القدس عاصمة الثقافة.. وماذا بعد؟

تبدو الجملة، غير مفهومة التركيب، “القدس عاصمة…” عاصمة الثقافة أو السياسة أو أي شيء آخر… هذا أمر لم نألفه واقعا على الأرض منذ أن تشكل وعينا لقضية القدس، وبالطبع قبل ذلك بكثير.

بالأمس، أعلنت السلطة الفلسطينية استنادا لقرار رسمي من الجامعة العربية، مدينة القدس عاصمة للثقافة العربية في العام 2009، لكن حملات الاقتحام والمداهمة والاعتقالات التي نفذها أكثر من ألفي شرطي إسرائيلي في القدس، أحالت الأمر إلى مجرد إعلان شكلي، بل وضعت الفلسطينيين والعرب جميعا أمام واقع معقد ومؤلم، فمصطلح “العاصمة” يحتاج إلى الكثير من العمل والإرادة وليس على الصعيد الثقافي فقط، بل على “جميع الجبهات”.

وللأسف، تبدو القدس في عامها “الثقافي الأبهى” كما هو مفترض”، في أخطر مراحل تهويدها، حيث لا تلقي بلدية الاحتلال فيها بالا لا لتاريخ يحدث حقيقتها في كل جانب ورواق، ولا لآلاف السكان الذين يحملون في قلوبهم وخزائنهم “كواشين منازلهم” و”طابو” أراضيهم، ولا تيأس بلدية “نير بركات” من إيجاد الذرائع لطردهم ومصادرة أراضيهم وهدم منازلهم.

ورغم منع الاحتلال المستند لاتفاقيات سابقة مع السلطة، خرقها ألف مرة وتناسى ذلك، بمنع أي شكل للاحتفال بعاصمة الثقافة العربية في القدس والناصرة وأي مكان يقع تحت “سيادته”، لدينا عام كامل متاح الآن لنا كفلسطينيين، ومقدسيين، وكل من تهفو قلوبهم إلى مدينة سيّجتها البنادق وحاصرتها الجدران، لكنها لم تمنع الأشواق يوما إليها…

القدس الآن، تطرح خطة عمل واضحة، وليست بحاجة للصياغة والتحديد في مشاريع وخطوات منظمة، ولكنها بحاجة إلى إرادة العمل من أجل نشر معاناة القدس وواقعها وحملات اجتثاث أهلها ووجودها وطابعها ومساجدها وقبابها وعقاراتها الإسلامية والمسيحية.

في القدس اليوم 1700 قصة عن أسر ينتظرها “العراء” مصيرا حتميا لا سبيل سواه، رغم صمودها ورفضها التخلي عن منازلها المهددة بالهدم خلال العام الجاري فقط… وللعلم، هذا رقم غير نهائي، وأمامنا عام كامل كي نسجل المزيد المزيد من “قصص انتظار العراء”.

وفي القدس اليوم، مصادرة الأراضي، سحب الهويات، وتجار يدفعون دم قلوبهم على شكل “ضرائب متواصلة ومتجددة”، وشبان فقدوا فرص العمل والترفيه ووسائل الحياة الطبيعية.
وحتى المراكز الثقافية في “عام الثقافة” لا تتوفر لهم بفعل منع المؤسسات الفلسطينية في المدينة.. ولا تعليم إلا في ظروف لا تساهم في بناء جيل “يتقن ما تعلمه”، والفقر يحدث هناك بلا حرج..

لكي تنجح القدس في التعالي على “جدران” عزلها المصطنعة، وكي تصل معاناة مواطنيها وبيوتها التي تهتزّ من تحتهم إلى كل بيت عربي، يجب أن تتوفر النية والإرادة لذلك أولا، لا أن تمضي هذه الاحتفالية بمجرد ندوة هنا وأمسية شعرية هناك.

ولأجل استثمار مناسبة القدس عاصمة للثقافة العربية أيضا في نشر قضيتها ومأساة تهويدها، نحن بحاجة لتفرغ فلسطيني من كافة الأطياف، هذا يعني أن استمرار الانقسام لن يوفر أية إمكانية لإضفاء المصداقية على دعواتنا بإنقاذ القدس… الأولى أن ننقذ أنفسنا كي نتمكن من حماية حقوقنا في المدينة والأرض والقضية عامة.. وهذه رسالة على طاولة المتحاورين في القاهرة.

وكي نجعلها عاصمة وطنية سياسة ثقافية، الأَولى بنا جميعا أن نحدد برنامجا سياسيا موحدا يوضح كيفية الحفاظ على هذه المدينة “عاصمة” وكيف يمكن وقف التهويد واقتلاع وجودنا منها، من كل الفصائل والبرامج السياسية، ولا نظن هذا يتأتي من طرحها وتقسيمها على طاولة المفاوضات السياسية، أو من خلال الغموض في طرح طريقة لتحريرها دون آليات ولا جدول زمني ذلك..!!.