال على حاجز الجلمة شمال جنين، أكد لـ«القدس العربي» أن هناك أزمة خانقة على الحواجز الإسرائيلية (المعابر) لأن جانبا كبيرا من العمال الذين يمتلكون تصاريح دخول ولم يكونوا يستخدمون المعابر عادوا لاستخدامها في ضوء إغلاق الفتحات نهائيا.
ويضيف: «الاحتلال لا يفتح كل مسارات المعبر، حيث يفتح مسارين ويغلق مسارين من أجل تعميق مظاهر الازدحام والاختناق، وهو ما يعرض العمال لإصابات كثيرة مع كثرة أعدادهم».
اكتظاظ على الحواجز
جانب آخر يتحدث عنه شيباني وهو أن الجنود لم يسمحوا أمس لأي عامل بالدخول ما لم يكن مطعما ويمتلك فحصا ساريا بأنه غير مصاب بفيروس كورونا، وهو ما حرم العمال من الذهاب لأماكن عملهم.
وحسب شهود عيان فإن حافلات إسرائيلية وصلت لمناطق يعبد غرب مدينة جنين، وهي المنطقة التي تتواجد فيها مستوطنات ومعسكرات للاحتلال، وشوهدت تنقل أعدادا كبيرة من الجنود الذين انتشروا في منطقة مستوطنة «مابودوثان» بالإضافة إلى أن مصورين تمكنوا من التقاط صور لجنود وقصاصين من وحدة «قص الأثر» التي تتبع الجيش الإسرائيلي تمارس نشاطا في «منطقة يعبد».
وتستمر عمليات التمشيط على امتداد المنطقة الحدودية غرب وجنوب غرب جنين ضمن الحملات الإسرائيلية المستمرة للبحث عن الأسيرين المتبقين من الأسرى الستة الذين انتزعوا حريتهم من سجن «جلبوع».
ويستمر الجيش الإسرائيلي عبر مئات الجنود بنشاط أمني على طول جدار الفصل العنصري من الجلمة إلى جلبون، ومن الجهة الأخرى على طول الجدار بمحاذاة مرج بن عامر، حيث يقومون بأعمال تمشيط واسعة ويمنعون أي تحركات من خلال فتحات الجدار.
وتشير الأرقام إلى أن أكثر من 180 ألف عامل فلسطيني يعملون في الداخل الفلسطيني المحتل على شكل عمال نظاميين وغير شرعيين، أما «عمال الفتحات» فيقدر عددهم بأكثر من 60 ألفا في عموم مناطق الضفة الغربية.
المصدر: القدس العربي
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=128134
