كشفت دراسة أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تساعد الفلسطينيين على مستويين، أولهما مساعدات إنسانية تقدمها للاجئين الفلسطينيين منذ خمسينيات القرن الماضي، وثانيهما مساعدات اقتصادية وسياسية وأمنية تقدمها أمريكا للسلطة الفلسطينية منذ منتصف التسعينيات.
وعلى المستوى الإنساني، تقول الدراسة إنّ أمريكا أكبر دولة متبرعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) التابعة للأمم المتحدة، وذلك منذ تأسيس الوكالة في عام 1950، وأنّ أمريكا قدمت منذ ذلك الحين حوالي 4 مليارات دولار كمساعدات إنسانية للفلسطينيين.
ولمعرفة أهمية المساعدات الأمريكية للأونروا مقارنة بمساعدات الدول الأخرى، تقول الدراسة إنّ ميزانية الأنشطة الأساسية في الوكالة الدولية الخاصة بالفلسطينيين في عام 2009، بلغت 545 مليون دولار، من بينها 268 مليون دولار مساعدات مقدمة من أمريكا وحدها.
والملاحظ هنا أنّ قيمة التبرعات الأمريكية للأونروا منذ 1950 – والتي تبلغ 4 مليارات دولار – لا تتخطى كثيراً المساعدات التي تقدمها أمريكا "لإسرائيل" سنويًا (3 مليارات دولار)، ويلاحظ أيضاً أن أمريكا وضعت شروطاً لتلك المساعدات بشكل يضمن عدم وصولها لأي لاجئي فلسطيني يقاتل "إسرائيل"، كما توضح الدراسة.
وتشير الدراسة إلى أنّ أمريكا قدمت للسلطة الفلسطينية 4 مليارات دولار كمساعدات منذ عام 1994، وذلك بمعدل 70 مليون دولار سنوياً في المتوسط منذ عام 1994 وحتى عام 1999، وزادت هذه المساعدات تباعاً في الفترة من عام 2000 إلى 2007 لتصل إلى 170 مليون دولار سنوياً في المتوسط.
مضاعفة وتخفيض
أما القفزة الحقيقية في المساعدات المقدمة للسلطة، فبدأت – كما تشير الدراسة- منذ تولي محمود عباس السلطة في عام 2005، ثم انخفضت المساعدات وأعيدت هيكلتها بعد فوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في عام 2006، لتتوقف المساعدات المباشرة التي تقدمها أمريكا للحكومة الفلسطينية خلال الفترة من شباط/ فبراير وحتى حزيران/ يونيو 2007، وهي الفترة التي ترأست فيها حماس الحكومة الفلسطينية.
وبعد الانشقاق الفلسطيني في حزيران/ يونيو 2007، ضاعفت أمريكا مساعداتها للسلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس ورئيس وزرائه سلام فياض لتصل إلى 600 مليون دولار سنويا،ً مقارنة بمتوسط قدره 170 مليون دولار في النصف الأول من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
ويذهب ثلث المساعدات الأمريكية المقدمة حالياً (نحو 200 مليون دولار) إلى دعم ميزانية حكومة سلام فياض، وتذهب 100 مليون دولار لدعم قوات الأمن الفلسطينية الجديدة التي يتم تدريبها تحت إشراف جنرال أمريكي وبدعم دول غربية مختلفة، بعضه معلن وبعضه "خفي".
ويتم إنفاق 100 مليون دولار كدعم مباشر مقدم من الحكومة الأمريكية لمنظمات مجتمع مدني بالضفة وغزة، أما المبلغ المتبقي ويبلغ 200 مليون دولار، فيذهب لدعم الأونروا وتقديم مساعدات إنسانية أخرى في قطاع غزة.
أهداف المساعدات وشروطه:
وتقول الدراسة إنّ مساعدات الحكومات الأمريكية المختلفة للسلطة الفلسطينية سعت لتحقيق ثلاثة أولويات سياسية رئيسية، وهي:
1- مكافحة وتحييد، ومنع "الإرهاب" ضد "إسرائيل" من قبل الفصائل الفلسطينية والمنظمات المسلحة الأخرى.
2- استدامة الإستقرار والرخاء في الضفة الغربية وقطاع غزة نحو التعايش السلمي مع "إسرائيل".
3- الإستجابة للاحتياجات الإنسانية ومنع مزيد من عدم الاستقرار، خاصة في قطاع غزة.
وحسب الدراسة فإن التشريعات الأمريكية السنوية المتعلقة بتخصيص المساعدات للفلسطينيين تضمنت القيود أو الشروط التالية:
1- عدم السماح بأي مساعدات لحماس أو لأي جهات تسيطر عليها الحركة الإسلامية.
2- عدم السماح لأي حكومة وحدة وطنية بضم أي عضو من حماس إلى فريقها الوزاري، ما لم يقرر الرئيس الأمريكي أن حكومة السلطة الفلسطينية بما في ذلك جميع الوزراء، قد قبلوا بشرطين:
· الإعتراف بحق "دولة إسرائيل" اليهودية في الوجود.
· القبول بالاتفاقات الفلسطينية – "الإسرائيلية" السابقة.
3- عدم السماح بأي مساعدات لدولة فلسطينية مستقبلية ما لم يقرر وزير الخارجية الأمريكية بأن الهيئة الحاكمة للدولة الفلسطينية:
– عبرت عن التزام قوي بالتعايش السلمي مع "دولة إسرائيل".
– تتخذ الإجراءات اللازمة لمواجهة تمويل "الإرهاب والإرهابيين" في الضفة الغربية وغزة بالتعاون مع "إسرائيل" وآخرين.
وتشير الدراسة إلى أن الشروط السابقة الذكر، سبقتها شروط مماثلة فرضتها أمريكا على مساعداتها الإنسانية المقدمة للفلسطينيين، وهنا نشير إلى قانون صدر في عام 1961 بخصوص المساعدات الأمريكية للأونروا، يقول:
"لا يجب تقديم أي مساعدات أمريكية للأونروا إلا إذا اتخذت الوكالة جميع الإجراءات اللازمة للتأكد من عدم استخدام أي جزء من المساعدات الأمريكية في أعمال كتقديم التدريب العسكري للاجئين، أو انتقال هذه الأموال لصالح جيش تحرير فلسطين أو أي من المنظمات العسكرية، أو أن تصل إلى يد أشخاص شاركوا في أي فعل إرهابي".
وبالطبع تنسحب شروط مماثلة على العاملين في "الأونروا" وعلى المؤسسات الفلسطينية التي تعمل مع برامج "الأونروا".
وترصد الدراسة موقف "الأونروا" قائلة: "إن المنظمة الدولية تعمل وفقا "لتفويض إنساني" وإنها لن "تمتنع عن تقديم خدمات تعليمية وصحية أساسية"، وإن المنظمة لن تحرم أبناء المسلحين من الالتحاق بمدارسها، وهنا يتضح المدى الذي ذهب إليه الجدل الأمريكي حول المساعدات وشروطها.
مستقبل المساعدات
تقول الدراسة إن مستقبل المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية يتوقف بصفة رئيسة على عدد من العوامل، مثل مدى التزام السلطة الفلسطينية بالشروط المذكورة سابقًا، أما على المدى القصير فيبدو أن الكونجرس مشغول بقضيتين:
أولهما تتمثل في جهد تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية.
وتضيف الدراسة في هذا الإطار "أن أعضاء في مجلس الشيوخ والنواب الأمريكيين قدموا مشروع قرار في أيار/ مايو الماضي، يثير تساؤلات حول استمرار المساعدات الأمريكية لحكومة فلسطينية تتضمن حماس"، ومشاريع القرارات المقدمة "لا تخاطب بوضوح" عرض حماس تشكيل حكومة من "تكنوقراط" وإذا كان هذا يمثل خرقاً للشروط الأمريكية.
أما القضية الثانية التي تشغل بال أعضاء الكونجرس فهي مساعي السلطة الفلسطينية للحصول على اعتراف بالدولة الفلسطينية من الأمم المتحدة.
ويقول التقرير في هذا السياق إنّ مشاريع القرارات المقدمة في أيار/ مايو "توضح أن أعضاء الكونجرس قد يقرروا الحد من المساعدات الممنوحة للسلطة الفلسطينية، وربما المساعدات الأخرى المقدمة للفلسطينيين، إذا سعت منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية لتجنب المفاوضات مع "إسرائيل"، وبعدما دعت الأمم المتحدة وكيانات دولية أخرى والحكومات الأجنبية للاعتراف بدولة فلسطينية".
ويتضح من الدراسة نتائج رئيسية، أولها؛ أنّ أمريكا تستخدم مساعداتها المالية للفلسطينيين كأداة سياسية بامتياز، تعاقب وتجزي بها من تريد. والثانية: أنّ المساعدات الأمريكية المقدمة للفلسطينيين حالياً وفي الماضي وربما في المستقبل لا تقارن بأي حال من الأحوال بالدعم المادي والعسكري والسياسي الذي تقدمه أمريكا لإسرائيل.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68597
