لجان الزكاة في الضفة الغربية.. النشأة والدور

الدراسة تتناول لجان الزكاة بالضفة بشكل مفصل

قرابة 35 عاماً من العمل المتواصل.. نشأت كي تساهم في تنمية المجتمع وتقدم ما يمكن أن يعيل الأسر الفقيرة.. بدأت بمجموعات فردية.. ثم ما لبثت أن تربعت على عرش المؤسسات الخيرية والانسانية نتيجة عطائها اللامحدود والقائم على اسسس انسانية بحته.
 
هكذا يمكن أن يتم تقديم لمحة مختصرة عن "لجان الزكاة" العاملة في الضفة الغربية بشكل خاص وفي الأراضي الفلسطينية بشكل عام، وذلك وفقا لدراسة بحثية علمية، بعنوان :"دور المؤسسات الخيرية الإسلامية وأسلوب إدارتها: لجان الزكاة في الضفة الغربية (1977 – 2009) في السياق المحلي".
 
الدراسة التي قام باعدادها الباحث "عمانوئيل شاوبلين" تمثل حصيلة مشروع بحثي أجراه "مركز دراسات النزعات والتنمية وبناء السلام (CCDP) بهدف تقديم سرد تفصيلي عن لجان الزكاة في السياق المحلي بالضفة الغربية من خلال الاعتماد بشكل اساسي على معلومات ومصادر فلسطينية.
 
وتتطرق الدراسة إلى تطور نشأة لجان الزكاة في بيئة احتماعية وسياسية متغيرة في ظل الاحتلال الإسرائيلي، ثم في ظل كل من الادارة المدنية والسلطات الفلسطينية المتعاقبة. وبالتالي تتطرق الدراسة إلى الكيفية التي أدت بها التحولات السياسية في السنوات الأخيرة إلى تسيس دور لجان الزكاة.
 
ويخلص الكاتب في الدراسة إلى أنه منذ تأسيسها، كانت لجان الزكاة بالضفة الغربية، إلى حد كبير، منظمات شعبية متجذرة عملت ببراعة وكفاءة على تعزيز القدرة على الاستجابة داخليا والاعتماد على الذات في تجنب اللجوء للغير والوقوع ضحية له.
 
ويوضح الكاتب، أن إعداد هذه الورقة ضمن أنشطة المجموعة الاساسية لمبادرة مونترو. وتهدف هذه المبادرة، التي يستضيفها معهد الدراسات العليا منذ عام2005 كجزء من برنامج "الدين والسياسية: المبادرات والأبحاث التطبيقية"، إلى أزالة العقبات غير المبررة التي تعيق عمل المنظمات الخيرية ااسلامية المشهود لها بالمصداقية، ويشارك في إدارة هذا البرنامج ويدعمه إلى حد كبير قسم الشؤون السياسية الرابع التابع لوزارة الخارجية الفيدرالية السويسرية.
 
ويشير الباحث إلى أن هذه الورقة بمثابة الخطوة الأولى نحو دراسة واسعة النطاق عن لجان الزكاة الفلسطينية، بينما تهدف الخطوة التالية إلى دراسة لجان الزكاة في قطاع غزة.
 
مراحل التطور
وتتناول الدراسة العديد من المحاور، حيث يعرض الباحث لمحة عن نشأة لجان الزكاة التي انطلقت من فكرة اجتماع رجال الأعمال المتدينين واصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم وأئمة المساجد وبعض الرجال المتعلمين وأكثرهم ثقافة من مختلف الشرائح يجتمعون في المساجد المحلية من اجل تشغيل المشاريع الخيرية مثل مطاعم الوجبات المجانية للفقراء ومراكز الاغاثة الطبية ورعاية الايتام، وتقديم الاضاحي في المناسبات الدينية وغيرها من المناسبات المماثلة.
 
ومع حلول العام 1977 بدأت وزارة الاوقاف الأردنية تسجل مثل هذه اللجان التطوعية رسميا على أنا لجان زكاة بموجب قانون الزكاة الأردني.
 
كما تعرض الدراسة محطات رئيسية في عمل لجان الزكاة بالضفة، تتمثل اولها في حتى العام 1967، حيث كانت الضفة الغربية خاضعة للسيطرة الاردنية، وكانت الكثير من المساجد يتبع لها لجان زكاة داخلية مكلفة بجمع وتوزيع الزكاة في المنقطة الخاصة بكل مسجد.
 
فيما تتمثل المرحلة الثانية في الفترة ما بين 1968 – 1994، وجاءت هذه المرحلة عقب حرب الـ 1967، وما ترتب عليها من الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، وكانت هذه الظروف تدفع باتجاه انتشار لجان الزكاة، واتسمت اللجان في تلك الفترة بعدم تسيسها، حيث تأسست من خلال جهد اعضاء ملتزمين دينيا بغض النظر عن التيارات السياسية أو الافكار التي كانوا يحملونها.
 
ومع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 أصبحت لجان الزكاة تشكل أبرز وأهم قنوات جلب الدعم الانساني للضفة الغربية، وقد قامت هذه اللجان بتنظيم أنشطة تعليمية وأخرى صحية للتعويض عن الخدمات التي غابت نتيجة الانتفاضة وممارسات الاحتلال.
 
ومع انتهاء الانتفاضة الاولى وتأسيس السلطة الفلسطينية، خضعت لجان الزكاة لإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية التابعة للسلطة الفلسطينية باستثناء لجان لازكاة بالقدس التي بقيت خاضة تحت إشراف وزارة الاوقاف الأردنية.
 
وتتمثل المرحلة الثالثة التي مرت بها لجان الزكالة بالضفة الغربية في الفترة ما بين 1994 – 2006، حيث قامت السلطة الفلسطينية بتعين شخصيات في مناصب رفيعة داخل لجان الزكاة وما بات بخلق العديد من الاشكالات داخل هذه اللجان كون الافراد المعينيين ذوي خبرة اقل ممن هم يعملون منذ سنوات عديدة بهذه اللجان.
 
وجاءت المرحلة الرابعة على لجان الزكاة وهي ما بين مارس 2006 و يونيو 2007، حيث ازاد الضغط الدولي على الفلسطينيين بعد تشكيل حكومة حماس التي فازت بالانتخابات التشريعية، ونتيجة لعدم رضوخ الفلسطينيين للشروط الدولية، مارس الاحتلال ضغوطه من خلال احتجاز الاموال العائدة من الضرائب، وهو ما ادخل الواقع الفلسطيني بمزيد من التعقيد السياسي، نتج عنه الانقسام السياسي.
 
وفي يونيو حزيران من العام 2007 تم تشكيل حكومة طواريء فلسطينية بالضفة الغربية، وبقيت الحكومة التي شكلتها حماس تدير شؤون القطاع، ولم يعد المجلس التشريعي ينعقد نتيجة الظرف السياسي واعتقال عدد كبير من النواب من قبل الاحتلال. وهذا التعقيد السياسي انعكس بشكل مباشر على لجان الزكاة، حيث تم إصدار قرار في رام الله بحل 92 لجنة زكاة بالضفة، وتم تشكيل عشر لجان مركزية، وتم اعادة هيكلية هذه اللجان وتظيف كوادر جديدة.
 
محاور عدة
إضافة إلى المحطات البارزة في عمل لجان الزكاة، فقد حاول الباحث التطرق إلى محاور أخرى تتمثل في البعد الديني الذي قامت على اساسه هذه اللجان، وكذلك الأهداف التي سعت إلى تحقيقها والمتمثلة في العمل على توفير التكافل الاجتماعي في المجتمع الفلسطيني، وإيجاد مراكز معتمدة لمساعدة المحتاجين والفقراء وذوي القضايا الاجتماعية والحالات الطارئة.
 
كما سعت لجان الزكاة لإيجاد مؤسسات موثوقه يتجه إليها المحسنون لأداء فريضة الزكاة والصدقات والهبات، ما يوفر عناء البحث عن الاسر المتعففه والمحتاجة ويسهل عليهم ايصال الزكاة لمن يستحقها. إضافة إلى إقامة المشاريع الخيرية اللازمة للمجتمع المحلي ولا سيما تلك المشاريع الاجتماعية والاقتصادية التي تشكل البنية التحية للتنمية.
 
واستعرضت الدراسة العديد من المشاريع الخيرية التي تديرها لجان الزكاة، والمتمثل بعضها في رعاية الايتام، إلى جانب المساعدات المالية المنتظمة للأسر الفقيرة، والمساعدات المباشرة للأفراد في حالات الطواريء وكذلك المساعدات العينية، والمساعدات الطبية والتعليم، والمشاريع الانتاجية المختلفة.
 
وتتطرق الدراسة إلى مصادر الدعم للجان الزكاة، حيث يوضح الباحث أن المنظمات والمؤسسات الإسلامية في منطقة الخليج وأوروبا والولايات المتحدة اعتبرت من اهم مصادر التمويل للجان الزكاة، حيث تقوم أساسا بتمويل صندوق كفالة الأيتام وغيرها من برامج الرعاية.
 
وتوضح الدراسة أيضا أن الحكومات الغربية، مثل فرنسا وإيطاليا وكندا، ساعدت المؤسسات الطبية (المستشفيات والعيادات) التابعة للجان الزكاة لبناء أقسام متخصصة. 
 
فهم خاطيء للدور
ويخرج الباحث في ختام الدراسة بخاتمه يرى فيها أن هناك مخاطر عدة جراء إساءة فهم لجان الزكاة بالضفة والدور الذي تقوم به خاصة في ظل التركيز على البعد السياسي، ويوضح أن العديد ممن استطلع أرائهم بالدراسة أكدوا على أهمية التيركز على كيفية استجابه هذه اللجان لمعاناة الفقراء والمساعدات التي تقدمها بدل من التيكز على البعد السياسي السطحي.
 
ويوضح الباحث أن لجان الزكاة كيانات مستقلة رسميا، وبالتالي فإن انتماءاتها السياسية "ليست واضحة مباشرة" بيد أن اللجان قد أسسها أو شارك في تأسيسها أعضاء ذوي انتماء يحسب على جماعة الإخوان المسلمين أو غيرها من التيارات الدينية أو حتى أفراد متدينيين يتعبون لحركة فتح.
 
 
لتحميل الدراسة إضغط هنا