أزمة الروهنجيا الإنسانية..المطلوب دور أممي أكبر
A Rohingya Muslim woman and her son cry after being caught by Border Guard Bangladesh (BGB) while illegally crossing at a border check point in Cox’s Bazar , Bangladesh, November 21, 2016. REUTERS/Mohammad Ponir Hossain TPX IMAGES OF THE DAY
تلقي أزمة لاجئي الروهنجيا بظلالها الثقيلة على مجمل عناصر المشهد الإنساني الذي كشف حالة من الضعف المزمن لا يزال يعيشها المجتمع الدولي تجاه رفع قدرته في الاستجابة العاجلة لتلبية النداء الإنساني الطارئ، ولدافعية أطراف المنظومة الأممية في إحداث التغيير الإيجابي نحو إغاثة المنكوبين والتخفيف من آثار الأزمة.
ويتشكل المشهد الإنساني المرير مع حالة الارتباك التي تعيشها مؤسسات الأمم المتحدة الإنسانية، والتي تعكس سياسة عدم الاكتراث التي تمارسها دولٌ عظمى، ليبرز في مجمل ملامح المشهد حجم "التراخي" الدولي في التعامل مع مأساة الإبادة التي يتعرض لها المدنيون الروهنجيا، يقابلها صمت شبه مطبق على المستوى الرسمي الإسلامي، أسهم في تفاقم المأساة الإنسانية.
ومع تجلي الصورة الكارثية لما يعانيه الروهنجيا من قتل وتشريد وحرق للمنازل واغتصاب للنساء، أمام الرأي العام العالمي، باتت العديد من الحكومات، تبحث لها عن مبررات، تسعى لإسباغها بشيء من المنطق للتملص من المسؤولية الأخلاقية تجاه دماء الأطفال والنساء والشيوخ التي تراق بالجملة وبشكل يومي، لإقناع شعوبها بصواب موقفها "الحيادي" إزاء الإجرام بحق الأبرياء في ذلك البلد الآسيوي الذي خرج حديثاً من حكم العسكر إلى فضاءات "الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان" المزعومة.
ومن التبريرات ما اتخذ طابعاً "ميكافيلياً" يعطي الحق لحكومة ميانمار وجيشها وشرطتها ارتكاب الجرائم بحق الأبرياء من الروهنجيا بحجج مكافحة مسلحين منهم اضطروا لحمل السلاح بعد عقود من القتل والقهر والظلم وإنكار للوجود والهوية، وبدعاوى تطبيق السلطات البورمية للقانون لحفظ الأمن، ولعله ذات القانون الذي جرد الروهنجيا من الهوية والكينونة الوطنية، وجعلهم غرباء في بلدهم، لا يحظون بأية حقوق، إضافة لما يمارس بحقهم من تمييز عنصري.
وما يبطل دعاوى الإقصاء والطعن في الانتماءات الوطنية للروهنجيا، سجلهم التاريخي الذي يسرد حالة تجذرهم في أرضهم، وإسهامهم في صناعة حضارتها ومدنيتها، كما يسرد في الوقت ذاته حروب الاقتلاع والاجتثاث التي تعرضوا لها على أيدي مدعي القومية، والتطرف الديني البوذي، فبحسب ما أوردت منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" في تقريرها عام 2013، فقد "فر ما بين مايو 1991 ومارس 1992 أكثر من 260,000 من الروهينجيا خارج البلاد, بسبب انتهاكات حقوق الإنسان التي قام بها الجيش البورمي من مصادرة الأراضي والسُخرة والاغتصاب والتعذيب, انتهاءً بالإعدامات دون محاكمة"(1).
وفي عام 2012, فرّ نحو 140,000 من الروهينجيا تقريبًا, من شمال غرب ميانمار, عقب اشتباكات دامية مع الأغلبية البوذية، وبتحريض من مجموعة من الرهبان البوذيين عُرف عنهم تقديم المبررات لجرائم سفك دماء المسلمين، حيث اتخذت دعوات التحريض طابعاً أشد دموية في العام الحالي، خاصةً مع ورود الأنباء عن إبادة الآلاف على أيدي قوات الجيش البورمي، وأفراد الأمن، وفرار ما يقرب النصف مليون من الروهنجيا من أماكن سكناهم إلى دول الجوار.(2)
ومما زاد الطين بلة، إدارة دول الجوار ظهرها للاجئين الذين ينشدون المأوى، بعدما قامت دول كماليزيا وإندونيسيا بإبعاد مئات الروهينجيا الفارّين إليهما متذرعين بضعف الإمكانات المادية، كما أجبر رهبان بوذيون وقوميون متطرفون العشرات منهم على الفرار من ملجأ للأمم المتحدة في العاصمة كولومبو (3)، ناهيك عن موقف بنغلادش صاحبة النصيب الأكبر من اللاجئين فإن مسؤوليها يعبرون بشكل صريح عن نية حكومتهم إجلاء الآلاف من الأسر الروهنجية عن المخيمات الحدودية التي نزحوا إليها منذ عقود، في ظل المصاعب الاقتصادية الهائلة التي تواجهها البلاد، وحجم الكثافة السكانية الكبير الذي تعاني منه.
وتزداد معاناة الروهنجيا أمام معادلة المصالح السياسية والاقتصادية بين الدول، حيث أحجم العديد من رؤساء الدول والحكومات عن التفوه بكلمة حق تدعو لوقف المأساة، فضلاً عن الإحجام عن تقديم الدعم الإنساني، أو في بعض الأحوال تقديم ما لا يوازي حجم الكارثة، وبما لا يليق بدور هذه الدول ومكانتها، لتضيع دماء الروهنجيا كـ "فرق حساب" بين دول لا تكترث بالمتاجرة بالدماء إذا تعارض ذلك مع مصالحها، بل وربما يتفق مع توجهها الإيديولوجي.
وفي الناحية الإنسانية تحديداً، لم تقم الأمم المتحدة بدور حقيقي في الضغط على حكومة ميانمار من أجل إدخال المساعدات الإنسانية إلى مناطق تواجد اللاجئين الروهنجيا، بل ومما يزيد الاستهجان شيوع أنباء تفيد بأن رئيسة البعثة الأممية في ميانمار حاولت منع مدافعين عن حقوق الإنسان من زيارة مناطق الروهينجيا.(4)
وعلى الرغم من نفي بعثة الأمم المتحدة لهذه الأنباء، إلا أن تحقيق لشبكة بي بي سي BBC، في سبتمبر الماضي، أكد على لسان مسؤول أممي بأن الكندية ريناتا لوك-ديسالين، حاولت أيضا إغلاق التحقيق العلني في القضية، والعمل على عزل العاملين الذين حاولوا التحذير من احتمالية حدوث تطهير عرقي، وذلك قبل اندلاع حملة الإبادة الحالية.(5)
هذه الشبهات، فضلاً عن الأداء المتواضع للمنظومة الدولية دفع بمؤسسات إغاثة دولية، من أبرزها (كير) الدولية و(أوكسفام) وهيئة إنقاذ الطفولة إلى إصدار بيان، الشهر الماضي، أعربت فيه عن قلقها المتزايد من "القيود المشددة على الدخول إلى أراضي ميانمار لأغراض إنسانية ومن العراقيل أمام تسليم مساعدات إنسانية ضرورية بشدة في جميع أنحاء ولاية (راخين)".(6)
ليس المقصود مما نقوله التحامل على مؤسسات الأمم المتحدة، أو إنكار دورها بشكل تام، مع يقيننا الكامل بأن المنظومة الدولية تتألف أساساً من دول العالم، بينما تتحكم بدفة الإدارة فيها دول كبرى كرست نفسها كصانعة للقرار الدولي، ولكننا ندعو في الوقت ذاته إلى النظر بعين الرحمة والرأفة لعذابات الأطفال والنساء والعجزة من اللاجئين والنازحين الذين يفتقر مئات الآلاف منهم للغذاء والمأوى والخدمات الطبية.
والمطلوب اليوم، وبشكل عاجل جهوداً أمميةً أكبر لإجبار حكومة ميانمار على تسهيل عمل المؤسسات الإغاثية، والسماح بحرية الحركة والعمل للمنظمات الإنسانية داخل الأراضي البورمية، إضافة لتعاون أكبر من جانب حكومات دول الجوار التي لجأت إليها الأسر الروهنجية من أجل تسريع تنفيذ المشاريع والبرامج الإغاثية، وكذلك تسهيل عبور الطواقم الإغاثية التابعة للمؤسسات الإنسانية لأداء عملها بشكل أفضل، وإلا فإن تأخير وصول الدعم الإنساني والاحتياجات الأساسية يعني تدهور الوضع الإنساني للاجئين، وازدياد الاحتمالات لحدوث ما لا يحمد عقباه.
مصادر:
1- ساسة بوست، مقال بعنوان: "مترجم: من هم مسلمو الروهينجا، ولماذا لا يساعدهم أحد؟" نور مراد، نشر في 31 أغسطس 2015.
2- ساسة بوست، المصدر السابق.
3- عربي21، خبر بعنوان: "مفوضية اللاجئين تندد بتعنيف الروهينغيا في سريلانكا"، نشر بتاريخ 27 سبتمبر 2017.
4- بي بي سي BBC، تحقيق بعنوان: "كيف خذلت الأمم المتحدة مسلمي الروهينجا في ميانمار؟"، نشر بتاريخ 29 سبتمبر 2017.
5- بي بي سي BBC، المصدر السابق.
6- رويترز، خبر بعنوان: "منظمات إغاثة تطلب الوصول لمنطقة الصراع في ميانمار"، نشر بتاريخ 28 سبتمبر 2017.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68935