مصر.. شرعية الفقراء

مظاهرات رافضة للإنقلاب على الشرعية في مصر- أرشيفية

تمثل حالة الاقصاء لأكبر المكونات السياسية في مصر مثالاً واضحاً لإقصاء نظيرتها الإجتماعية والثقافية، حيث يتجسد ذلك في تغييب الحس والإرادة الشعبية للسواد الأعظم من المجتمع المصري، عقب انقلاب 3 يوليو 2013.
 
ولا يغرينا الخوض هنا في الضجيج السياسي المستعر الآن في أرض الكنانة، وإنما يهمنا إرسال بعض من الوميض لبقعة معتمة، دائماً ما جعلها كثير من الساسة على درجة متأخرة من سلم الأولويات حينما يشتد وطيس المعارك السياسية.
 
إنها حقوق المسحوقين ورغباتهم واختياراتهم في من يمثلهم ويقودهم نحو الخروج من جحيم الفقر، إلى فضاءات تصل بهم إلى الاحساس بالثقة في مستقبل أفضل يحيا فيه أطفالهم في مأمن إقتصادياً واجتماعياً.
 
وبينما لا يخفى على أحد بأن الفقراء في مصر يمثلون الأغلبية الساحقة إجتماعياً، ومن ثم فهم من يوصل – في الأحوال الطبيعية- ممثليهم ونخبهم السياسية إلى سدة الحكم، في وقت من المفترض أن يتصدر فيه الملف الإقتصادي كومة الملفات على طاولة الإصلاح والتنمية، إلا أن الأحداث التي أعقبت الانقلاب، لم تقلب معها الأوضاع السياسية فحسب لتحولها من الشرعية إلى اللاشرعية، بل قلبت أيضاً رأساً على عقب وأجهضت طموحات وآمال المصريين الفقراء في غد أفضل وواعد.
 
تراجع على اثر ذلك صوت الفقراء الذين هتفوا في ثورة 25 يناير من أجل حياة جديدة تحمل ملامح النهضة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية..وغير ذلك، ليحل محله صوت هدير الدبابات والمدرعات والرصاص.
 
ولم يكن اختيار الفقراء المصريين لشرعيتهم المنقلب عليها اعتباطاً، فهم يعرفونها جيداً، ولم تكن منفصلة عنهم بأي حال من الاحوال، بل جاءت من بين ظهرانيهم، فقد عاشت معهم تقف في الصفوف الأمامية لمحاربة الفقر والعوز والجهل حتى أصبحت جزءً من ثقافتهم ونسيجهم المجتمعي.
 
شيدت هذه الشرعية خلال عقود طويلة مضت مؤسساتها الاجتماعية والخيرية، المشهود لها بالنزاهة والفاعلية، لتكون بديلاً عن الدور الغائب للدولة "المباركية" في حماية الفئات المستضعفة من أبناء الشعب المصري من معوزين وأرامل وأيتام ومعاقين..الخ، بعد أن غيّب دور الدولة الفساد الذي طال كل مناحي الحياة، ليصل إلى قوت الفقراء، ومستقبل أبنائهم، وقيمهم الإجتماعية.
 
أطلقت الشرعية بعد وصولها إلى السلطة برنامجاً تنموياً ونهضوياً على كافة المستويات، تمكنت أن تحقق في فترة وجيزة لا تتجاوز العام انجازات كبيرة وملموسة، بات المواطن المصري يعرف حجمها وأهميتها اليوم عقب الانقلاب، على الرغم من تزوير الانقلابيين للحقائق وبراعتهم في المجادلات.
 
ومع تسجيل الاقتصاد المصري اليوم لمؤشرات غير مسبوقة من التراجع والانحدار يؤكدها بشكل يومي اقتصاديون ومسؤولون مختصون، ربما جاء الزمن الذي بات المواطن المصري يأسى فيه على زمان مضى، ولعله بدأ اليوم يعي صدق كلمات الرئيس "الشرعي المنتخب" محمد مرسي حين وقف يعدد إنجازات حكمه خلال أقل من عام، من ارتفاع لمعدلات النمو الحقيقي، وارتفاع لإجمالي الاستثمارات في البلاد، وزيادة أجور العاملين، فضلاً عما تحقق من فائض في الميزات التجاري في عهده.
 
لم يحرم الانقلابيون الشعب المصري من شرعيتهم السياسية فحسب، وفي مشروع تنموي نهضوي كان سيغير وجه البلاد، ويمنحه الاشراق الذي غاب عنه منذ زمن طويل، بل حرمهم من الحلم في حياة أفضل تزيح عنه كوابيس لطالما لازمته، بعد أن عانى الجوع والفقر والبطالة، وضاقت فيه الأرض ليسكن المقابر والعشوائيات.