“التوجيهي” في فلسطين .. معركة وفرسان

لم تمر فترة امتحانات الثانوية العامة (التوجيهي) في الأراضي الفلسطينية منتصف شهر يونيو وحتى مطلع يوليو المنصرم, بالشكل المعتاد كما هو حالها في باقي المجتمعات العربية, فقد منحتها ممارسات قوات الاحتلال وجبروته طعماً آخر تجرعه معظم الطلبة الفلسطينيين كأساً من المرارة. ففضلاً عما يصاحب هذه الفترة من كل عام من حالة ترقب وتوتر تطغى على الطلبة وذويهم وأقربائهم وربما الجهاز التعليمي برمته في الضفة الغربية وقطاع غزة, وصلت أيادي الإحتلال التي بطشت بكل شيء إلى هذه الشريحة من المجتمع الفلسطيني.

فقد استبقت قوات الإحتلال الاسرائيلي موعد الامتحانات في مناطق عدة من الضفة الغربية بممارسات سعت من خلالها لتعكير صفو العملية التعليمية, ففي نابلس اجتاحت القوات الاسرائيلية المدينة وفرضت حظر التجول على البلدة القديمة ومحيطها مما أدى إلى تعطل الطلبة عن أداء امتحاناتهم عدة مرات, وفي الخليل ونابلس أيضا داهم الجنود الاسرائيليون مدارس تتبع لجمعيات خيرية وعاثوا فيها خراباً, تاركين خلفهم إنذارات معلقة على الأبواب تفيد بقرار اغلاق هذه المدارس, ما من شأنه ان يشكل انعكاساً خطيراً على الجانب النفسي للطلبة مما يؤدي إلى انخفاض روح المثابرة والقدرة على التحصيل الدراسي.

وفي غزة “فحدث بلا حرج”, فالمشهد فيها لم يكن أقل “سوداوية”, لا سيما أن السواد هنا يعكسه الظلام الحالك في غزة, بعد انقطاع التيار الكهربائي عنها, بفعل الحصار الذي طال أمده, وصنع ما صنع في أهالي غزة ونمط معيشتهم ومصائر بعضهم, والذي سبق امتحانات الثانوية العامة بفترة طويلة, حيث شكلت هذه الظلمة هاجساً وشبحاً طارد طلبة غزة. ولنتخيل معاً ما ستكون عليه الروح المعنوية لطالب سيتقدم لامتحانات – تشكل كما هو معهود عنها “مفترق طرق” لمستقبله – حين لا يجد ضوءًا يستنير به للدراسة ولا مركبة تقله لقاعة الامتحان.

غير أن النتيجة جاءت ليس كما يحلو للإحتلال أن يراها, فقد تفوقت “أسماء ابو نمر” بمعدل بلغ 99.3, والتي تسكن مدينة خان يونس احدى مدن قطاع غزة التي أطفأ الاحتلال أنوارها, وهدم منزل عائلتها فيما قبل, قائلة: “بأني لم أكن أتوقع النتيجة بعد هدم الاحتلال لمنزل عائلتي”, فيما كان المشهد ممائلاً في المدرسة الاسلامية الثانوية للبنين في نابلس المنوي إغلاقها من قبل سلطات الإحتلال, حيث حصل أحد طلبتها على المرتبة الأولى على مستوى الأراضي الفلسطينية, وتقاسم طالبان آخران المرتبة السادسة, ليوصلوا بذلك رسالة للإحتلال الاسرائيلي مفادها بأن روح التحدي التي دفعتهم للمثابرة هي سلاحهم في الرد على طغيان الاحتلال وعدوانه.

قد يتبادر لذهن المتأمل في عقلية الاحتلال الاسرائيلي والتي تتضح من خلال سياساته ومسلكياته, تلك “العقدة النفسية” التي تلازمه منذ احتلاله للأراضي الفلسطينية عام 1948 والتي تتجلى في محاربته للـ”المستقبل”, ربما للمفردة والمعنى الاصطلاحي أيضاً, فهو لا يريد لأي كيان في المنطقة أن يفكر بقضايا مستقبلية, وربما لا مستقبل لديه سوى مستقبل دولة إسرائيل وضمان دوامها للأبد, ولربما كانت حربه المستمرة ضد الاجيال الناشئة المتسلحة بالعلم, إدراكاً منه بخطورة سلاح العلم والمتعلمين على مستقبلها.

إن الأجيال الناشئة المرابطة على مقاعد الدراسة في الأراضي الفلسطينية, أدركت مبكراً بأن “العلم هو مكمن القوة”, وبأنه ميدان من ميادين المعركة, وهو ما تبقى من أدوات تدعّم صمود الشعب الفلسطيني على أرضه,
وقد تكون “أسماء أبو نمر” وزملائها المتفوقين فرسان في هذا الميدان وجنوداً غير معلنين أطلقوا صرخة تحدي في وجه الاحتلال, فهل نكون في مستوى التحديات ونساهم في دعمهم وإن كان بالقليل كالمشاركة في رفع معنوياتهم مثلاً؟ أم نتركهم في الميدان وحدهم .. ووحدهم فقط..؟! سؤال نترك الإجابة عليه للجمهور ولقارئنا الكريم.