ينتاب المتعاطي للقضايا الانسانية والمتناول لمجريات الأحداث التي تفرز معاناة بني البشر هنا وهناك حيرة من نوع ما, نظراً لتعددها وتشعب وتنوع حيثياتها وتداعياتها, فعندما بدأت بتناول اعصار ميانمار كمادة لقضية هذا الاسبوع, تسارعت الأحداث بشكل دراماتيكي لتتفجر بؤر جديدة لأشكال المعاناة الانسانية في مناطق أخرى, أو إعادة اجترار لمعاناة أخرى, كالذي يحدث في غزة بعد انقطاع التيار الكهربائي عن أجزاء كبيرة منها, بعد نفاذ الوقود بسبب الحصار المستمر عليها منذ ما يزيد عن التسعة شهور.
ففي “ميانمار”, ضرب اعصار مدمر الأسبوع الماضي تلك الدولة الصغيرة والفقيرة الواقعة في جنوب شرق آسيا, وألحق أضراراً هائلة لم تعلن بعد حصيلتها النهائية, نظراً لوجود العديد من المناطق المنكوبة لم تصلها مؤسسات الإغاثة, وبحسب آخر تقديرات من كتابة هذه الكلمات فقد خلف الإعصار ما يقرب من 22.000 قتيل, وما يزيد عن 41.000 مفقود, وتشريد ما يزيد عن 1.5 مليون إنسان تبعاً لتقديرات حكومة ميانمار.
ومع هول الكارثة وهذا الحجم الكبير من الضحايا والدمار, منعت حكومة ميانمار جهود الإغاثة الدولية المتمثلة في موظفي الأمم المتحدة وفرق الإغاثة من الدول الغربية, من دخول البلاد للقيام بواجبها في إغاثة المنكوبين, بل ومنعت إعطاء التأشيرات لرجال الصحافة والإعلام وبالتالي فرضت حالة من التعتيم على مجريات الحدث الجلل تحت ذرائع سياسية, غير آبهة بالنداءات الدولية لفتح الحدود أمام منظمات الاغاثة الدولية.
وفي غزة انقطع التيار الكهربائي ليل السبت ( 10-5-2008) عن مناطق واسعة من القطاع, بعد توقف محطة الكهرباء الوحيدة في غزة عن العمل, بسبب نفاد مخزون الوقود اللازم لتشغيلها والذي تتحكم إسرائيل بدخوله إليها, وحسب كنعان عبيد نائب رئيس سلطة الطاقة الفلسطينية في القطاع فإن إجمالي عجز الطاقة في محافظات غزة يتراوح بين 30-35%، وأن إجمالي العجز في مدينة غزة بلغ 50%، مشيرا إلى أن محطة كهرباء غزة تؤمن 30% من كهرباء القطاع.
ورغم انعكاسات هذا الانقطاع في التيار الكهربائي على مئات الآلاف من سكان غزة, وما يشكله من معاناة تفاقم الوضع الإنساني المتردي أصلاً بسبب الحصار, فقد برر مسئول إسرائيلي توقف إسرائيل عن تسليم شحنات الوقود للمحطة بسبب الاحتفالات بمناسبة قيام دولة إسرائيل، وبسبب تكرار الهجمات بقذائف الهاون التي ينفذها نشطاء على منطقة الإمداد.
قد يختلف الحدث ويختلف المكان وأسباب المأساة في حالتي غزة وميانمار, لكن قد يبدو هنالك قاسماً مشتركاً يجمع بين المأساتين, وهي جدلية العلاقة بين قضايا الشأن الإغاثي وتحولات واجتراءات العامل السياسي, ففي كلتاهما لم تشفع دماء ودموع وعذابات وتوسلات وأنين الضعفاء لضرورة تجاوز المحنة, إلا أن التوازنات السياسية والتصلب السياسي, وعدم احترام القرارات الدولية الصادرة بشأن حقوق المدنيين والمنكوبين, والنظر إلى المدنيين كجزء من اللعبة السياسية, لربما أسهم في ترسيخ مفاهيم جديدة لعالم قاسي القلب لم يعد يأبه بإنسانية الإنسان.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68631
