على أعتاب الشهر الفضيل..المطلوب والمأمول لمواجهة الأزمات الإنسانية

بقلم: الدكتور عصام يوسف – رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم فلسطين      

لعل مقولة “اتسع الخرق على الراقع” تصلح لوصف حجم التفاوت بين الاحتياج الناجم عن استفحال الواقع الإنساني المتردي اليوم أمام مقدار الدافعية والمبادرة على مستوى القرار الدولي في لجم تداعيات الكوارث الإنسانية المتعددة والمتواصلة، بمختلف أشكالها ومسبباتها.  

يستدعي الحديث حول هذا الموضوع استشعار القلوب والعقول اقتراب شهر رمضان، شهر الخيرات، تلك المناسبة التي تؤكد على معالجة الإسلام لأي شكل من أشكال التفاوت الطبقي المفرط الذي يصل حد انتاج فئة أو طبقة جائعة في المجتمع، وبأن ليس لهذا الخلل اللاإنساني واللاأخلاقي أن يحدث في المجتمع الإسلامي المتكافل، سيما وأن الدين الإسلامي يقوم من خلال مبادئه الأولى بخلق التوازن الروحي عند المسلم، حيث يؤمن منذ البواكير بتعاليم دين يفيض سماحة لدرجة أنه يستنكر ويستهجن، بل وينفي عن المؤمن صفة الإيمان إذا ما نام شبعان وجاره جائع، فضلاً عن جعله من إطعام الطعام وسيلة المسلم وخارطة طريق عليه تتبّع احداثياتها بالعمل الحقيقي من أجل خير الآخرين، لتحقيق الغاية الأسمى المتمثلة في دخول الجنة. 

وفي هذه السياقات، يؤدي الأفراد والمؤسسات على حد سواء أدوارهم المهمة والأساسية في تكوين شكل المجتمع المتكافل الذي يخلو من الجوع والفاقة، والاجتهاد بشتى الطرق للوصول إلى المحتاج أينما كان، والأخذ بيده حتى بلوغ بر الأمان، ووضعه على طريق كفايته، واستغنائه عن سؤال الآخرين، بغية حفظ كرامته، وهو ما يرسم ملامح المجتمع الإسلامي المنيع والقوي، من خلال تماسك وترابط أبنائه، كالبنيان المرصوص. 

ويقع على المنظمات الإنسانية عبء إخلاصها بواجب القيام بالدور المناط بها، والتي أُسست لأجله، حيث تجسّد من خلال ذلك حيوية العمل الإنساني الذي لا يمكن أن يخبو أو تنطفئ شعلته، فبتلاشيه تكون الشمعة الأخيرة التي تضيء للبشرية السوية دربها قد انطفأت، لذا فمؤسسات العمل الإنساني والخيري، ليس لها أن تستسلم أمام ضعف إمكانياتها ومواردها المالية، نتيجة تراخي وإحجام الداعمين، فغيابها بلا شك هو غياب لبقعة الضوء الأخيرة في حياة البشر.  

وإذا ما نظرنا إلى واقعنا نظرة موضوعية، فإن المؤسسات الإنسانية الدولية والمحلية، على حد سواء، تقف اليوم أمام تحديات كبيرة، فرضتها رقعة الفقر والجوع والمرض والتشرد، الآخذة في الاتساع بسبب عوامل عدة، أبرزها استمرار جائحة “كورونا” في فرض وقائع جديدة على الأرض، تتلخص في صور البؤس والهلع الذي ضرب أطنابه في كل مكان، حيث أزهقت الجائحة ما أزهقته من أرواح، وتركت أسراً بلا معيل، وأوصلت مئات الآلاف من الأسر إلى حدود الفاقة والعوز، بعدما رفعت من حجم البطالة إلى مستويات غير مسبوقة عالمياً.  

تحديات أخرى تتمثل في الحروب، وأوضاع عدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي التي تعيشها العديد من البلدان، حيث تبتلى منطقتنا العربية بالنصيب الأكبر منها، يضاف إلى ذلك الكوارث الطبيعية كالزلازل، وأخرى تتزايد نسبها كالأعاصير والفيضانات، والجفاف..وغيرها، بتزايد معدلات الاحتباس الحراري عاماً بعد آخر.  

ولربما تحوز منطقتنا العربية، والعديد من الدول الإسلامية على بعض الخصوصية في هذا الإطار، من ناحية جمعها للتحديات سالفة الذكر كافة، واكتواء العديد منها بنيران الحروب وعدم الاستقرار، وتداعيات جائحة كورونا، إلى جانب تأثيرات التغير المناخي، لتضع هذه الظروف ملايين الأسر في مهب الريح، تواجه مصيرها، بالجوع والفقر والتشرد، والبحث عن مناطق آمنة يهربون إليها كلاجئين، حيث كان لكثير من قرارات الفرار ذاته كلفته الباهظة، ويتجلى ذلك في ركوب البحر الذي ابتلع أجساد الآلاف منهم، في سعيهم للوصول إلى الضفة الأخرى بحثاً عن الأمان المفترض. 

تلك الأهوال بمجمل ما خلفته وتخلفه من صدع داخلي لدى المنكوبين، وانكسار وألم داخل نفوس أبناء الأمتين العربية والإسلامية، لما وصلت إليه حال أشقائهم هنا وهناك، سيما وأن مشاهد المعاناة لا تفارق أذهانهم، وهم يستحضرون هذه العذابات، بينما يطوي الزمن الأيام بتسارع، لتحين لحظة استقبال الضيف العزيز على الأنفس، شهر رمضان، شهر الثواب المضاعف المقرون بأعمال البِر والإحسان، والذي ترنو إليه روح المسلم كل عام، وتنتظره لتقدم ما تجود به النفس من خير وعطاء، أملاً في نيل ثوابه وجزائه من الخالق تبارك وتعالى. 

ولشهر الخير فضائل لا تحصى، تلخص بحد ذاتها وصفة علاج لكل مجتمع يعاني سقم اختلال العدالة الإجتماعية، والتوزيع غير العادل للثروات والمقدرات المادية، فشهر رمضان يفتح باب الأجر المضاعف لكل أشكال البذل والعطاء، كالصدقة والزكاة على سبيل المثال، ليصب ذلك في نهر التراحم والتعاون والتكافل، المتدفق بزخمه الأكبر والمبارك في الشهر الفضيل. 

ويفصّل سبحانه وتعالى، في محكم تنزيله، أشكال ومعالم وقنوات ومجالات أعمال البر والخير والإحسان، إضافة لمستحقي العمل الخيري، ويبدو ذلك في الآية الكريمة واضحاً بما لا يحتمل اللبس، حيث يقول البارئ جل وعلا: “لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ” (البقرة177)، كما يدعو في مواضع أخرى إلى المسارعة لعمل الخير والإحسان، وعدم تأخيره، في حث واضح تضمنته الأية الكريمة: “أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ”(المؤمنون61). 

ولا بد لعطاءات المسلمين أن تعرف طريقها، خاصةً وأن أشكال البؤس والمعاناة ليست بخافية على أحد، ويمكن تناول بعضها في سياق سطورنا هذه، فالأراضي الفلسطينية المحتلة ما يزال شعبها يعيش محنة الاحتلال، بكل ما يجره من مآسٍ إنسانية تزداد تفاقماً مع طول أمد هذا الاحتلال، فقطاع غزة ما يزال يعيش مأساة الحصار التي تضاعف من معاناة أبنائه، يضاف إلى ذلك الحروب والاعتداءات العسكرية المتكررة التي يشنها الاحتلال، وشملت بدمارها كل شيء من بشر وشجر وحجر.  

مؤشرات الأرقام التي تحصي معاناة الغزيين ما زالت في تصاعد، حيث تشير إلى وصول الفقر والبطالة في غزة لمعدلات غير مسبوقة نتيجة الحصار الصهيوني الجائر، والحروب المتكررة، بحسب المؤشرات العالمية، حيث تفيد إحصائيات صادرة عن منظمات حقوقية، بأن هناك ما يزيد عن 85% من سكان القطاع يعيشون تحت خط الفقر، كما أن معدلات البطالة وصلت إلى نحو 65%،  فيما وصلت نسبة انعدام الأمن الغذائي إلى نحو 71%، في وقت تزيد فيه جائحة “كورونا” من الأوضاع الإنسانية تعقيداً.   

ولا تقف عملية إحصاء معطيات ما خلفته المأساة الإنسانية عند هذا الحد، فالقطاع الصحي، وهو الأكثر تضرراً وتأثراً بالحصار، وبالتالي الأكثر تأثيراً على تردي الوضع الإنساني في غزة، تؤكد التقارير الصادرة عن مؤسساته بأن “ارتفاع نسبة العجز في الأدوية وصل إلى نحو 52% مع بداية عام 2020، مقارنة بما يقارب 16% فقط خلال عام 2005″، لتخلص هذه التقارير إلى أن القطاع الصحي بات “عاجزاً عن تقديم العلاج والرعاية الصحية للغالبية العظمى من السكان، في الوقت الذي تصل فيه فترات الانتظار للخضوع للعديد من العمليات الجراحية إلى نحو 16 شهرًا، مقارنة بثلاثة أشهر فقط عام 2005”.   

وتتنوع أشكال الصعوبات التي يواجهها القطاع الصحي في غزة، بما لا يمكن حصره في هذه السطور، إلا أنه يمكننا الإشارة بشكل سريع لمزيد من المعلومات المتعلقة بآخر تطورات حالة التدهور التي يعانيها القطاع الذي بلغت نسبة المياه غير الصالحة للشرب فيه إلى نحو 97%، بينما تسبب عدوان 2021 إلى تدمير العديد من مرافق المياه، والصرف الصحي، ما تسبب في انخفاض إمدادات المياه المحلية للسكان بنسبة 50%.  

وللضفة الغربية نصيبها من المعاناة الإنسانية بسبب الاحتلال، والتي اتخذت أشكالاً أخرى، حيث يعاني ما يزيد عن 2.5 مليون فلسطيني نتيجة عملية ممنهجة تمارسها سلطات الاحتلال من مصادرة الأرض وتكثيف للحواجز الإسرائيلية لتقييد حركة التنقل وعزل المدن الفلسطينية بالجدار العازل، والتضييق على السكان الفلسطينيين بهدف طردهم، وتشجيعهم على الهجرة خارج فلسطين.   

وتمارس دولة الاحتلال سياسات تهدف لإفقار الفلسطينيين في الضفة الغربية، كفصل القرى والمواطنين عن بعضهم البعض من خلال جدار الفصل العنصري، مما يعيق حركتهم وتجارتهم، كما أن نشره للآلاف من نقاط الحواجز العسكرية يعمل على عرقلة حركة المواطنين والإضرار بالعمال الفلسطينيين الذاهبين إلى أعمالهم بشكل يومي، إلى جانب تدهور الأوضاع الإنسانية للسكان، نتيجة عوامل عدة، منها ارتفاع تكلفة البناء بسبب رفع رسوم التراخيص التي قد تصل إلى 25 ألف دولار للمتر الواحد، وذلك بسبب سياسة الاحتلال الممنهجة الرامية لإخلاء القدس من الفلسطينيين.   

وفي مدينة القدس المحتلة تستمر دولة الاحتلال في مصادرة الأراضي، حيث صادرت خلال السنوات الماضية ما مساحته 35% من أراضي شرقي مدينة القدس لتطوير مستوطناتها في حين لم يخصص إلا 13% من أراضي شرقي مدينة القدس للبناء الفلسطيني، كما يستمر الاحتلال في انتهاك حق المقدسات وخاصة المسجد الأقصى، وذلك بتكرار عمليات اقتحامه من جانب قوات الاحتلال والمستوطنين، وتحديد أعمار المصلين، واستمرار الحفريات تحت المسجد الأقصى ومنع الترميمات والإصلاحات في المسجد الأقصى وما حوله.   

وتشهد عمليات هدم المنازل والمنشآت وتشريد السكان تصاعداً كبيراً، ففي عام 2019 “بلغ عدد المنشآت التي هدمها الاحتلال خلال العام المنصرم 279، منها 100 وحدة سكنية في حي وادي الحمص بالمدينة في أكبر عملية تشريد جماعي منذ احتلالها عام 1967، وطالت عملية التشريد 700 مواطن”، كما أن قضايا طرد المقدسيين من منازلهم، كحي الشيخ جراح وبطن الهوى، ما تزال تشهد تفاعلاً، حيث تمارس سلطات الاحتلال الإسرائيلي عمليات التضييق والانتهاك بحق الأسر المهددة بالطرد، والمقدر عددها بالمئات، وتستخدم سلطات الاحتلال سيف القضاء الذي تسلطه على رقاب المقدسيين بهدف تهجيرهم من منازلهم.   

وفي بقاع من الأرض ليست ببعيدة يعيش اللاجئون الفلسطينيون في مخيمات الشتات، أشكال المعاناة الخاصة بظروفهم وواقعهم المرير، وربما تستفحل هذه المعاناة، وتغرس أنيابها عميقاً في مخيمات اللجوء في لبنان، حيث تشهد منذ سنوات عدة أحوال اللاجئين المعيشية المتردية أصلاً تدهوراً سريعاً نتيجة الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تمر بها البلاد، لتطال تفاصيل الحياة اليومية للاجئ الفلسطيني منذ بدايات الانهيار المتدحرج في العام 2019.  

فقد كان تأثير الأزمة مضاعفاً على اللاجئين الفلسطينيين، إلى جانب أشقائهم من اللاجئين السوريين، بالمقارنة مع أشقائهم اللبنانيين، كونهم يعيشون حياةً “مؤجلة” منذ نكبتهم ولجوئهم إلى لبنان عام 1948، نتيجة السياسات المتبعة تجاههم حيث بدأت القوانين في تشريع بؤس اللاجئين الفلسطينيين منذ قانون منعهم من مزاولة 70 مهنة مع مطلع ثمانينات القرن الماضي، إلى جانب قوانين أخرى كتلك التي تحرم اللاجئ من حق التملك، وقانون منع إدخال مواد البناء للمخيمات، إلى جانب القوانين التي تقيد حركة اللاجئين الفلسطينيين وتنقلهم داخل الأراضي اللبنانية.  

ويمكن للأرقام أن تعطي صورة أكثر وضوحاً حول واقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الذي وصل اليوم حد الجوع مع استفحال الأزمة، في حين تشير أرقام ما قبل الأزمة إلى أن 66% من الفلسطينيين يعانون الفقر المدقع، ويُقصد بالفقر المدقع من يعيشون دون عتبة الفقر، أي بأقل من 1.25 دولار يومياَ، بينما 56% من اللاجئين الفلسطينيين عاطلون عن العمل، ويعاني 63% من سوء التغذية، إلى جانب تدهور قطاعات أخرى كالصحة حيث 95% من الفلسطينيين ليس لديهم تأمين صحي، فضلاً عن تردي أوضاع المساكن، ناهيك عن التعليم، حيث تشير التقارير إلى تعذر غالبية اللاجئين مواصلة تعليمهم الثانوي والجامعي بسبب الفقر.  

وفي سوريا يتقاسم اللاجئون الفلسطينيون مع أشقائهم السوريين صنوف المعاناة، حيث النزوح والتشرد بحثاً عن الأمان، في مخيمات لا تقي برد الشتاء القارس ولا حرارة الصيف اللاهبة، وهو ما يؤكده خوف اللاجئين عند سماعهم اخبار الطقس التي تشير لقدوم العواصف الثلجية مع كل فصل شتاء، سيما وأن هذه العواصف تترك في ذاكرتهم بعد رحيلها مشاهد خيمهم المتهدمة، والتي ناءت عن حمل الثلوج، أو غرقها مع كامل امتعتهم البسيطة، لتكون إيذانا برحلة تشريد ونزوح أخرى حتى تنقشع سحابة العاصفة التي تخلّف وراءها المأساة التي تبقى مرارتها عالقة في ذاكرة ووجدان اللاجئين.  

ويتراوح حجم حدة الأزمة الإنسانية للاجئين السوريين بحسب جغرافيا تواجدهم، وطريقة تعاطي حكومات الدول المستضيفة مع أوضاعهم، إضافة لمدى توفير المنظومة الدولية لموارد الاستجابة للخطط الإنسانية الخاصة بهم، سيما وأن أكثرُ من 4 ملايين لاجئ في شمالي غربي سوريا يعتمدون على المساعدات الغذائية المقدمة من منظمات الأمم المتحدة، وفي هذا الصدد تؤكد الأمم المتحدة حاجة نحو 70% من السكان في شمالي شرقي البلاد إلى مساعدات عاجلة، ناهيك عن مواجهة مئات آلاف اللاجئين السوريين في لبنان الفقر والجوع والتضييق، وأشكال أخرى من المعاناة يعيشها الملايين من اللاجئين السوريين في دول مستضيفة كالأردن وتركيا والعراق ومصر.  

ويشاطر اللاجئ الفلسطيني في العراق نظراءه اللاجئين المعاناة، حيث يعيش من تبقى منهم في البلاد ظروفاً معيشية قاسية، تعمقت أكثر وأكثر مع إصدار العديد من القوانين والإجراءات الجديدة للحكومة، كحرمانهم من البطاقة التموينية، إضافة لإحجام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن تقديم منحة “بدل إيجار مسكن” كانت قد أقرتها لهم، لانتشالهم من الخيام، ما دفع باللاجئين مؤخراً لتوجيه نداءات لإغاثتهم من الأزمات المتعددة التي يواجهونها في ظل الظروف الصعبة، وتعدد موجات جائحة كورونا، وكثرة المصابين بالفيروس، وإعادة المساعدات التي كانت تقدم لهم، لا تقليصها وتأخيرها عن الأيتام والأرامل وكبار السن.  

ولا تقل أزمات إنسانية أخرى شأناً عن ما أسلفناه، بل إنها تحفر في أعماق بؤس الفقراء والمشردين الذين ما فتئنا نسمع أنينهم ومناشداتهم بتقديم يد العون والمساعدة، فالأشقاء في اليمن يعيشون حالة معاناة متقدمة، تتمثل في وصول الملايين منهم حافة المجاعة، إضافة لتداعيات تفشي وباء كورونا، في حين تتحدث منظمات الأمم المتحدة عن عدم قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها تجاه خطة الاستجابة الإنسانية التي لم يتجاوز حجم التمويل الذي جمعته أكثر من 25% من المقرر لها قبيل انقضاء العام الماضي، نتيجة تراجع مساعدات المانحين.  

وفي أفغانستان أيضا، تتعمق بشكل متسارع أزمة البؤس والجوع، وذلك مع معاناة نصف سكان البلاد من صعوبة في تأمين الاحتياجات الأساسية من المواد الغذائية، بينما تشير تقارير عن معطيات مفزعة حول اضطرار معيلين لأسر عن بيع أعضائهم، وآخرين عن بيع بناتهم لتوفير كفاف يومهم من الخبز في بلد وصلت معدلات الفقر فيه إلى 97%، وسط تحذيرات من منظمات أممية من انهيار قطاعات حيوية في البلاد، وعلى رأسها القطاع الصحي، والتداعيات الكارثية المباشرة على حياة السكان نتيجة ذلك.  

وفي ركن ناءٍ من المعمورة، تستمر مضاعفات أزمة اللاجئين الروهنجيا في تدوين فصول أخرى من تاريخ المأساة الإنسانية المتواصلة، فحرب الإبادة الجماعية التي عانى جراءها شعب الروهنجيا في ميانمار، ثم الترحيل الجماعي لما يزيد عن 800 ألف من الروهنجيا إلى بنغلاديش خلال العامين 2016 و 2017، لم تشهد معها حدة الأزمة الإنسانية تراجعاً، في وقت تراجع فيه التناول الاعلامي لمأساة شعب مغلوب على أمره، فمئات الآلاف من اللاجئين ما يزالون يعانون شظف العيش، ويكافحون للحصول على أبسط متطلبات الحياة، وعلى رأسها المياه الصالحة للشرب في مخيمات اللجوء على الحدود البنغالية الميانمارية.  

لا تكفي سطورنا لسرد أشكال المعاناة للفقراء واللاجئين المنتشرين هنا وهناك، وإنما قد تكون محاولة منا لتسليط بصيص من ضوء على جوانب مختلفة لمعاناة متنوعة، وان كانت تتخذ شكلاً صارخاً لمآسٍ مستفحلة في تركها ألماً وصدعاً في النفس، واتخاذ عدد منها شكل المأساة المزمنة، التي طال أمدها، لسنوات وربما لعقود، في ظل غياب إرادة دولية لحلها، نتيجة اختلاف توازنات القوى المتحكمة في ضبط إيقاع السياسة الدولية.  

ويقتصر اهتمامنا في هذا المقام على لفت أنظار المنظمات والمؤسسات الإنسانية بضرورة وضع المزيد من الخطط الهادفة لتكثيف جهودها الإغاثية والتنموية أمام الأزمات الإنسانية، لفداحة تداعياتها على ملايين البشر، ومضاعفة عملها قدر المستطاع، والسعي بشتى الطرق لملء الفراغ الذي تتركه دول وحكومات سجلت تراجعاً عن أداء دورها الإنساني المنوط بها، لسبب أو لآخر، في زمن تتزايد فيه الحاجات مع تزايد الأزمات، وتفشي الأوبئة والأمراض.  

وفي صعيد آخر، ربما تكون كلماتنا هذه كتذكرة للمسلمين وهم يقفون على أعتاب شهر رمضان الفضيل، بإخوانهم المحتاجين للعون هنا وهناك، ولمساعدتهم في تحديد بوصلة عطائهم، لمستحقيها الأكثر احتياجاً، لعلنا نكون سبباً في محاولة استرشاد المسلم لتحديد قنوات عطائه واحسانه، تحقيقاً لوجهتها الشرعية الصحيحة، ولبلوغ أعظم الأثر الإنساني، في التخفيف عن المكلومين، وجبر الخواطر، يوازي ذلك تعظيم ومضاعفة الأجر والثواب الذي يبتغيه ويسعى إليه كل مسلم في الشهر الفضيل.