تعبيرية
مؤشرات قياس أداء المؤسسات الخيرية بقدر ما هي تكاد واضحة المعالم، خاصة في مجال التخطيط ومجال الموارد، ومجال تحقيق الأهداف المنشودة من تأسيسها وقيامها.
كل ذلك أفكار متصلة في بناء مؤسسة خيرية رائدة، يتطلع المجتمع للحصول عليها، لكن بين ذلك الحلم والواقع تقع هناك قضية هامة وكبرى، هي قضية القيادة.
قيادة المؤسسة، وإيجاد القائد المميز الذي يكون ربان السفينة، لا شك أنه الآن بات عملة صعبة، خاصة إذا ما صارت متطلبات العمل الخيري إيجاد شخص متمكن متفرغ للعمل في الجهة الخيرية.
ولأجل كون ذلك مهمة تفرغية فإنها تحتاج مرتبا جزلا يغري الكفاءة الإدارية للبقاء داخل المؤسسة الخيرية، والاستعاضة بتلك الوظيفة عن الوظائف الحكومية أو القطاع الخاص.. إن سوق القيادات بات صعبا، وأجور الكفاءات في تزايد، ويجب أن تعي المؤسسات الخيرية هذا التحدي، وتعمل على زيادة مخصصات الرواتب الخاصة بالقيادات ومن في حكمهم، وإلا فهي مهددة بالتسرب والإحباط، وفقدان الجهود والمكانة المتحققة.
وفي دراسة محمد ناجي (البناء المؤسسي في المنظمات الخيرية: الواقع وآفاق التطوير) يذكر عددا من المعوقات الخاصة بالأعمال الخيرية ومؤسساتها، والمتعلقة بالقيادة، ومن ذلك ـ على سبيل المثالـ:
– ضعف أهلية مجالس إدارات الجهات الخيرية:
بناء المؤسسة الخيرية أشبه ما يكون بالهرم المقلوب، يوجد المدير ثم يسعى لتجميع توقيعات بمن يقبل أن يضم لتكوين الأعضاء لاستكمال الحصول على الترخيص، ثم يدير الفريق الشكلي بتوقيعات واجتماعات صورية ومجاملات، ويكون المجلس الإشرافي أشبه ما يكون بمسرحية بطلها ومخرجها وكاتب السيناريو والمعد والمصور والمؤلف هو مدير المؤسسة، الذي يحضر مجالس الإدارة، وربما صوت بشكل مباشر أو غير مباشر، خاصة أنه في بحثه يضيف الشخصيات الاعتبارية التي تضيف إلى اسم المؤسسة وسمعتها، وتجذب التبرعات لها، ويضع شخصيات تكتفي بالظهور وحضور المجالس من غير ما تأثير يذكر.. راقبوا مجالس العديد من المؤسسات، ولاحظوا التكرار في دورات مجالس تلك الجمعيات، الناتج عن العزوف ممن متوقع أن ينخرطوا في قيادة تلك المجالس، وانسحاب المؤثرين إلى مواقع الإدارات التنفيذية؛ ما يجعل القائد أقوى من المجلس، ويضعف الدور المنشود من المجلس الإشرافي؛ وبالتالي تضعف المؤسسة وقراراتها، ويؤثر في مصداقيتها.
-ضعف أو انعدام البرامج التدريبية المؤهلة للقيادات في الجهات الخيرية:
لم يعد قائد المؤسسة الخيرية هو الشخص الذي يكتفي بتدينه وحبه وإقباله على الأعمال الخيرية والتطوعية، بل بات قائد المؤسسة الخيرية أشبه ما يكون بمدير شركة من الشركات الربحية، لكن يعمل في مؤسسة غير ربحية، يحاول توظيف وتكريس طاقاته في تحقيق مكتسبات وعمل مؤسسي منظومي داخل مؤسسته، وبانعدام البرامج المؤهلة التخصصية الاحترافية المتطورة يكرس عندنا الضعف، ويشتت الأموال، ويؤخر المجتمع من الاستفادة من تلك الكيانات، ويزيد الضغط على القطاع الحكومي لتلبية كافة الخدمات.
-انحراف المؤسسة عن نشاطها وأعمالها:
كل مؤسسة لها روح وفكرة وهدف تعمل من أجله، وأسست لغرضه، لكن الصوارف والجواذب من الأعمال والبرامج ورغبات المانحين قد تنحرف بالمؤسسة عن أهدافها، لتتحرك بتشتت في برامج ليست مقصودة أساسا، وليست في تخصصها الأساس.
-ضعف المعايير والرقابة والتقويم المستمر لأعمالها:
إن كثرة تلك المؤسسات، ووجود مجالس فقيرة عديمة الدور والأثر، وقوة جانب المدير المحرك الحقيقي لتلك المؤسسة، وفي ظل عدم وجود جهات إشرافية حكومية تتابع مناشط تلك الجهات بالرقابة، وتقيس الأداء، وتتدخل بصفة مهنية، وتدعم وتحاسب حتى الداخلين بصفة التطوع فيما لو أخلوا بشكل أو آخر، يجعل بيئة تلك المؤسسات مكانا خفيا لأخطاء ربما هي نادرة، لكن فيما لو وقعت فسبب من أسبابها هو ضعف الرقابة وإحسان الظن العالي، وعدم وجود العدد الكافي من عناصر الجهات الرقابية والأنظمة التي ترصد أداء وخلل تلك المؤسسات.
-ضعف البحوث والدراسات المتعلقة بالعمل الخيري:
إن ذلك الضعف هو انعكاس لضعف البحث العلمي في البيئات العربية خاصة، ناهيك عن توجه بعض تلك البحوث والدراسات إلى مجالات الأعمال الخيرية.. يجب أن نعمل لحث الجامعات على تبني القضايا والمشكلات ذات العلاقة بالأعمال الخيرية، وعمل اتصال مستمر لأخذ المواضيع من تلك الجهات، وتكليف الباحثين بعمل الدراسات المطلوبة لتقديم منتجات تخدم وتساعد تلك المؤسسات الخيرية في إنجاح وتطوير عملياتها.
المصدر: مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68859
