أزمة غذاء عالمي .. أم أزمة أخلاق؟

أنهى المؤتمر الدولي الذي نظمته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أعماله, بتعهد الدول الأعضاء بخفض عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع إلى النصف بحلول العام 2015م على أبعد تقدير رغم أزمة الغذاء العالمية, تلك الأزمة التي كانت ككرة الثلج التي كبرت بسرعة مع تدحرجها السريع باتجاه الهاوية.
فمع تسارع أحداث هذه القضية بشكل دراماتيكي, والتي أخذت مساراً يثير الخوف والريبة, مع مؤشرات الارتفاع الجنوني لأسعار الغذاء, والتي وصف آثارها المتوقعة أحد منسقي فرق الأمم المتحدة قائلا: ” ان نقص المواد الغذائية وارتفاع الاسعار على مستوى العالم من المرجح ان يؤديا الى سوء تغذية وليس مجاعة على المدى القصير على الاقل”, وهو الأمر الذي ينذر بخطورة الوضع ما لم يتم التحرك للعمل على تفاديه, والذي يتنبأ جون هولمز وهو ايضا اكبر مسؤول للمساعدات الانسانية بالمنظمة الدولية بما سيؤول عليه الحال بقوله: “سيأكل الناس خاصة اصحاب الدخول الأدنى اقل كما ونوعا.”
مشكلة الغذاء أو مأساتها كان لها تداعياتها الواضحة والتي ترجمت بشكل سريع على أرض الواقع في دول من العالم الثالث, فقد اندلعت احتجاجات واضرابات واعمال شغب في دول نامية حول العالم في اعقاب الزيادات الكبيرة في اسعار القمح والارز والذرة والزيوت وغيرها من السلع الغذائية الضرورية مما جعل من الصعب على الفقراء الوفاء باحتياجاتهم من الغذاء.
ويرجع الخبراء فصول هذه الأزمة لأسباب عدة منها التغيرات المناخية, والنمو الاقتصادي الكبير في دول كالصين والهند, وارتفاع تكاليف الوقود التي دفعت بعض الدول لاستخدام المحاصيل الزراعية لإنتاج الوقود الحيوي, كذلك المضاربات في سوق السلع.
حالة الإستياء وعدم الرضا الناجمة عن الشعور بالهلع مما هو قادم, والتي تعني أكثر من غيرها دولاً تعيش معظم شعوبها حياة الفاقة, والتي يشهد تاريخها سلسلة من المجاعات كانت تحصد مئات الآلاف من الأرواح, بسبب الجفاف والحروب واقتصادياتها التي تعاني من خلل هيكلي, عبر عنها الرئيس السنغالي عبدالله واد في تصريحات له تعقيبا على أزمة الغذاء قائلا: ” إن العالم يسير نحو خطر كبير لزعزعة الاستقرار في القارة الإفريقية بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية”, ويحذر في ذات الوقت قائلا: ” أنه إذا لم يوقف هذا الوضع فسوف يكون مدمرا للجميع”, ليؤكد أيضا بأن: ” السياق الحالي لزيادة الأسعار على نطاق واسع يعد برهانا آخر على كيفية ارتباط مصير البشرية “, حتى يصل الأمر بالرئيس السنغالي إلى إتهام منظمة الاغذية والزراعة (الفاو) بالمسئولية بشكل كبير عن أزمة الغذاء, مطالبا بنقل مقر منظمة الفاو من روما الى بلد افريقي.
ربما نجحت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو), في جمع هذا العدد الكبير من دول العالم, لطرح المشكلة ومحاولة تلمس مكامن الحل, وبالذات حين توجهت بالدعوة للدول المؤثرة في صنع القرار فيه, والتي ربما تكون جزء من الأزمة قبل أن تكون طرفا مشاركا في الحل, وربما استطاعت أن تحصل على الوعود لدعم صندوقها لإعداد البرامج لمواجهة الأزمة, إلى أنها فشلت في قمتها الكرنفالية هذه, والتي لم تخل من المناكفات السياسية, من إلزام دولاً عظمى باقتصادها وهيبتها السياسية والتي تستخدم مخزونها من الغذاء ومحاصيلها الزراعية في إنتاج الوقود الحيوي, من التوقف أو التقنين في هذه العملية, مما يدل على تخلي هذه الدول عن مسؤوليتها الأخلاقية تجاه الجياع في العالم, وبأنها لم تعد ترى أحد سواها عندما تنظر في المرآة, مما يطرح التساؤل حول ما إذا كان تعريف الأزمة التي تقض مضجع العالم الآن بأزمة غذاء أم أزمة أخلاق؟