العائلات النازحة بحاجة إلى من يهتم بها
تخاطفوا حصص الخبز والكعك من يديّ، ومزّقوا الأكياس بسرعة، وصاروا يأكلونها بنهم… .هذه ليست مقدّمة مشوقة لفيلم درامي، بل هذا واقع يعيشه آلاف الأطفال النازحين السوريين في لبنان، حيث استقبلوني بعيونهم البريئة المليئة بالدموع وتمسحوا بي كالقطط الصغيرة، فوجدتني أقف للحظة، ولن أنسى هذا المشهد طالما حييت: فأية ضحكة طفولية ستنشقّ عنها أفواه الجياع؟
قد تتساءلون أين والدة هؤلاء الأطفال الخمسة الصغار؟ إنها واقفة هناك على باب إحدى المستشفيات التي ترفض استقبالها، بينما في بطنها جنين ميت، قد ينشر السم في جسمها! ولولا تدخّل الهلال الأحمر القطري لما رجعت تلك الأم إلى أطفالها!
كثيرون هم من أمثال تلك العائلة التي ترسم صورة لا يقبل الإعلام برسمها. الإعلام يتجاهل كليا ً معاناة النازحين معتبراً الموضوع سياسيا ً، وهناك قنوات إخبارية تعلن أنّ الأمن مستتب في سوريا، وأنّ النازحين عادوا إلى ديارهم!
الواقع مغاير تماما ً! آلاف الأسر السورية نزحت إلى عكار، تبعثرت في وادي خالد وقرى عكارية متاخمة للحدود، لجأت إلى منازل عائلات لبنانية أفقر منهم، يعيشون على الهامش، بعيدا ً عن أساسيات العيش البسيطة.
مَن ينزل إلى الميدان مباشرة ً، ويقابل آلاف النازحين المكتظين في بيوت أهالي عكار، يدرك أنّ النازحين يعيشون أياما ً حالكة بالعَوَز والمهانة. قابلتُ المئات من النازحين السوريين في لبنان، وقرأتُ الحزن الدفين في وجوه مَن التقيتهم، ولمستُ الألم في أحاديثهم، وشاهدتُ صورا ً مريرة لن تخطئها الذاكرة ولو بعد عشرات السنين: صور سودواية لأم تستخدم ورق الجرائد بدل الحفاضات لابنها الرضيع.. صور لمريض غسيل كلى يُحرم من الذهاب الى المستشفى لتلقي العلاج.. صور لامرأة حامل على شفير الولادة لكن المستشفى ترفض استقبالها… صور لأطفال يبكون جوعا ً وحرمانا ً.. صور لرضيع يشرب حليب مخصص للكبار، بينما بطنه متحجرة.. صور لمسنة تناشد طلبا ً لكرسي متحرك.. وصور لمسن مبتور القدمين يستنجد بفرشة..
إنّ الاطفال والنساء والمسنين هم الاوفر نصيباً من الآلام والمظالم والصعوبات التي تتعرض لها الانسانية في عكار.. والنازحون السوريون يعيشون في كآبة معتمة، بينما انطفأ الحلم والمرح من عيون أطفالهم البريئة..
حياة إطارها المآسي والدموع، والأطفال الذين صودرت فرحتهم يبحثون عن الخير الذي قرأوا عنه في كتب التربية الدينية ضمن درس قيم التكافل والتراحم، بينما نظرات العجز وشحوب وجوه الأمهات تحاصرك!
لم أجد في حياتي شعبا ً متعففاً إلى هذه الدرجة.. لم يتعودوا أن يركعوا تحت أقدام العوز والمهانة والجوع والمرض، قابلتُ مئات الأسر التي رفضت استلام المعونات الإغاثية منا إلا بعد اصرار ٍ كبير.. وكم هو من مشهد مؤلم عندما ترى دموعًا غزيرة تنحدر على وجوه أفراد العائلة بصمت، يحاولون أن يتعايشوا مع كل هذا الوجع بسرية ووقار، في حين تنفجر عيونهم بلا إرادة بالكثير من التساؤلات: لماذا نحن هكذا؟ ما هو ذنبنا؟ أين منظمات حقوق الإنسان التي نسمع عنها؟
يعيشون على الهامش بعد أن اتـُخذ قرارا ً بأنّ الوضع هناك سياسي! إذا كان جوع الطفل أمرا ً سياسيا ً، وإذا كان حرمان أم تحوي جنينا ً ميتا ً في بطنها من العلاج أمراً سياسيا ً، وإذا كان حشر 60 شخص في منزل واحد أمرا ً سياسيا ً.. إذا ً فإنّ الموضوع كله سياسي بحت!
ليس النزوح وحده هو الذي سلب فرحتهم، بل التجاهل الكبير تجاههم هو الأقسى.. ولولا شهامة أهالي عكار لمات السوريون من البرد والجوع.. ولولا التفاتات كريمة من مؤسسات لبنانية وقطرية وتركية، لكان الوضع أكثر مأساوية..
الأطفال السوريون في لبنان يحلمون بالألوان المشرقة بعد أن عانوا الرعب في وطنهم.. فهل هناك من يأخذ بأياديهم الطرية إلى فضاء جميل يحمل الحب، ومزيّن بحكايات وضحكات ؟
المال غير موجود .. والأمان غير موجود .. حتى الأمل أوشك أن يغيب… مصيرهم يبقى مجهولاً، يستصرخون بصمت الضمائر الحية ومنظمات حقوق الإنسان، فهل من آذان صاغية؟
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68771
