وقـود كهـرباء= حيـاة غـزة

ازمة الوقود مستمرة بالقطاع

ليالٍ مظلمة باردة وقاسية تمر أيامها وساعاتها ودقائقها بطيئة كسلحفاةٍ عاجزة على قلب أهل غزة.. فنورها قد غاب وانقطع بالكامل إلا من ضوءِ وحيد قادم من السماء ينبعث من القمر يواسي أهل القطاع ويربط على جراحهم الغائرة…
 
ليالٍ حوت مشاهد تنطق وحدها دون حاجة لريشة فنان أو قلم أديب… ففي كل بيتٍ وشارع ثمة قصة وحكاية تتشابه أنفاسها في رائحة الألم والمعاناة…
 
فمنذ أكثر من أسبوع تعيش المدينة في ظلامٍ دامس فلا كهرباء تنير عتمتها ولا وقود يدفئ صغارها.. ولم يجد الأهالي مفراً من العودة إلى العصور الحجرية بدءاً بالحطب والشموع ليستطيعوا ممارسة حياتهم المبتورة والمظلمة.. وليبقوا على قيد النفس مزيداً من الوقت.
 
ولا تكف ألهبه النار المصحوبة بدخانٍ أبيض من الانبعاث من كل سطح بناية وزاوية شارع في غزة.. أراد سكانها التماس الدفء للاحتماء من البرد العاصف ولسعاته القاسية في غياب أجهزة التدفئة… وأيقنوا أنه لابد من العودة إلى عصر "كانون النار" وإلا ماتوا تجمداً وبرداً.
 
إن كانت ليالي غزة تمر وكأنها قرن بكل تفاصيل قسوتها وجعها فإن نهارها لا يختلف كثيراً… فالمحظوظ هو من يتعثر بسيارة تقله إلى مكان عمله فالحافلات والمركبات العمومية بالكاد متواجدة في شوارع القطاع… وطلاب الجامعات والموظفون يصطفون في طوابير بانتظار من ينقذهم ويقلهم..
 
وللمرضى في مستشفيات القطاع حكاية من نوعٍ أخر فهم يتجرعون الموت في كل دقيقةٍ وثانية.. فجولة صغيرة داخل أروقة مستشفيات غزة كانت كفيلة باختصار المشهد المأساوي.. فالأطباء عاجزون يشاهدون مرضاهم وهم يموتون ببطءٍ أمامهم… العمليات متوقفة.. ومن يئنون على أسرة المرض باتوا يتمنون الموت في اليوم مائة مرة.. والواحد فيهم ينظر إلى الآخر: "تُرى أي الأرقام سأحمل؟؟"…
 
ولا يجد أهالي قطاع غزة مفراً من استخدام المولدات الكهربائية للحصول على الكهرباء المقطوعة عنهم بسبب الحصار الإسرائيلي والتعنت المصري الذي لا يسمح بإدخال الوقود اللازم لتشغيل محطة الكهرباء المتوقفة عن العمل منذ أيام.. إلا أن الأمر أصبح صعباً فالحصول على الوقود لتشغيل المولد بات من "الأحلام".
 
وبالرغم من شحه لدى محطات الوقود إلا أن المواطنين يدفعون أضعاف الثمن للحصول عليه لممارسة حياتهم المتوقفة.. وبسبب انتشار المولدات في غالبية البيوت والمحلات التجارية وامتلائها الشوارع تسارعت أرقام حوادث الاختناق والحرائق, الأمر الذي ملأ نفوس المواطنين بالرعب والخوف من موتٍ قادم لا يمكن الاستغناء عنه.
 
وأمام الأزمات المتلاحقة والمتواصلة التي يعيشها أهالي قطاع غزة الذين تشبعوا بكميات هائلة من الوجع والقهر تبقى الإستفهامات تتأرجح في الأذهان: " هل سنبقى قادرين على التحمل أكثر؟؟!! وهل غزة أبعد مما تكون عن فك حصار؟؟".