بقلم: الدكتور عصام يوسف – رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم فلسطين
تتسع تداعيات كارثة الزلزال الذي ضرب جنوب تركيا، وأجزاء من سوريا، مع ما تحمله المأساة من صور الألم والاسى، التي تدمي القلب، للحظات من الزمن يمكن معها طرح تساؤلات حول ما اعترى سيرورة العمل الإنساني المعاصر من منزلقات، ربما طالت بمشروطيتها تشوهات لحقت بمنظومته الفكرية، دون مبالغة في ذلك.
فالحصيلة المهولة من ارقام الضحايا، المضطردة في الارتفاع، والتي ما تزال مفتوحة، تحصي حتى اللحظة ما يزيد عن ٤٠ألفا من القتلى، ومئات الآلاف من الجرحى، ناهيك عن الدمار الهائل في المنازل والممتلكات والبنى التحتية، تضع المجتمع الدولي بأسره أمام تحديات طبيعة وآلية الاستجابة الإنسانية، تكون بحجم الكارثة.
ومع الأيام الأولى للزلزال بدأت تتضح معالم التخبط الأممي في التعامل مع الكارثة، وقد بدى ذلك في تأخر وصول المساعدات ووسائل الإنقاذ، سيما إلى الشطر السوري الذي يقع خارج سيطرة النظام، تحت ذرائع حملت عناوين سياسية، طمست معها أي حس إنساني بالكارثة المتفاعلة، فيما تسقط الخسائر في الارواح مع كل يوم تتأخر فيه وسائل ومعدات وأطقم الإنقاذ، فضلا عن المساعدات المتعلقة بمواد الإيواء، والطعام والشراب، وغيرها من متطلبات أساسية.
ومع اعتبار أن تركيا نالت النصيب الأكبر من حجم الكارثة، من ناحية الدمار والخسائر البشرية والمادية، إلا أن الجانب السوري ابتلي بكارثة موازية ضاعفت من أعداد الضحايا نتيجة بطء استجابة الجهود الإنسانية بعدما وقعت تلك الجهود في مستنقع تسييس العمل الإنساني، وهي الآفة الأكثر ضراوة للعمل الخيري والإنساني في التاريخ المعاصر والقديم، والتي سعينا، كعاملين في القطاع الخيري والإنساني، وما نزال، إلى وضعها جانباً ومحاولة ترسيخ القناعات بان القوانين والمواثيق الدولية قد لفظتها إلى الابد، إلا أنها تطفو، في مثال كارثة الزلزال، على السطح بشكل قبيح وغير مبرر.
تطرح عملية تأخر الاستجابة الإنسانية الدولية لإغاثة المتضررين من الزلزال في سوريا عامة، وفي الجانب الشمالي الغربي من سوريا، تحديداً، أسئلة باتت تلح على المجتمع الدولي، تنقد واقعاً مريراً، وتستشرف مستقبلا مجهولا لحياة البشرية، ومواجهتها لتحديات الكوارث الطبيعية، التي باتت تشهد اضطرادا كبيرا، وتأثيراً متطرفاً بات يهدد ازدهار الحضارات، واستقرار الدول والمجتمعات المدنية، فأية خارطة طريق تلك التي تسير عليها المنظومة الأممية في القرن الواحد والعشرين لمواجهة تحديات تهدد مستقبل البشرية، في حين لم تطهّر تلك المنظومة نفسها تماماً من رواسب التسييس، وربما الفرز المضمر للمناطق المنكوبة دون غيرها في مناطق مختلفة من العالم؟.
وكيف تعجز الأمم المتحدة في استصدار قرار أممي ملزم يفتح الأبواب الموصدة أمام وصول المساعدات الإغاثية للمتضررين من الزلزال، بينما تستسهل الانصياع وراء دول تصنف سياسياً وعسكرياً كدول عظمى، من أجل غزو بلد ما، أو فرض عقوبات، أو حصار، على دولة ما أو شعب ما، بمسوغ قانوني، حتى وإن كانت تلك العقوبات ستكون سبباً في تجويع أطفاله ونسائه وشيوخه؟.
وهل تعد كارثة الزلزال مناسبة مهمة لتقوم الأمم المتحدة بإعادة تعريف مفردات قاموسها الإنساني، بحيث تضع الحدود اللازمة والمطلوبة، والمعايير قبل كل شيء، لتكون قادرة على اقناع من يتساءلون اليوم عن اغداق الدعم السياسي والعسكري والإنساني للشعب الأوكراني، في حين تقف صامتةً أمام منع الدواء من الوصول لمرضى غزة، وامام تفاعلات كارثة إنسانية مستمرة منذ ١٦ عاما، كما أنها تعجز في أحيان أخرى عن اتخاذ قرار لا يتطلب الكثير من الجرأة لإيصال مساعدات فورية وعاجلة للمنكوبين من الزلزال في مناطق الشمال الغربي من سوريا؟.
لعل دروساً في عدم مشروطية العمل الإنساني تحتاج المنظومة الأممية التذكير بها، فالبشر سواء أمام الحاجات الإنسانية في سرّائهم وفي ضرّائهم، وفي الآية الكريمة “يا أيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالًا طيبًا”، الاستدلال العقلي الأكثر وضوحاً إلى أن خالق البشر لم يخص في حديثه فئة معينة للحصول على حاجتها من الغذاء، والاحتياجات الأساسية، بل جعل الخطاب موجهاً للناس جميعاً دون تمييز، ودون شروط لذلك.
ونعيد التذكير من جديد بأن العمل الإنساني، مفهوماً ومضموناً وفكرةً، وعملا وتطبيقاً، يتمحور موضوعاً حول الإنسان، كهوية، ودون وجود أية هوية أخرى، كالعرق والفكر والدين، وغيرها، حيث يبدأ العمل الإنساني بالإنسان وينتهي به، ولا تزاحمه هنا أية معتقدات أو هويات أو اعتبارات أخرى، فالإنسان في كل الأحوال هو المناط بالتكريم والاحترام، يقول سبحانه وتعالى: “ولقد كرمنا بني آدم”.
وقبل كل شيء، يقترن الإيمان في الدين الإسلامي بالإحسان، وبالعمل الصالح للفرد، فالإنسان لا يجري تقييمه إلا من خلال عمله الصالح ومدى انعكاسه على نفسه وعلى الآخرين، فصلاح الفرد نواة لصلاح المجتمعات، ومن ثم لصلاح البشرية جمعاء، فعطاء الإنسان هو جزء من جهوده وثماره الصالحة التي تنفع البشر وتسهم في حل مشكلاتهم، وفي إسعادهم، دون النظر لاختلاف الهويات الفكرية والعقدية، والعرقية، وهو ما يؤكده البارئ سبحانه وتعالى في الآية الكريمة: “وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”، أي جميع الناس وليست فئة دون غيرها.
لا يمكن بأي حال من الأحوال تقديم ما يبرر التخاذل أو التراخي في تقديم الدعم للمنكوبين جراء كارثة أو مصيبة ألمّت بهم، فأية أذن ستسمع بها، وأية عين تنظر بها لكلمات رئيس منظمة الخوذ البيضاء السورية، رائد صالح، الذي قال “نحارب العجز والوقت للوصول إلى الناس على قيد الحياة، حيث يعد نقص المعدات المناسبة للبحث والانقاذ سببا في هذا العجز”، محملا الأمم المتحدة المسؤولية عن التقصير المتعمد تجاه الضحايا والمتضررين من الزلزال من ابناء شعبه.
حتى وإن تداركت الأمم المتحدة الأمر، وحاولت اللحاق بركب الجهود الإغاثية، فإن التحديات أمامها لم تنته، وما تزال أمام اختبارات تقديم العمل الإنساني المناسب لما بعد الكارثة، حيث ان عدد القتلى ما يزال مرشح للارتفاع لفترة من الزمن بعد الخسائر الأولية في الارواح نتيجة نقص المياه النظيفة، والغذاء والمأوى، واحتمالية مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة.
المطلوب اليوم من المؤسسات الأممية، والعربية والإسلامية، الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية لفترة من الزمن تقدر بالسنوات، من أجل إعادة الإعمار والبناء والتعافي من الكارثة، سيبقى معه الاختبار الإنساني قائماً، وستبقى الأنظار مشدوهة تجاه ما تقدمه مؤسسات العمل الإنساني، تراقب وتقيّم الأداء، وقبل كل شيء تأمل منها الكثير، والمزيد من الجهد لإنقاذ الأرواح.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=140208
