يوسف القرضاوي..عالِم جليل وجّه بوصلة الأمة نحو “فلسطين”

بقلم: الدكتور عصام يوسف – رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم فلسطين     

تختنق في داخلي الكلمات، ويستصعب العقل استيعاب فكرة رحيل رجل بعمق فكر وعطاء الشيخ العلّامة يوسف القرضاوي، الذي حمل خلال حياته نبراساً ينير لنا كثيراً من الطرق المعتمة، فقد اضطلع الفقيد بدور المنارة التي ترشد الأمة إلى طريق الصواب حين يدلهمّ بها الظلام، فيصعب عليها تحديد مواضع خطاها.

فخسارة الأمتين العربية والإسلامية كبيرة، سيما وأن القرضاوي يعد عالماً جاء في مرحلة تاريخية مفصلية امتلأت فيها فضاءات الأمتين بأنماط التأويل التي قادتها إلى تضخيم وتكثيف حالة الجدل التي تأخذها بعيداً عن القضايا الجوهرية، لتغرقها في معارك “دونكيشوتية”، بعد أن تعمد إلى زعزعة الكثير من القناعات، مستهدفةً قلب الأمتين وروحهما.

فقد أرسى الشيخ الجليل دعائم منهاج فكري وسطي معتدل، يسعى لاحتواء الآخر دون المساس بثوابت الدين الإسلامي، وثوابت قضايا الأمتين، وحقوق أبنائها، واستطاع من خلال فكره التسامحي ووضوح مواقفه في العديد من القضايا الفكرية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وتطابق الفكر مع السلوك، أن يجنبه ومنهاجه الوقوع في احتمالات اللبس، وفخاخ افتراضات التأويل الجدلي الاستباقي.

وفي سبيل ذلك، انتهج القرضاوي مرونة كبيرة في التعاطي مع مستجدات عصره، حيث اتبع فكراً “تيسيرياً” سواء في علم تفسير الحديث الشريف، وتقديمه للرخص في هذا المجال، وهو ما انسحب على مجمل مجالات الفكر لدى الشيخ، بما فيها الفكر السياسي، ما جعله يخلص إلى أن أزمة الأمة الإسلامية تعود في أصلها إلى كونها “أزمة فكر”، تشمل فهم المسلمين لأسس السنة النبوية الشريفة، وروحها التسامحية، ما انعكس على الفهم العام وتبني الأفكار السياسية المختلفة.

في سياقات ذلك، يأتي الحرص الكبير لدى الشيخ القرضاوي على تثبيت موقفه الأخلاقي والإنساني، والتأكيد على رفعة النفس البشرية التي كرمها خالقها، وعلى المنهاج الفكري الراسخ الرافض لسفك الدماء بدون حق، إزاء أية أعمال إرهابية تقع في أية بقعة من العالم من أقصاها إلى أقصاها، وتستهدف المدنيين الأبرياء، معتبراً هذه الأعمال مدانة بما لا يترك أي مجال للشك.

يضاف إلى ذلك اتساع رؤية القرضاوي لمفهوم الإرهاب، وذلك من خلال مقاربته التي يرى فيها بأن إرهاب دولة الاحتلال ضد أبناء الشعب الفلسطيني هو إحدى بؤر الإرهاب الكوني التي تتفرع عنها جيوب الإرهاب في أنحاء مختلفة من العالم، ما دفعه إلى دعوة القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية إلى التوقف عن التعامل بمعايير مزدوجة فيما يخص بشكل أساس القضية الفلسطينية، والانحياز بشكل سافر لإسرائيل وسياستها العدوانية ضد الفلسطينيين والعرب.

ويتناول الشيخ القرضاوي هذه الجزئية بشكل مباشر، في كتابه “فقه الجهاد”، حيث يشير صراحةً بأن “إسرائيل أبرز دولة قامت على الإرهاب من أول يوم بواسطة عصابات (الهاغاناه) والمذابح التي صنعتها في دير ياسين وغيرها، واستطاعت أن تخرج الفلسطينيين من ديارهم مكرهين، وتقيم دولتها على أنقاضهم”.

وانطلاقاً من إيمانه العميق بحق الشعب الفلسطيني في استرداد حقوقه المغتصبة، ومن أهمها حقه العيش بكرامة على أرضه، وتقرير مصيره، انخرط القرضاوي في جهود الدعم الإنساني، الذي يشمل جوانب عدة من ضمنها الإغاثي والثقافي والتعليمي والاجتماعي، وغير ذلك، كما أن التوعية بالقضية الفلسطينية في مختلف قارات الأرض، وما تتعرض له مدينة القدس من مخططات التهويد الممنهج، كان دوماً مثار اهتمام الشيخ القرضاوي، وهو ما دفعه إلى المبادرة بـ”مأسسة” العمل من أجل هذه الغايات.

وعلى أساس ذلك وجّه القرضاوي مؤسسات العمل الخيري والإنساني كي تقوم بلعب أدوار محورية في دعم صمود الشعب الفلسطيني على أرضه عبر إمداده بمتطلباته الإنسانية الأساسية، من خلال العمل على تنفيذ مشاريع إغاثية وتنموية في الضفة الغربية وقطاع غزة، من بناء المدارس والمستشفيات، وتوزيع الاحتياجات الأساسية للعيش كالغذاء والدواء، إضافة لمشاريع كفالات الأيتام، ودعم القطاعات الصحية والتعليمية، وتنفيذ المشاريع الهادفة لتشغيل الخريجين والعاطلين عن العمل من الشباب الفلسطيني، وغيرها من مشاريع الدعم الإنساني المختلفة.

وفيما يتعلق بالتحديات التي تواجهها القدس والمقدسات، والمساعي الصهيوني الدائبة لتهويد المدينة المقدسة، عمل القرضاوي على تشييد المؤسسات الساعية لبث الوعي لدى الأجيال الناشئة فيما يتعلق بتاريخ القدس ومكانتها عند العرب والمسلمين والمسيحيين، وتوجيه البوصلة للحفاظ على هوية القدس العربية، والإسلامية والمسيحية، وبالتالي إنقاذها من براثن الاحتلال ومخططاته، عبر تثبيت سكانها المقدسيين على أرضهم، وتعزيز صمودهم.

وفي إطار تركيزه على أهمية تحشيد الجهود الإغاثية والإنسانية لصالح الشعب الفلسطيني، قام القرضاوي بزيارة قطاع غزة، في العام 2013، ليرسل من خلال زيارته، ومن على أرض غزة رسائل تضامنية مع نضال الشعب الفلسطيني، وصموده في وجه الحصار الصهيوني الجائر، إلى جانب رسائله الواضحة لأبناء الشعب الفلسطيني، وقياداته، بنبذ الانقسام، وصهر كافة الطاقات النضالية في بوتقة مقاومة الاحتلال، وصولاً لنيل الشعب الفلسطيني حقوقه التي تقرها المواثيق والأعراف الدولية، وتحقيق مشروعه الوطني واقعاً على الأرض.

شغلت القضية الفلسطينية جانباً كبيراً من مشروع الشيخ العلّامة القرضاوي الفكري الناجز، حيث شكلت حالة محورية في الانطلاق لفهم طبيعة العلاقة مع فكر الآخر الغربي، ورصد تفاعلاتها في إطارها الإنساني والسياسي والديني، لينعكس ذلك على إصرار القرضاوي على حمل هموم القضية، التي حازت على قسم كبير من جهوده، واجتهاداته وفتاواه ووعظه وإرشاده، باعتبارها تمثل حالة مفصلية في رسم ملامح ومستقبل الأمة بأسرها.

أمام ذلك كله تتجلى مشاعر الفقد الكبير التي ألمت بالأمتين العربية والإسلامية في هذه الأثناء، مع رحيل عالم مخلص لقضايا أمته وشعوبها، الذي تبنى مشروع تنقية فكرها من الالتباسات، والخرافات، وشوائب الأفكار المدسوسة، وخلص إلى أهمية توجيه البوصلة إلى “فلسطين” باعتبارها ركناً أساسياً في تحقيق مشروع الأمتين الحضاري والإنساني.

رحم الله العالِم الجليل، الشيخ يوسف القرضاوي، وجزاه الله خير الجزاء عما قدمه للأمتين العربية والإسلامية، ولفلسطين، سائلين الله-عز وجل- أن يلهم أبناء الأمتين الصبر والسلوان، وأن يعوضهم خيراً في رحيل الفقيد الكبير.