لم تكن وجهتي إلى القدس ببعيدة..90 كلم وكنت على حدودها التي ارتسمت بالجدار..ساعتين ونصف وأنا اردد الآية الكريمة “وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ”..وادعوا الله عز وجل بان يطمس على عيونهم.
مرت ساعات والآلاف ينتظرون السماح لهم بالدخول للوصول إلى المسجد الأقصى..عجائز افترشوا الأرض وصغار ارتموا في أحضان أمهاتهم يلهون من شدة التعب بحصى الحاجز. مرت دقائق وتعالت أصوات الجنود “اتسور لكنيس..ءين تبلليه هيوم..ممنوع الدخول..ما في صلاة اليوم”.
حاولت أن ادخل من منفذ آخر..ولكن كثرة البوابات “لفلترة” الداخلين كانت أجدى بان تطردني خارج تلك الحدود..استأذنت احدهم بان يتكئ علي حتى أدخل معه.. وان اشغل نفسي به لعل الجندي لا يتنبه إلى عمر ميلادي بالهوية.. ولكنه صرخ بوجهي بلكنته العبرية المقيتة ” لما يصير عمرك 45 ارجعي”..
محاولات عدة باءت بالفشل..دقائق وبدأ الجنود بالهجوم على المواطنين..تعالت الأصوات والصراخ..هرولت مبتعدة ..كان الجنود قد اعتدوا على المتواجدين بعصيهم وهددوا باستخدام الأعيرة النارية..ومنهم من قد أصيب بأحد بنادقهم..وحالات اختناق حصلت بسبب إلقاء القنابل الغازية علينا.
انتظرت.. شارفت الشمس على الغروب وأنا على الحاجز..أكثر من خمسين دقيقة مرت..وودت لو أنها سنين..لكان عمري سمح لي بان أصل إلى باحاته..والثم ترابه..سنوات مضت وأنا أرنو بعيني كل صباح اتجاهه..انتظر بشوق أن أصلي في رحابه..وان أتأمل أيقونات روعة المكان..جدرانه وسقفه..وكل منحوتة فيه..آيات قرآنية رسمت بماء الذهب ..إبداع المكان..وروعة روحانياته..تلاقت بسمائه الطاهرة والمباركة..
ذرفت دموعي وأنا انتظر..فقدت الأمل..وفقد معي الآلاف ذلك..ودعته من بعيد..أصبح كالحلم..لم اسمع سوى نبضات قلبي الخافق..في تلك اللحظة..وصوت محرك السيارة العائدة بي إلى مدينتي الصغيرة نابلس..ونسائم عبير القدس التي تركتها خلفي سكنت بداخلي..شوق يعتريني خلفته ورائي هناك..ووعد بان أعود..حفرته على البوابة الإسمنتية..مع محاولة جديدة..لأصلي بالقدس.
جمعة يتيمة قادمة..وأمل يتيم يتوافد به آلاف المصلين إلى الحاجز..علهم يسجدون بباحاته المباركة بالشهر الفضيل.
فمنذ سنوات طويلة تمنع إسرائيل السماح لأهالي الضفة الغربية بدخول مدينة القدس، إذ وضعت شروط لذلك، حيث يسمح فقط بدخول الرجال من هم بعمر 50 عاما وما فوق، وللنساء من سن 45 عاما وما فوق، أو لحملة التصاريح الخاصة من الإدارة المدنية.
مخاطر عديدة تتهدد القدس..وممارسات على الأرض..لإقصاء الفلسطينيين عنها..ولطمس الهوية الفلسطينية والعربية فيها..فضمن مخطط القدس الكبرى.. يهدف الجدار إلى تقليص نسبة العرب فيها إلى 12% مقابل 88% من اليهود، وبناء 50 ألف وحدة سكنية استيطانية، والتهام 10% من مساحة الضفة الغربية، والى طرد المزيد من المقدسيين من بيوتهم.
ثكنة عسكرية تتحول القدس أزقتها وشوارعها وكل ما فيها في كل جمعة وفي الشهر الفضيل لتمنع الصلاة هناك..ويمنع الآذان من العلو في سماءها..وتكمم أصوات أجراس الكنائس..فلا صلاة في القدس والاحتلال فيها.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68685
