على بعد خطوات من فلسطين

 

"لم يغمض لي جفن، وأنا أنتظر طلوع النهار لكي أذهب في إحدى الحافلات إلى فلسطين"، تقول الحاجة "أم ناصر"، 83 سنة، بلهفة وشوق. تلمع عيناها بالدموع وتتراءى أمامها ملاعب طفولتها في فلسطين، وكأنّ الأرض تسكنها بكامل تفاصيلها، وتحتفظ ذاكرتها بمدرستها ومنزلها. تغمض عينيها وتعيش في عالمها متناسية ً وجود عشرات الآلاف من الفلسطينيين حولها: "أتنشق نسيم فلسطين وأشجارها.. وزيتونها.."، وكانت تشرح لأولاد أحفادها كيف سلكت تلك الهضاب والتلال من الجليل الأعلى الى مارون مع بقية أفراد أهلها وبلدتها منذ 63 عاما ً.
 
كانت تسلك الدرب نفسه الذي سلكته يوم كانت في العشرين من عمرها، وعلى رأسها صرة وبيدها تجر ابنتها بينما ابنها الرضيع كان يبكي بين أحضانها. الحاجة "أم ناصر" لم تكن تمشي قبل مسيرة العودة، وكانت تمضي أيامها ولياليها إما ممددة على فراشها أو جالسة ً على كرسيها المتحرك، لكنها أبت إلا أن تمشي بخطاها البطيئة مستخدمة ً العصا للمشاركة في مسيرة العودة هي بمثابة حلم طال انتظاره لرؤية تراب الوطن.
 
"أم ناصر" هي مشهد من صورة واحدة جسّدها أهالي مخيمات الشتات بذكرى النكبة في "مارون الراس" التي احتضنت عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين كانوا على موعد خاطف مع فلسطين اختلطت فيه مشاعر الغضب بمشاعر الألم والحنين، ما لبثت أن تحوّلت إلى مشاعر اعتزاز وفخر. 
 
أميال قليلة فصلتهم عن فلسطين.. وكان من الصعب عليهم أن ينظروا إلى فلسطين عن بعد من دون أن يدخلوها.. أمضوا فيها ساعات معدودة لم يشبعوا من اشتمام عبق فلسطين.. تلك شابة تحمل منظارا ً لترصد فلسطين عن كثب.. وذاك طفل ٌ مقتنع أنه سيذهب إلى فلسطين مؤكدا ً بالقول: "رايحين على فلسطين.. رح نسافر على بلدنا".
 
وقفوا كبارا ً وصغارا ً يكحلون عيونهم بهضاب فلسطين وسهولها وجمالها وإشراقتها، يرمقونها بنظرات حب وتوق، في لقاء بصري أيقظ شوقا ً عميقا ً من ذاكرتهم، بينما نظرات الامل تلمع في الوجوه كأنهم يقولون أنهم لن يبقوا لاجئين إلى الأبد.
 
رغم كل مشاعر الألم، لا تزال تلوح لحظة أمل بالعودة إلى الوطن، مهما توالت السنوات وتعاقبت الأجيال، طالما أن هناك شعبا ً يقاوم في الداخل والشتات، وطالما أنّ هناك أجيالا ً تحتفظ بما ورثوه من ذاكرة أجدادهم، وطالما أنّ هناك شبابا ً عربيا ً يؤمن بعدالة القضية الفلسطينية وحق العودة.
 
ما جرى في الذكرى الثالثة والستين للنكبة ليس مجرد احتفال في ذكرى النكبة. الشهداء والجرحى الذين سقطوا لن يكونوا مجرد أرقام، بل لعلّ ما جرى يكون مقدّمة لثورة عربية تحاصر فلسطين من كل الجهات لاسترداد الأرض إلى أصحابها.