مجزرة صبرا وشاتيلا مستمرة..ولكن “بشكل مختلف”

الألم والوجع حكاية لا تفارق أزقة مخيمي صبرا وشاتيلا الملاصقين لبعضهما، واللذان يقعان غربي العاصمة اللبنانية بيروت.

المجزرة التي وقعت في 16 أيلول/سبتمبر 1982 واستمرت 3 أيام، وراح ضحيتها ما بين 4000 و4500 شخص، جلّهم من الفلسطينيين واللبنانيين، إضافة إلى 12 جنسية أخرى؛ لا تزال تفاصيلها اليوم تكتب بمعان وصور أخرى، ومرتكبوها أسماء وشخصيات أخرى، إلا أن العامل المشترك، هو أن الألم والوجع مستمر، وأن المجرم لم يفرِّق في الضحايا كذلك، فكلاهما – اللبناني والفلسطيني – يعانيان كما عانيا إبّان المجزرة.

هنا كانت الصدمة

يقطن مخيمي صبرا وشاتيلا، اليوم، ما يقارب من 12 ألف شخص (وهو إحصاء غير رسمي)، بين عائلات فلسطينية ولبنانية وسورية وأجنبية أخرى، يربطهم الفقر والجوع الذي يعمّ المخيم، فيما الفساد ينخره من كلّ جانب.

أبو علي، لاجئ فلسطيني من مخيم شاتيلا، عايش أجداده المجزرة، ينقل عنهم الفظاعة والخوف اللذين عانيا منهما إبّان المجزرة، “فمن استطاع الفرار من المخيم قد فرّ قبل حصاره، إلا أنه وبعد فكّ الحصار والعودة، هنا كانت الصدمة، لم يبقَ حبيب أو قريب، حتى الصغار تمّ قتلهم، نحرت أعناقهم جميعًا”.

ويضيف أبو علي، الذي حاورته “قدس برس”: “الوضع اليوم شبيه بالماضي كثيرًا، فنحن كأننا نعيش أجواء حرب وحصار، ولكن ليس محصورًا بمخيم، بل على مستوى لبنان، فالضائقة الاقتصادية تقتل اللاجئين، خاصة أن الشريحة الأكبر منهم فقراء، فيما وضع المخيم المعيشي والإنساني سيئ للغاية”.

“المذبحة” مستمرة

بدوره؛ قال مدير الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين، علي هويدي، إن “الجرح ذاك لم يندمل بعد، حتى يتمّ سوق المجرمين الذين ارتكبوا المذبحة إلى العدالة الدولية وإنزال أشد العقوبات بحقهم”.

وأضاف هويدي لـ”قدس برس”: “لا يزال هنالك 448 من الضحايا مفقودين، هؤلاء لم يتم الكشف عن مصيرهم حتى اللحظة، ولا نعرف إذا ما كانوا قد استشهدوا أو لا يزالون على قيد الحياة، لذلك فإن مطلب كشف مصير المفقودين هو مطلب أساسي، لردّ الاعتبار لأهالي الضحايا الذين ما زال البعض منهم على قيد الحياة”.

وأوضح أن “جيش الاحتلال الإسرائيلي كان يأخذ من مكان قريب من منطقة السفارة الكويتية؛ نقطة عسكرية له، وذلك لكون المنطقة تلة مطلة على المخيمين، مما يشير إلى أن الاحتلال قد عمد إلى توثيق ما جرى، لذلك عليه الكشف عن وثائقه وعن مصير المفقودين”.

وأشار هويدي إلى أن “المذبحة لا تزال مستمرة بحقّ اللاجئين الفلسطينيين، وإنّما بشكل مختلف، فعندما يعاني الفلسطيني من حرمانه من حقوقه الاقتصادية والاجتماعية، ولا يستطيع العيش كإنسان في البلد المضيف، هو نوع من أنواع الظلم والمذبحة بحق الشعب الفلسطيني. وعندما يحرم الشعب من العودة إلى أرضه، تعتبر أيضًا مذبحة أخرى تتحمل مسؤوليتها الأمم المتحدة”.

الحقوق لا تسقط بالتقادم

من جهته؛ مدير منظمة ثابت لحق العودة، سامي حمود، أكد أن “المجزرة يستحيل أن تسقط بالتقادم، وستبقى مطالبات الفلسطينيين بمحاكمة القتلة، من قادة وجنود الاحتلال الصهيوني والمليشيات اللبنانية التي عاونتهم في ارتكاب المجزرة، ولا يمكن الإفلات من العقاب مهما طال الزمن”.

وقال حمود في حديثه إلى “قدس برس”، إنّه “من واجب الدولة اللبنانية والسلطة الفلسطينية وأهالي الضحايا؛ العمل على إعادة تفعيل ملف الدعاوى ضد مرتكبي المجزرة، والمطالبة بمقاضاتهم أمام المحاكم الدولية، والقصاص منهم”.

وتابع: “المجزرة لا يمكن أن تُمحى من الذاكرة حتى إعادة الحق لأصحابه، واليوم وأمام المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في المخيمات، الدولة اللبنانية مطالبة بإقرار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين، بهدف تعزيز صمودهم والعيش بكرامة لحين العودة”.

وأصدرت مؤسسة شاهد لحقوق الإنسان، بيانا في ذكرى المجزرة، قالت فيه إنه “على الرغم من أن هذه الجريمة التي ارتكبت ترقى إلى جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، ونفذت على نطاق واسع ويفوق الخيال الإنساني بفظاعتها، إلا أنّ أحدًا من المتورطين في جريمة صبرا وشاتيلا لم يقدم إلى العدالة”.

وأضاف البيان الذي تلقته “قدس برس” أنه “على الرغم من أن الأمم المتحدة كانت مطلعة بشكل كبير بمهمة حماية المدنيين الفلسطينيين بعد خروج المقاتلين الفلسطينيين خارج لبنان، إلا أن الجرائم ارتكبت دون خوف أو تردد من قبل المتورطين”.

ولفتت “شاهد” إلى أن “الملاحقات القانونية في مجزرة صبرا وشاتيلا لم تصل إلى شيء، وخصوصاً بعد إقفال القانون البلجيكي الباب أمام الدعوى الوحيدة التي رفعت في هذه القضية أمام القضاء هناك في أيلول/ سبتمبر 2001، ما أثار في حينها ضجة سياسية وأزمة دبلوماسية بين إسرائيل وبلجيكا، فعمدت الأخيرة إلى تعديل قانون الصلاحية الكونية لجرائم الإبادة، الذي سمح بمقاضاة المتورطين في جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية في بلجيكا بغض النظر عن وجودهم فيها أو جنسياتهم”.

المصدر: قدس برس