بعد الحرب على غزة ..ماذا عن (النفسيات) التي تأزمت؟؟

قد يري البعض أنه من ترف الحديث أن نتناول جوانب ليست ملموسة لنتائج وآثار الحرب الإسرائلية على قطاع غزة بخلاف ما أُشبع بحثاً ودراسة وحصراً واستطلاعاً ومتابعة من جهات عدة للآثار المادية من تدمير وتجريف وخراب طال كل شيء، ولربما أنه لم يبق في غزة شيء طاله الدمار وداسته جنازير جرافات الاحتلال إلا وخضع لعملية إحصاء وتوثيق وتسجيل، واجتهدت كافة الأطراف والجهات وبعشوائية بالغة للأسف في حصر أضرار العدوان الإسرائيلي على غزة، فسجلت كل صغيرة وكبيرة، غير أن جوانب لا تقل أهمية عما ذكرناه، لم تجد الاهتمام الكافي، ولم تلق بالاً لدى الكثيرين، ونقصد هنا برامج الدعم والتأهيل النفسي لضحايا الحرب.

وقد يقول قائل إن الأمر مبالغ فيه، خاصة أن الحرب الأخيرة لم تكن الأولى التي يعيشها شعب القطاع الذي خاض الانتفاضتين ( انتفاضة عام 1987م وانتفاضة الأقصى 2000 ) ومن قبلهما سلسلة من الحروب والاحتلال الدائم للقطاع ، وبالتالي فإنه لا حاجة لمشاريع كالتي نتحدث عنها تختص بالدعم النفسي والاجتماعي لشريحة كبيرة ذاقت مرارة الحرب وطبع في ذاكرتها صوراً لا نعتقد أن أيام الدهر ستمحوها، غير أن بعض الدراسات والإحصاءات رغم قلتها تحمل أرقاماً مخيفة عن الضحايا النفسيين للحرب الأخيرة.

فالدراسات والأبحاث النفسية أثبتت أن نسبة كبيرة من سكان القطاع وتحديداً الأطفال والنساء لا زالوا يعيشون صدمة ما بعض الحرب، خاصة في ظل المشاهد المريعة للقتل وعمليات الإعدام والقصف الجماعي الذي مارسته قوات الاحتلال، وتأثير ذلك على نفسيات الأطفال والنساء وظهور أعراض أزمات نفسية لدى الكثيرين منهم دون أن يلقي ذلك اهتماماً واضحاً إلا من مؤسسات ومنظمات أهلية ومجتمعية لن تستطيع لوحدها ملاحقة الأزمة ووضع حلول لها، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن جهوداً مشتتة ودون أدنى تنسيق تبذل في هذا المجال من مؤسسات محلية تُدعم وتمول بمشاريع من مؤسسات مانحة، أو عبر مشاريع أخرى تنفذها جهات أجنبية تعمل بأجندات مختلفة في القطاع.

أخصائيون نفسيون بعضهم التقت بهم “نافذة الخير” سابقا أكدوا أن أمراضاً نفسية بدأت تظهر بين سكان قطاع غزة بعد الحرب وأن هناك الآلاف منهم “جرحى نفسيين” ويعانون من أمراض نفسية واضطرابات نتيجة معايشتهم لأحداث وصور مروعة خلال الحرب.

اغلب هذه الأمراض هي أمراض مزاجية وحالات اكتئاب وصدمات يعاني منها شرائح معينة من سكان القطاع، خاصة سكان المناطق التي شهدت المجازر والدمار”، والأمر لا يقف عند هذا الحد بل مرشح لظهور أمراض نفسية شديدة وجديدة ستتعرض لها الفئات التي رأت مشاهد الحرب.

غزة شهدت بعد الحرب وصول وفود خارجية عدة وقوافل برية وبحرية لكسر الحصار شارك فيها برلمانيون ومتضامنون وأطباء ومتبرعون أجانب وعرب بالمال والدواء والغذاء غير أن ما تفتقده حتى الآن وفود وخبرات تختص بإدارة الأزمات النفسية وتقديم الدعم والتأهيل النفسي، تشارك إلى جانب الخبرات الفلسطينية الموجودة في القطاع التي أثبتت نفسها في وضع حد لآثار الحرب على نفسيات من عايشوها ورأوا ما لم يراه أحد ممن يراقبون غزة عن بعد، وأخشى أن تكون نتائج امتحانات نهاية العام الدراسي التي ستعقد نهاية الشهر الجاري لمراحل مختلفة من طلاب المدارس في القطاع تليها امتحانات الثانوية العامة بداية يونيو المقبل، بمثابة ناقوس الخطر الذي يُقرع لتنبيه المسئولين، بأن هناك ما يستحق الاهتمام ويستدعي المتابعة وتوفير الميزانيات ورصد الأموال حتى لا نستفيق ونجد أنفسنا أمام نفسيات تعبة قد لا تكون مهيأة لحرب جديدة – لا قدر الله – تدق طبولها من الآن في دولة الاحتلال التي باتت العنصرية والتطرف تسيطر عليها أكثر فأكثر.