تعبيرية
لا أخفيكم سرا أنني لا زلت مبهوراً أمام ما قام به "بل جيتس" (1) ورفاقه من أثرى أثرياء العالم قبل عامين؛ فقد قاموا بالتبرع بكل أموالهم تقريباً في أوجه الخير التي تدعمها الجمعيات الخيرية والمؤسسات المعنية بالشأن الإنساني المتراجع حول العالم، ولا زلت أبحث وراء الأسباب التي دفعتهم لذلك، رغم أنهم ربما ليست لديهم تلك التعاليم والدوافع الحقيقية التي تحضهم على مثل هذا العطاء الضخم، مثلما لدينا في تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، في ظل تراجع الدور الحقيقي للمؤسسات الدينية هناك، وفي ظل الطبيعة والحياة المادية التي تحياها المجتمعات الغربية بكل صرامتها وحدتها.. وتتزايد الدهشة عندما يبحر المرء في أعماق التاريخ الإنساني، فيجد أن البخل والشح والإقتار هو سنة السابقين من الأثرياء في التاريخ الإنساني، ويشهد على ذلك ما نقله القرآن الكريم على لسان قارون في قوله تعالى: ((قَالَ إِنّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىَ عِلْمٍ عِندِيَ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنّ اللّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)) (2) .. إلا من رحم الله.
العطاء الضخم سنة المسلمين الغائبة التي لم ينكرها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
ومن المعلوم أن العطاء أو التبرع بالمال كله سنة إسلامية استنها الرعيل الأول من المسلمين من صحابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي مناسبات متنوعة في التاريخ الإسلامي، فعن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: "أمرنا رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نتصدّقَ، فوافقَ ذلكَ مالا عندِي، فقلت: اليومَ أسبقُ أبا بكرٍ إن سبقتهُ يوما، فجئتُ بنِصْفِ مالي، فقال رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ما أبقيتَ لأهلِكَ؟ فقلت: مثْلَهُ. وأتى أبو بكر – رضي الله عنه – بكُلّ مالهِ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ما أبقيتَ لأهلكَ؟ فقال: أبقيتُ لهمُ اللهَ ورسولهُ. فقلت: لا أُسابقكَ إلى شيء أبداً" (3). فلم ينكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليهما عطاءهم أو صدقاتهم؛ فكان ذلك إقراراً وتشريعاً وسنة من سنن الإسلام، حتى وإن اختفت في هذا الزمن.
ولكن تبقى التجربة المعاصرة التي قام بها "بل جيتس" ورفاقه بحاجة حقيقية للدراسة، بما لها من آثار، وما وراءها من دوافع، ولعلها تلهم الجيل الحالي من المسلمين، الذين غابت عنهم هذه السنة الإسلامية، رغم كثرة أموالهم وفقر المسلمين ومعاناتهم في ربوع العالم. ودعونا نتفق من خلال التفسير الأولي لهذه التجارب الملهمة من السلف الصالح، وممن يقلدهم من غير المسلمين، أن العطاء هو أحد أسباب الرضا وجلب السعادة للمتبرع ( خصوصاً )، وهو ما اتفق عليه أغلب الفلاسفة، فقالوا إن سعادة الإنسان في العطاء أحلى من سعادته في الأخذ(4)، وإن للعطاء لذة تفوق لذة الأخذ لمن أدرك الدلالة، ولا يفقه ذلك إلا من أعطى بلا حساب، وسما بالعطاء إلى مراقي ومراتب التضحية (5) بالمال كله، وبالنفس إن دعت الحاجة.. كما أن من أسباب السعادة أن يكون المرء سببا في إسعاد الآخرين من المنفق عليهم من الفقراء والبائسين والمعوزين، وغيرهم من الفئات المحتاجة؛ فالعطاء سعادة للذات، ومرضاة للرب، وإسعاد للغير.
شكل السعادة التي يحققها العطاء:
والسعادة لها دليل معنوي وإحساس داخلي للمتبرع المنفق، وهي الشعور باعتدال المزاج، والشعور بالرضا والإشباع وطمأنينة النفس وتحقيق الذات، والشعور بالبهجة واللذة والاستمتاع (6)، والسعادة النابعة من العطاء تجلب الحسنات، والحسنات لها دليل مادي، ودليلها المادي ضياء في الوجه، ونور في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق (7)، فالحسنة بعشر أمثالها؛ لقوله تعالى: ((مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)) (8)، وأمثالها لا تتوقف على أنواع معينة ما دامت خزائن الله مملوءة، ومن رزق السعادة(9) في الدنيا بعطائه فله سعادة تبلغه الخلود في نعيم الآخرة، قال تعالى: ((وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)) (10). فهل أدرك "جيتس" ورفاقه هذه السعادة، وفي عالمنا ومن بيننا الكثير من التعساء الذين بين أياديهم الأموال يكنزونها ويعيشون في كدر وبؤس؟!
منتهى السعادة أن يحقق العطاء السعادة لدى الآخرين:
إسعاد الغير له أسباب كثيرة ومتنوعة، وإسعاد المسلمين، لا سيما من الفقراء، من الأعمال التي يحبها الله تعالى، بل هي أحب الأعمال إلى الله تعالى، فعن عبدالله بن عباس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( إنَّ أحَبَّ الأعمالِ إلى اللهِ بعدَ الفرائضِ إدخالُ السُّرورِ على المُسلِمِ )) (11) . وإسعاد المسلم الفقير بالعطاء من الأشياء التي توجب المغفرة من صاحب الرحمات والمغفرة؛ فعن جابر بن عبدالله ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( إنَّ مِن موجباتِ المغفرةِ إدخالَك السُّرورَ على أخيكَ المسلِمِ، وإشباعَ جَوعتِه، وتَنفيسَ كُربتِهِ )) (12).
وعن عبدالله بن عمر قال: قيل: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ العبادِ أحبُّ إلى اللَّهِ؟ قال: أنفعُ النَّاسِ للنَّاسِ. قيلَ: فأيُّ العملِ أفضلُ؟ قال: إدخالُ السُّرورِ على قلبِ المؤمنِ. قيلَ: وما سرورُ المؤمنِ؟ قال: إشباعُ جوعتِه، وتَنفيسُ كربتِه، وقضاءُ دينِه، ومن مشى معَ أخيهِ في حاجتِه كانَ كصيامِ شَهرٍ واعتِكافِه، ومن مشى معَ مظلومٍ يعينُه ثبَّتَ اللَّهُ قدميهِ يومَ تزلُّ الأقدامُ، ومن كفَّ غضبُه سترَ اللَّهُ عورتَه، وإنَّ الخلقَ السَّيِّئَ يفسدُ الأعمالَ كما يفسدُ الخلُّ العسلَ " (13). فقدموا عطاءاتكم لتنالوا السعادتين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولا تدخروا من أجل أن تسعدوا وتُسعدوا أموالاً ولا جهداً.
والله من وراء القصد .. ،،
المصدر: مداد
مراجع:
] -1 وليام هنري غيتس الثالث، المشهور باسم بيل غيتس، وبيل هو اختصار لاسم وليام في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو رجل أعمال ومبرمج أمريكي ومحسن، وهو أغنى شخص في العالم. ويكيبيديا الميلاد: 28 أكتوبر، 1955، سياتل، واشنطن، الولايات المتحدة.
[2] – سورة القصص، آية رقم : 78.
[3] – المجموع شرح المهذب، للنووي: 6/236، حسنه الألباني من صحيح أبي داود (1678)، ومن صحيح الترمذي (3675).
[4] – مقال للدكتور عمرو خالد بعنوان: (لذة العطاء)، المصري اليوم / العدد (1549) 9/9/2008.
[5] – من مقال د . فايز أبو شملة (لذة العطاء)، صحيفة فلسطين، بتاريخ 1/2/2010.
[6] – سيكولوجية السعادة، تأليف: مايكل أرجايل، ص2.
[7] – الجواب الكافي لابن القيم (عن عبد الله بن عباس)، 1/54.
[8] – سورة الأنعام: آية 160.
[9] – تفسير الطبري: 15/486.
[10] – سورة هود : آية رقم : 108.
[11] – المعجم الأوسط ( 8/45)، مجمع الزوائد للهيثمي ( 8/196)، ضعفه الألباني بالسلسلة الضعيفة ( 2163).
[1] – حلية الأولياء ( 7/95)، أنكره الألباني بالسلسلة الضعيفة (3206).
[1] – حلية الأولياء ( 6/383).
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68846
