شهر رمضان واستحقاقات الواجب الانساني

يستقبل المسلمون في جميع أنحاء العالم حلول شهر رمضان الفضيل, ذلك الضيف العزيز على أنفسهم, بقلوب يعمرها الإيمان, ساعين من خلال هذا الشهر إلى إجارة المستغيث وعون الملهوف, وبسط الأكف لمن يعيش حالة الكرب والضيق, وفقا لما يحملة من مضامين التواصل بين الناس.

ويجيء الشهر الفضيل في وقت تحمل فيه المعاناة الانسانية في هذه الظروف التاريخية عناوين عدة, بعد ولادة بؤر للمعاناة هنا وهناك وتأزم أخرى مزمنة, ومجملها يحمل كل المحتوى الانساني المتواري خلف الستار السياسي, فالأراضي الفلسطينية المحتلة تروي مأساتها الممتدة على مدار عشرات السنين ” أي عشرات الرمضانات” إلا أن رمضان هذا العام يأتي بألوان جديدة من المعاناة تكاد تكون فريدة من نوعها, فهنالك الحصار الجائر القابض على صدور البشر في غزة, في مشهد غير انساني ولا اخلاقي, وما لم يشهد له العالم مثيلا من قبل, في ظل طغيان اسرائيلي وتواطؤ عربي ودولي, مخلفاً ضحايا أبرياء من المرضى يسقطون يوميا, يرافقه توقف لعجلة الحياة في كافة أنحاء القطاع, بينما تتنوع المعاناة وتتشكل في الضفة الغربية وغزة من ارتفاع للأسعار وهو ما زاد الطين بلة وارتفاع لمعدلات الفقر والبطالة, وإذلال للإنسان الفلسطيني على المعابر وعلى أرضه, وجدار عازل يقسم الأوطان ويقطع الأرزاق ويسرق المياه, ويقتل الأمل في الحرية والحياة.
وفي الجعبة الكثير الكثير .. فالعراق غارق في دمائه .. والصومال تطحنه الحرب وتهدده المجاعات بسبب الجفاف, فتتنوع خيارات الموت فيه بين القتل برصاص المتحاربين أو الموت جوعاً, وفي أفغانستان يسقط المدنيون قتلى بالعشرات في العمليات العسكرية هناك, فيما تعيش البلاد نقصاً حادا في الغذاء, وفي العديد من دول العالم, ففي مصر يسقط الضحايا على طوابير الخبز وفي الأردن وباقي الدول العربية أنهك غلاء الأسعار مواطنيها مما حرمهم من توفير لحاجياتهم الأساسية وعلى رأسها الغذاء, وفي أفريقيا كذلك تتكشف أزمة الغذاء العالمي عن حالة البؤس الشديد وسوء التغذية وأوضاع مأساوية تقود إلى المجاعات في معظمها, وفي أثيوبيا تتضح الصورة جلية كمثال على ذلك.
ان نماذج البؤس والمعاناة الانسانية في العالم كثيرة بل وتكثر, وقد يكون ما سردناه سالفاً لا يعبر عن حجم هذه المآسي, ومن المؤكد بأننا لم نحصرها عدداً ولم نتعمق في تناول تفاصيلها, فالقديم منها وربما حتى الحديث له تشعبات وارتباطات تاريخية لن تتسع لها صفحاتنا هذه, ولكنا أردنا أن نقول من وراء ذلك بأن لشهر رمضان الفضل – وهو الشهر الفضيل – بأن يعطينا الدرس والعظة والفرصة للتوقف وعمل جردة حساب فيما مضى والتفكر في جوانب التقصير تجاه اخوتنا في الانسانية, لا سيما من يعيش ويلات الفقر والجوع والظلم. وليذكر المتقاعسين عن أداء واجبهم الانساني بذلك العبء الأخلاقي الثقيل. ليقول لنا في النهاية: أن لا مفر من أداء هذا الواجب, فهل نتفكر؟؟ّّ!!