بقلم: الدكتور عصام يوسف – رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم فلسطين
تذهب سلطات الاحتلال من خلال سياساتها في الضفة الغربية بعيداً في إذلال الشعب الفلسطيني، وتقطيع أوصاله، من خلال ابتكار أبشع الأساليب والممارسات لزيادة معاناته، وإفقاده الأمل في فسحة ولو ضئيلة للعيش على أرضه بكرامة، وبما يضمن مستقبل أبنائه، وأمنهم واستقرارهم.
وتبرز الحواجز التي يصطنعها الاحتلال في الأحياء وفي المفاصل الحيوية للمدن الفلسطينية في الضفة كعنوان لأفظع أشكال الإذلال، سيما وقد أصبح مألوفاً لدى الأهالي رؤية مئات العمال الذين ينتظرون على الحواجز للعبور إلى مناطق عملهم، فيما يخضع ذلك لمزاجيات جنود الاحتلال، حيث لا قيمة لديهم لوصول العامل إلى مكان عمله في الوقت المناسب، أو حتى أن يصل إلى عمله في الأساس، ما دامت الغاية إشعار الفلسطيني بالدونية والخضوع لجبروت سلطة الاحتلال، وإعادة تشكيل الشخصية الفلسطينية في سياقات “التدجين”.
خلقت هذه الحالة ما يمكن أن يكون طقوساً أجبرت أبناء الضفة على ممارستها بشكل يومي، كالنوم في ساعة مبكرة من المساء، ما يجعل يومهم مقتضباً، والاستيقاظ قبل ساعات الفجر الأولى، بغية تحسين فرصهم في عبور الحواجز ومن ثم الوصول إلى أماكن عملهم، إلا أن ذلك لا يجنبهم صنوف المعاناة التي أدت إلى إصابة بعضهم بعوارض مرضية نتيجة الازدحام والاكتظاظ، من بينها الأزمات القلبية، وحالات الاختناق، وغيرها، حيث يتحمّل ابن الضفة ما يواجهه من معاناة واستفزازات الجنود من أجل إعالة أفراد أسرته، وتوفير لقمة العيش لهم.
وعلى امتداد الأرض الفلسطينية المتشظية نتيجة سياسات الاحتلال، يقوم الجدار العازل بعملية عزل الأحياء الفلسطينية عن بعضها البعض، وحصار الأسر وخنقها داخل تقسيمات جديدة، وفي مساحات أضيق، حيث يقوم الاحتلال من خلال هذا الجدار بتقسيم المقسم وتجزئة المجزء، من خلال جدار من الخرسانة يبلغ ارتفاعه 8 أمتار، ما يسد الآفاق أمام الفلسطيني في العيش والاستقرار والازدهار في وطن موحّد سياسياً وجغرافياً.
ولا يتوقف الأمر عند معاناة العاملين في الوصول إلى أعمالهم، بل ثمة تمزيق للنسيج الاجتماعي أرادته سياسة الاحتلال الماكرة في غاياتها من إنشاء الجدار، حيث يقوم هذا الحاجز الاسمنتي باختراق المجتمعات الفلسطينية، وعزلها عن بعضها البعض، وفصل الأخ عن أخيه، أو أبناء العمومة عن بعضهم البعض..وهكذا، كما يحول دون وصول المزارع لأرضه، ما يغّير من ديمغرافية المكان، واقتصاداته ليجعل كل شيء في نهاية الأمر خاضع للهيمنة الأمنية، وتحكّم سلطات الاحتلال بالبشر والشجر، وبكل حبة تراب من أرض الضفة الغربية.
قلقيلية، على سبيل المثال لا الحصر، إحدى المدن الفلسطينية التي حوّلها جدار الفصل العنصري إلى سجن كبير، بعدما منعت المزارعين من أبنائها من الوصول إلى أراضيهم لسنوات بعد تشييد الجدار، ولكن بعد أن خاض العديد منهم معارك قانونية، تمكنوا أخيراً من الحصول على تصاريح أمنية خاصة تتيح الوصول للأرض الزراعية في أوقات يحددها “السجّان”، وبحسب مزاجه، ما دفع بعضهم إلى تغيير نوع المحاصيل التي يزرعها، بحيث يتناسب ذلك مع طول فترة غيابه عن أرضه، وعدم تمكنه من الوصول إليها بشكل يومي، ومن الأمثلة على ذلك توقف بعضهم عن زراعة الخضروات التي تتطلب الوصول السريع للأسواق، وبوقت محدد، حيث لا يمكنها الانتظار طويلاً بسبب تلفها السريع.
وانطوى على حشر المدينة داخل جدار اسمنتي تعلوه الأسلاك الشائكة، سرقة أراضٍ وآبار مياه للري والشرب عُزلت خلف الجدار، حيث تقوم سلطات الاحتلال بسحب المياه لأغراض استيطانية، كما تعمدت أن يعزل الجدار آلاف الدونمات من الأراضي الأكثر خصوبة ليسهل مصادرتها، وقد تمخض عن ذلك تدمير المئات من المنشآت الحرفية والتجارية، إضافة للمنشآت الزراعية المرتبطة بالأراضي ومنتجاتها، ناهيك عن أشكال أخرى لمعاناة الأهالي ومنها أن الجدار حرمهم من التوسع العمراني نتيجة ضيق المساحة التي باتت متاحة لهم، حيث دفع ذلك سكان المدينة التي تتميز بكثافتها السكانية للبناء العامودي كحيلة للتكيف مع المشكلة.
وفي جوانب أخرى من معاناة أبناء الضفة، استشراء الاستيطان الذي يمتد سريعاً كالسرطان على الأرض الفلسطينية، ففضلاً عن تداعيات ذلك في إعادة تشكيل الواقع السياسي، وحرمان الفلسطينيين من إقامة دولتهم المستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967، فإن للاستيطان مآلات صنعت معها مآسٍ إنسانية، تمثلت بحرمان أصحاب الأراضي المصادرة من مصدر رزقهم، ومسكنهم.
وتشهد عملية الاستيلاء على الأراضي وإقامة المستوطنات من قبل الاحتلال في الضفة والقدس تسارعاً غير مسبوق في الفترة الأخيرة، حيث تقدمت سلطات الاحتلال باتجاه إقامة 22030 وحدة استيطانية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، خلال العام 2021، بحسب تقرير للاتحاد الأوروبي، بينما من الجدير الإشارة إلى أن هنالك 451 ألف مستوطن في 132 مستوطنة و 147 بؤرة استيطانية بالضفة الغربية، ولا تشمل هذه المعطيات 230 ألف مستوطن في القدس الشرقية.
وأمام هذا الواقع المرير، بات للمستوطنات هياكلها الإدارية، حيث تشكل ما يعرف بمجالس المستوطنات بالضفة، التي يديرها مستوطنون متطرفون يأخذون القانون بيدهم باسم دولة الاحتلال، ويشرعون عبر ذلك بالسيطرة على المزيد من الأراضي متى شاءوا، والاعتداء على أصحاب الأرض إذا ما قاموا بالاحتجاج ومواجهة مصادرة أراضيهم، بحماية من الجيش الإسرائيلي، حيث نسمع بشكل مستمر عن الاعتداء على المواطنين الفلسطينيين العزل من السلاح من قبل ميليشيات المستوطنين المسلحة، بطرق إجرامية مختلفة، وما تزال صورة الطفل أحمد الدوابشة الذي احترق معظم جسده، والناجي الوحيد من المجزرة التي أودت بحياة جميع أفراد أسرته حرقاً بأيدي المستوطنين، قبل سبع سنوات، ماثلة في ذاكرة أبناء الشعب الفلسطيني، وكل من تابع أخبار الطفل اليتيم والمشوه، إلى الأبد.
ولا يمر يوم دون أن تتناقل وسائل الإعلام أخبار عربدة واعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين العزل في الضفة الغربية، بعدما تحولت إلى كتائب وتشكيلات مسلحة، تعتدي على كل من تطاله يدهم، وتقوم بتخريب ما تصل إليه أيديهم من مزروعات وعربات ومنازل، وغيرها من ممتلكات الفلسطينيين، حيث يجري ذلك بدعم من الجنود الاسرائيليين، وبتواطؤ من المحاكم الاسرائيلية التي تبرئ المجرم، أو تحكمه بأحكام غير نافذة.
وتصل عربدة الاحتلال ومستوطنيه إلى حد مضايقة عمال الإغاثة، والعاملين في المجال الإنساني، وكذلك المدافعين عن حقوق الإنسان، وهذا ما دفع أربعة مقررين أممين من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مؤخراً، من إصدار بيان يطالبون من خلاله دولة الاحتلال بالتوقف عن التعرض لعمال الإغاثة والعاملين في المجال الإنساني والحقوقي، وتركهم يقومون بواجبهم تجاه “ما يقرب من 1200 فلسطيني من سكان مسافر يطا (قرب مدينة الخليل، جنوبي الضفة)، تُركوا لمصيرهم دون حماية أمام التهديد بالإخلاء القسري والتهجير التعسفي”.
وفي سياق المعاناة الإنسانية لأهالي الضفة الغربية، تتمحور الاعتقالات والتنكيل بالأسرى، والإعدامات الميدانية، كأحد ركائزها، سيما وأنها تشهد تصاعداً غير مسبوق في السنوات الأخيرة، ومثال على ذلك، تشير المعطيات إلى أن “حصيلة عمليات الاعتقال التي نفذّتها قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ مطلع آب (أغسطس) الحالي في الضّفة الغربية المحتلة، بلغت نحو 150 حالة، تركزت في الخليل وجنين”، بحسب نادي الأسير الفلسطيني.
ويوضح المصدر ذاته بأن “غالبية من استهدفهم الاحتلال خلال عمليات الاعتقال هم أسرى سابقون، منهم من أمضى سنوات في سجون الاحتلال، بين أحكام واعتقال إداريّ، ومنهم من خاض إضرابات عن الطعام سابقًا تحديدًا رفضًا لسياسة الاعتقال الإداريّ”.
يأتي ذلك في وقت يقبع فيه آلاف الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال، أكثر من 540 منهم محكومون بأحكام السجن المؤبد، ومنهم من هو محكوم بعدة مؤبدات، ولمزيد من المعطيات فإن الاحصاءات الحكومية الفلسطينية تشير إلى أن “عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال بلغ حتى نهاية شهر كانون الأول 2021 نحو (4600) أسير، منهم (34) أسيرة بينهم فتاة قاصر، بينما بلغ عدد المعتقلين الأطفال والقاصرين في سجون الاحتلال نحو (160) طفلاً، وعدد المعتقلين الإداريين نحو (500) معتقل، ووصل عدد الأسرى المرضى إلى نحو (600) أسير، من بينهم (4) أسرى مصابون بالسرطان، و(14) أسيرا على الأقل مصابون بأورام بدرجات متفاوتة”.
ولا يميّز جنود الاحتلال في ماهية من تستقر في أجسادهم رصاصات بنادقهم، وإن اختلفت الذرائع في ارتكاب الجريمة، التي يغلب عليها رواية “محاولة الضحية طعن جندي أو شرطي أو مستوطن”، إلا أن تلك الرواية كانت عاجزة عن الاقتران بالحجج والقرائن المنطقية والقانونية، فالعديد من الاغتيالات وثقتها كاميرات مصورين صحفيين، أو كاميرات شخصية، وكاميرات مواقع، حيث لم تفلح رواية المؤسسة الأمنية الاسرائيلية في اقناع الرأي العام بجرائم اعدام ميداني تم ارتكابها بحق الأبرياء، كجريمة اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة التي ارتكبها جيش الاحتلال في مايو الماضي أثناء تغطيتها لأحداث في مخيم جنين، وكذلك الصحفية غفران وراسنة، التي استشهدت عند مدخل مخيم العروب للاجئين (شمالي الخليل بالضفة الغربية)، وهي في طريقها إلى عملها في إحدى المحطات الإعلامية.
يتشاطر الشعب الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة المعاناة، وإن اختلفت أشكالها وصنوفها في الضفة الغربية، عن قطاع غزة، وربما عن مدينة القدس، إلا أنها تتقارب أو تتطابق في كثير من الجوانب، سيما من ناحية انعكاساتها على الواقع الإنساني، وتردي الوضع المعيشي كمحصلة لتلك المعاناة، وتركها أثاراً تدميرية، عميقة ومزمنة، على المجتمع والاقتصاد الفلسطينيين، تحتاج لبرامج إغاثية وتنموية طويلة المدى لمعالجة بعض جوانبها، حيث تتعذر الحلول الجذرية والشاملة مع استمرار الاحتلال.
فقد عمل الاحتلال على ممارسة سياسة التجويع من جهة، ويعد الحصار على قطاع غزة مثالاً على ذلك، ومن جهة أخرى إبقاء الفلسطينيين تحت هيمنته في مختلف مناطق تواجدهم على الأرض الفلسطينية، على مدى عقود من احتلاله للأرض، ففي الضفة الغربية اتبع سياسة ربط الاقتصاد الفلسطيني باقتصاده، على الرغم من تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية ككيان إداري سياسي انتقالي، يدير الشؤون الإدارية والمالية لحين إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، حيث جرّت عملية ربط الاقتصاد الويلات على الفلسطينيين، تمثلت بالهيمنة والتحكم بمفاصل الاقتصاد الفلسطيني ومؤسساته.
وقد سعت الحكومات الفلسطينية إلى الخلاص من هيمنة الاحتلال على الاقتصاد الفلسطيني، دون جدوى، وربما كانت محاولاتها إلغاء التعامل بعملة “الشيكل” الإسرائيلي والاتجاه نحو إصدار عملة رقمية مشفرة، بهدف تجاوز العراقيل الإسرائيلية، وحتى لا تخضع للابتزاز والمماطلة في التعاملات الاقتصادية المفروضة من جانب الاحتلال، إلا أن محاولات الحصول على هامش الاستقلال الاقتصادي ذاك لم يكتب لها النجاح حتى اللحظة، سيما وأن الاحتلال يتحكم بزهاء 85% من حجم الصادرات والواردات الفلسطينية، إلى جانب سيطرة الاحتلال على مسألة قيامه بجباية أموال المقاصة وتحويلها شهرياً للسلطة الفلسطينية.
للاحتلال سياسته الواضحة والمكرّسة على مدى عقود في التعامل مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي والمعيشي للشعب الفلسطيني، والمتمثل في الإبقاء عليهم تحت هيمنته، وطوع أمره، ولعله يوقن من وراء ذلك بأن إبقاءهم في دائرة شظف العيش، والانشغال بهمّهم المعيشي اليومي، وخلق نوع من المعاناة الإنسانية وإجبارهم على “التكيّف” معها، ومنع أي أفق لارتقائهم اقتصادياً واجتماعياً، سيسد بالتالي الباب أمام أية مساعي وطموحات لتحقيق أي نوع من الاستقلال الاقتصادي الذي سيكون بداية الطريق للاستقلال السياسي، والتحرر من الاحتلال، وهذا ما يفسر محاربة الاحتلال للفلسطينيين في لقمة عيشهم، على طريق حربه لنضالهم من أجل الحرية والاستقلال.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=136410
