محاولة جديدة لفهم صراعات الأمة

بقلم: سعدون يخلف

يعدُّ كتاب «ثغور المرابطة: مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية» على ما أعتقد، أهم كتاب لمؤلف عربي صدر في السنوات الأخيرة (2018) عن مركز معابر ومنتدى المعارف؛ لما يتضمن من عمقٍ في الرؤية، ورصانةٍ في الطرح، بالإضافة إلى الجِدّةِ في المعالجة، وهو يستمدّ أهميته، في الواقع، من القضية التي عالجها أولا؛ ومن طريقة المعالجة ثانياً؛ إذ أضفى المؤلف على القضية التي تناولها بعداً عقدياً كدنا أن ننساه في غمرة حملات الدعاية، وتشويه الحقائق، والتزييف الذي طال التاريخ والجغرافيا، لولا مثل هذه المحاولات الخجولة، التي تحاول، في كل مرة، تصويب بوصلة الصراع من جديد، ساعيةً، في الوقت نفسه، إلى تذكير الأمة بأن الصراع مع الكيان الإسرائيلي الغاصب هو صراع وجود لا حدود، حتى إن حاول البعض تدثيره، في كل مرة، بعناوين مزيفة، أو إبعاده إلى زوايا هامشية، مضافاً إلى هذا اسم مؤلف الكتاب؛ وهو المفكر المغربي طه عبد الرحمن، صاحب المؤلفات الغزيرة والرؤى المتصالحة مع الذات والتاريخ والدين.
تناول طه عبد الرحمن في كتابه هذا العديد من قضايا السّاعة بالتحليل، مُضْفياً عليها التحليل الفلسفي العميق، والنقاش الفكري الجاد، بعيداً عن التناول السياسي والتاريخي، الذي تعودنا عليه في مثل هذه الأمور، ولعل أبرز هذه القضايا الطاغية على الساحة العربية والإسلامية اليوم: القضية الفلسطينية، وكل ما يرتبط بها، من المقاومة، وعملية المفاوضات، ومسار السلام والتطبيع، بالإضافة إلى ذلك التنافس السعودي الإيراني على النفوذ، الذي يراد منه، في نهاية المطاف، من يحوز قيادة الأمة، ومن خلال الكتاب يتبين أن هناك صراعاً على الأمة، يتمظهر أولا في صراعها مع أعدائها، حيث يتجلّى بصورة أساسية في الصراع مع الكيان الصهيوني الغاصب، وهناك، في المقابل، صراعٌ في داخل الأمة، يبرزه التنافس السعودي الإيراني على من يظفر بالقيادة والزعامة.

الصراع الخارجي

لقد أخرج طه عبد الرحمن، كما أشرنا من قبل، فلسطين من دائرة التناول اليومي، الذي أفاض فيه العديد من الكتاب والمفكرين؛ إذ اختزل في الصراع على الأرض، في محاولة، في الوقت نفسه، لإزاحة البعد العقدي أو القداسي عنه؛ هنا يحاول عبد الرحمن إعادة ذلك البعد بوصفه جوهر الصراع وأصله، مستعملا لغة فلسفية راقية وجميلة في التحليل والمناقشة، وموظفاً الأيديولوجية واللغة الصوفية عند تفسيره للمتن القرآني، كما فعل مع قصة الإسراء والمعراج، دون أن ينسى استحضار المصطلح الديني، لكي يذكر العرب والمسلمين، بأن فلسطين قضية مقدسة، الصراع فيها على المقدس، والقداسة مستمدة من تلك المعالم المقدسة؛ القدس، المسجد الأقصى، القبلة، وبما أنّها كذلك، فهي في التحليل الأخير، قضيتهم جميعاً.
يُعطي المؤلف المصطلح أهمية كبيرة؛ لأنه يعرف مدى تأثير المصطلحات في تشكيل العقل العربي والإسلامي وقولبته، أو بعبارة أخرى، احتلاله بأفكار مستوردة خدمة للإستراتيجية الغربية؛ لذلك فهو يعيد صياغة بعض المصطلحات بألفاظ دينية، لأجل تحرير العقل من تلك الأفكار، التي تؤذي الفطرة، ومن ثمّ، تؤذي القضية. في هذا السياق، يولي الكاتب أهمية كبيرة للإيذاء، الذي يتعرض له الفلسطيني من الإسرائيلي، وهو، أي الإيذاء، وفق رأيه يتخذ صورتين؛ الأولى: «إيذاء الإله: المتمثل في الإحلال أي احتلال الأرض» بمعنى أن الإسرائيلي، من هذه الوجهة، يسعى إلى منازعة الإله في صفة «المالك الحق» للأرض، أما الصورة الثانية: فتتمثل في «إيذاء الإنسان، وهي بمعنى الحلول أي احتلال الفطرة» والإيذاء، في نهاية المطاف، هو نتيجة فقدان الحياء في العالم، وعندما يُفقد الحياء، يصبح كل شيء جائزاً ومباحاً، لذلك يلخص طه هذه النتيجة بعبارة جامعة مانعة بالقول: «في هذا العالم الذي فقد خلق الحياء، بحيث بات كل قوي فيه يصنع ما يشاء، لا غرابة في أن يلقى الإنسان ألواناً شتى من الأذى».
يتوقف عبد الرحمن عند التطبيع، ويعتبره أخطر وأشنع من الاحتلال؛ لأنه في الواقع، يمس الفطرة ويقوم بإفسادها، بينما الاحتلال يضع يده على الأرض، ويسعى إلى امتلاكها، وإفساد الفطرة يسهل على المحتل تحقيق ما عجز عن تحقيقه بالسلاح، على هذا الأساس، فإن المطبع حسب رأيه هو: «ذات ضائعة ومضيعة، وتضييعها ذو وجهين: تضييع للقيم، وتضييع للأمم».
وفي النتيجة، يخلص الكتاب إلى أنّه لا سبيل إلى التخلّص من الاحتلال الإسرائيلي، وإنهاء هذا الإيذاء المسلط على الفلسطيني خصوصاً، والعربي عموماً، إلا إذا تحققت نهايتان: «نهاية دنس الأرض، ونهاية زيف الفطرة».

الصراع الداخلي

إن كان الصراع الخارجي للأمة يتمظهر أساساً في صراعها مع الكيان الصهيوني الغاصب للأرض، فإنّ الداخلي يتجلى بصورة أوضح في التصادم ما بين مشروعين رئيسيين: المشروع السعودي، الذي يتخذ من «الفكرانية الوهابية والثروة النفطية» وسائل لإنجاح مشروعه، في حين يستعمل المشروع الإيراني «الفكرانية الخمينية والثورة الإسلامية» لتصدير مشروعه وتثبيته. يعلق عبد الرحمن، من جانب آخر، على شراسة التنافس بين المشروعين، واشتداد أواره بينهما، مبيناً مآلاته من مفاسد ومساوئ بالقول: «لقد استبد الصراع على النفوذ في العالم العربي والإسلامي بنظامين للحكم متماثلين من وجوه ومتباينين من وجوه، وهما: النظام السعودي والنظام الإيراني؛ فمن يجرد النظر في المنطق الذي يحكم هذا الصراع، أشكالا وأطواراً، لا يسعه إلا أن يتصور إمكان حدوث ما كان يستبعد أن يحدث، بل لا يملك إلا أن يجيز وقوع ما كان يُحيل أن يقع، إذ بات فيه البعيد في حكم القريب، بل بات المحال في حكم الممكن» والمقصود بالمحال هنا هو «زوال الأمة» وذلك بسبب خروج الصراع من دائرة التدافع بالطرق المشروعة، إلى الاستعانة بكل ما هو ممنوع ومحظور، من بينها: محاربة الأخ، وموالاة العدو «حتى أضحى الأخ الواجبة أخوته عدواً ينبغي تدميره، وإن العدو الواجبة عداوته أضحى أخاً ينبغي تقريبه» ما أدى، والحال هذه، إلى إشاعة الفوضى وتدمير الدول والأوطان.
وفي معرض حديثه عن النظام الإماراتي، الذي تبنى استراتيجية مفضوحة في تطبيعه مع الكيان الصهيوني، بطريقة لم يسبقه إليها أحد؛ ارتماء في حضن إسرائيل، وتبني رؤيتها، وموالاة كاملة لها، في المقابل، دعاية مغرضة ضد الفلسطيني، وعدم مراعاة لحقوقه الطبيعية والمشروعة؛ إذ يراه، بأنه أسوأ من النظام الإيراني، من حيث اغترارهما بقدرتهما، ذلك أن اغترار النظام الإماراتي بقدرته منشأه تبنِّيه للسياسة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، منفذاً بعض مخططاتها، بينما اغترار النظام الإيراني بقدرته، فناشئ، في الأساس، من تبنِّيه للمركزية الشيعية في العقيدة والثورة. من ناحية أخرى، يرى أن اختلال وجهة النظام الإماراتي أسوأ من اختلال وجهة النظام السعودي، فمردُّ اختلال هذا الأخير راجعٌ إلى «وجود موالاته لأعدى أعداء الأمة» بينما اختلال وجهة النظام الإماراتي فيرجع إلى «تولّيه هذه الموالاة» حيث لا يقتصر دوره في الوساطة فقط، بل يتماهى مع النظام الإسرائيلي إلى حد يصعب التمييز بينهما، فينفذ سياسته ويسوّق لها، حتى يصل به الأمر إلى حمل الدول العربية والإسلامية الأخرى على الانضمام إلى الطريق الذي سار فيه، إما بالإغراء أو بالقوة. وعليه، فإن النظام الإماراتي لا يتوقف فساده في الوسائل فقط، بل يشمل حتى المقاصد، ذلك أن اغتراره بالقدرة أفضى إلى «انقلاب في الوسائل» في حين أدى اختلال الوجهة إلى «انقلاب في المقاصد».
بناء على ما سبق، نستطيع أن نستخلص أن كلا الصراعين، سواء أكان داخلياً أم خارجياً، يسعى إلى استنزاف قدرات الأمة، ونهب خيراتها، وبالتالي، إضعافها، لكي تفرط في رسالتها ومشروعها.

المصدر: القدس العربي