جدلية أخلاقيات الصورة في العمل الخيري

أرشيفية

تتسع بشكل كبير هوامش الاستفادة من التقنيات الإيضاحية والإعلامية الحديثة، وتوظيفها لتطوير أنماط العمل الخيري والإنساني، الذي يتطور بدوره كأي قطاع حيوي مجتمعي بات من المفترض والواجب أن يستفيد من الوسائل والتقنيات الحديثة، من أجل استمراريته وتجذره كقطاع إغاثي وتنموي لا يمكن الاستغناء عنه في أي مجتمع كان.
ومع هذا الاتساع المشار إليه سالفاً لاستخدام التقنيات الحديثة في العمل الخيري والإنساني، انفتحت ربما أبواب من النقاش والتأويل والبحث في منطقية ومعيارية استخدام بعض هذه الوسائل لتحقيق القدر الأكبر من المصداقية والكفاءة للمؤسسات الخيرية، العربية والإسلامية منها على وجه التحديد، وصولاً لغايات عدة من أهمها التعريف بأداء وأنشطة هذه المؤسسات.
وفي الجزئية المتعلقة باستخدام الصورة تحديداً للتأكيد على موثوقية وصول أموال المتبرعين إلى مستحقيها بالدرجة الأولى، فإن آراءً قد تختلف، وأخرى تتطابق أو تتقاطع حول هذه المسألة لا سيما فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي من إظهار صور شخوص المعوزين المستفيدين من التبرعات ما يحيل بالتالي إلى تعميمها على قطاعات واسعة من المشاهدين للوسائل الإعلامية على اختلاف تصنيفاتها وتوجهاتها.
وتدفع إساءة الاستخدام لخاصية التصوير الفوتوغرافي، أو الفيديو، من خلال إبراز المعوزين والفقراء أثناء تلقيهم للدعم والمساعدة، أو التبرع، فريقاً إلى تبني فكرة إعادة النظر في عملية التصوير، ووضع المعايير المهنية والأخلاقية بغية ضبطها حتى لا تتغول على كرامة الفقراء، وحقهم في حفظ ماء وجوهم عند استلام التبرعات، خاصة وأن هنالك ثقافة مجتمعية يخشاها الفقراء المتعففون، لا تزال موجودة في مجتمعاتنا، تصل أحياناً إلى النظرة الدونية للفقير والمعوز ممن يمد يده لأخذ المساعدة أياً كانت قيمتها وشكلها.
ولعل هذا الرأي يحظى بالكثير من الوجاهة من الناحية النظرية خاصة وأنه يعبر عن وجهة نظر عميقة، تمتد في جذورها إلى نمطية التفكير السائدة في مجتمعاتنا التي تصل إلى حد نبذ الفقراء الذين يجاهرون بقبول التبرع الزهيد على وجه الخصوص، وربما بدرجة أقل في النظر لهذا الفقير بعين الترفع والاستصغار.
كما أن بعض الممارسات والأخطاء التي ترتكبها جمعيات غير متمرسة أو ليست ذات خبرة ميدانية في مجال العمل الخيري وأبعاده الإنسانية، قد تدفع لتبني وجهة النظر تلك، في وقت تجهل فيه هذه المؤسسات (قليلة الخبرة) الكثير من أبجديات العمل الخيري، وامتهانه كمهنة دون الخوض في أدبياته وثقافته وضروراته، حيث أن عمل المؤسسة الخيرية لا يقتصر على إيصال المساعدات والتبرعات من المتبرع للمعوز المستفيد فحسب، بل هو حالة إجتماعية تكافلية يحتاجها بني البشر كي تبقى مجتمعاتهم نابضة بالحياة والعطاء والطمأنينة، والتقدم نحو الأفضل في مناخات من الثقة بين أفراد المجتمع كافة.
ويذهب فريق آخر في اتجاه الحاجة إلى عدم امكانية الاستغناء عن استخدام الصورة الثابتة والمتحركة للتعريف بالأنشطة الخيرية للمؤسسات باعتبارها وسيلة سريعة وعملية وفعالة تسهم بقسط كبير في إقناع المتبرع، ولكن ليس بأي ثمن، حيث يطالب هذا الفريق بضرورة التعامل مع هذه المسألة الحساسة إجتماعياً ونفسياً بحكمة ورشادة العقل، إنطلاقاً من تغليب مصلحة المستفيد (المحتاج أو الفقير) على مصلحة المانح أو المتبرع، وفي حال تعارض المصلحتين يجب تقديم مصلحة الطرف الأول على الثاني.
وفي حين يطرح هذا الفريق حلولاً لمسألة الحساسية الإجتماعية في تصوير المتلقين للتبرعات تتلخص في ضرورة التفريق بين تصوير المشروعات والبرامج، وبين تصوير الأشخاص المستفيدين، حيث يمكن في حالات كثيرة التركيز على تنفيذ الاولى دون الحاجة للثانية، فإنه يؤكد على أن مسؤولية المؤسسة الخيرية تشمل ايضاً الارتقاء بوعي الجمهور وليس الانجرار خلف التقاليد الرائجة والدارجة، ومثال على ذلك تقليد جمع التبرعات لصالح الأشخاص ذوي الإعاقة، موضحاً بأن ذلك كان يتلخص بإثارة الشفقة عليهم، بينما الأصح هو بتأكيد فرصتهم في تجاوز صعوبات الإعاقة دون حشرهم في خانة الضعف والشفقة.
ويدلل هذا الفريق على موقفه بالتأكيد على دور المؤسسة الخيرية القائم في الأساس على فكرة المساعدة على تحسين الأوضاع وجبر الأضرار، بينما لا يجوز بحال من الأحوال جبر الضرر المادي، وفي مقابل ذلك إحداث ضرر معنوي ونفسي وانتهاك معايير ادبية وأخلاقية، لمجرد مجاراة رغبات ساذجة عند قطاعات من المانحين.
ويؤكد في معرض طرحه للفكرة بأن المؤسسات الخيرية ذات المهنية والانضباطية العالية قد عودت الناس على وسائل متجددة تمارس من خلال سلوك سوي وعقلاني، حيث استطاعت في إطار ذلك الوصول إلى تكييف الناس بالتدريج مع طرائقها في العمل، فيما تعمل في سياق ذلك على توعية الجمهور بالتزاماتها الأدبية والأخلاقية و"معايير الجودة" في أدائها.
بلا شك أنه لا غنى عن مواكبة التطوير والتحديث لأدوات العمل الخيري والإنساني من خلال الاستفادة من وسائل تكنولوجيا العصر سريعة الإيقاع، طالما أنها تخدم القطاع الخيري كغيره من القطاعات الحيوية في المجتمعات باتجاه تحقيق الغايات منها..وفي المقابل لا يمكن التقليل من أهمية التعامل مع هذه الوسائل في إطار منظومة قانونية وأخلاقية ومهنية وعقلانية، إضافة للانضباطية العالية، حتى لا يتحول العمل الخيري إلى حالة منفرة، نتيجة ممارسات بعض المستهترين الدخلاء عليه، بدلاً من تكريسه كأسلوب حياة ونمط أخلاقي وإنساني تكافلي يهدف إلى رفعة الإنسان والارتقاء به إلى الصورة الأكرم التي وضعه فيها البارئ جل وعلا، حين قال عز من قائل: "ولقد كرمنا بني آدم".