هاني البنا: جهودنا الإغاثية تشمل كل أنحاء العالم

بغرفة في أعلى مسجد أبو عبيدة بن الجراح بصيدا كان الدكتور هاني البنا يجلس وسط فريق عمل مؤسسة الإغاثة الإسلامية. تشعر وكأنها خلية نحل؛ فهناك من يجلس على الحاسب وآخر يقوم بكتابة البيانات الخاصة بالمؤن والأغذية وثالث يتواصل عبر الهاتف مع منظمات عالمية لإيجاد فرص للمساعدات الإنسانية للبنان.
 
تستطيع أن تلاحظ اختلاف لهجات وملامح فريق العمل؛ فهذا سوري وهذه إنجليزية وذاك مصري، وكأن الفريق قطف من كل بلد زهرة. في ظل هذا الجو المفعم بالعمل والنشاط كان لنا هذا اللقاء مع الدكتور هاني البنا رئيس مؤسسة الإغاثة الإسلامية…
– نريد أن تحدثنا عن جهود المؤسسة الإغاثة الإسلامية في لبنان؟
الجهود لم تبدأ مع هذه الأزمة بل بدأت منذ 6 سنوات؛ فلدينا مشروع كفالة اليتيم في لبنان ومخيمات فلسطينية، ويصل عد الأيتام الذين نكفلهم إلى 700 طفل.
ومع بدء الأزمة بدأ فريق العمل في صيدا وصور والنبطية، توسع العمل حاليا في الجنوب وعلى الحدود وقانا وبنت جبيل ومرج عيون وغيرها. كان العمل الأساسي هو توزيع الأكياس الغذائية وتوفير وجبات الغذائية للنازحين.
جهود مشتركة
– هل هناك أرقام محددة عن هذه الجهود؟
آخر مشروع قمنا به بالتنسيق مع مؤسسات أخرى مثل الهيئة الخيرية الإسلامية في الكويت مؤسسة قطر الخيرية بقطر ولجنة الأعمال الخيرية في جمعية الإصلاح بالبحرين، لأول مرة قمنا بعمل مشترك تحت عنوان "معا من أجل لبنان" حددنا فيه 13 ألف حصة تقريبا ما يوازي حوالي 300 طن وبدأنا التوزيع في عين الحلوة، ويوم وقف إطلاق النار كان عمل المؤسسة فذهبنا لصور التي كانت محاصرة ووزعنا 2000 حصة أي حوالي 50 طنا.
– ما هي المشروعات المستقبلية للمؤسسة بلبنان؟
هناك أكثر من مشروع. أولا: توفير مياه صالحة للشرب بالتنسيق مع مؤسسة اليونيسيف في الأمم المتحدة وأخذنا منهم 40 خزان ماء بلاستيكيا كل خزان سعته 5000 لتر قمنا بتوزيع 10 خزانات في النبطية والباقي في مناطق محافظة صور المختلفة. ثانيا: نقل المياة الصالحة للشرب من الآبار بالطبع هناك جزء من الآبار قد دمر وجزء آخر لم يدمر.
ثالثا: توفير مولدات كهربائية لرفع هذه المياة من الآبار ووضعها في عربات ونقلها للقرى والمناطق المختلفة نسمي هذا المشروع "المولدات المتحركة لتوفير المياه صالحة للشرب".
نتحدث أيضا عن جهود الإعمار وبناء وحدات سكنية ومدارس ومستشفيات؛ لذلك قمنا بعمل دراسة كاملة حول الإعمار، فكما تعلم تكلفة الإعمار باهظة الثمن إلى جانب الاستمرار في العمل الإغاثي؛ فهناك نازحون فقدوا وظائفهم وفقدوا أيضا ثروتهم الحيوانية، فلا بد من استمرار إغاثة هؤلاء الناس حتى يخرجوا من هذه الأزمة.
أيضا لدينا مشروع لنزع الألغام وتفكيك المتفجرات والقنابل، ونتعاون مع مؤسسات الأمم المتحدة وبعض الشركات لتأمين بيوت النازحين؛ فكثير منهم عاد لبيته ليجد قنابل في بيته وفي لعب أطفاله حتى في المطابخ وغرف النوم، وقد فطن اللبنانيون لذلك وتم التعامل مع الجيش والدفاع المدني لمحاولة الحيلولة دون وقوع ضحايا. أما حاليا فأهم مشروع هو إيصال الماء الصالحة للشرب لجنوب لبنان.
– هل هناك تعاون بين مؤسستكم ومؤسسات أخرى بلبنان؟
الإغاثة الإسلامية عملت في صيدا وكان بها 120 ألف نازح، وكان التعاون قويا بين مؤسسة الإغاثة الإسلامية وكل الهئيات الموجودة والروح كانت عالية في المشاركة والمؤازرة والتعاون.
كل اللبنانيين
– هل شملت الإغاثة كل اللبنانيين؟
نعم هي تشمل كل اللبنانيين، سواء كانوا طائفة معينة أو ديانة أو عرقا محددا معينا، نحن في الإغاثة الإسلامية ليست لنا أي أجندة عرقية أو حزبية أو مذهبية أو دينية. نحن نتحدث عن الإسلام من المنطلق الإسلامي الخيري من قاعدة إيمانية متميزة لا تفرق بين أحد، والرسول صلى الله عليه وسلم ضرب أعظم الأمثلة على مساعدة قريش بعد أن طردوه وقت المجاعة فأرسل لهم قافلة؛ فحتى مساعدة الأعداء وقت الشدة واجبة. فكان لزاما علينا أن نساعد الجميع وهذا هو المنطلق الذي ننطلق منه كإغاثة إسلامية. أما منطلق الحزبية والعرقية والتقسميات التي ليست من روح الإسلام ولا فعل الإسلام لا نتعامل معه، وهذا رأي المؤسسة، ونحن لا نحزب ولا نجزئ ولا نفرق، نعطي الجميع ونتعاون مع الجميع.
– هل ترى أن فترة الحرب أذابت بعض الاحتقان الطائفي؟
نحن لا نتدخل في التقسيمة العرقية والطائفية أو الدينية لأي بلد في العالم، ونحن جزء من نسيج المجتمع الذي نتعامل فيه، تعاملنا مثلا في جنوب السودان كان هناك جزء وثني ومسيحي ومسلم، ولما دخلنا منذ 3 سنوات قابلت قيادات في جيش التحرير السودان بقيادة نائب الرئيس الراحل جون قرنق، وقال إن في 30% عندنا مسلمون، قلت لهم نحن نتعامل مع كل السودان وبالفعل لما دخلنا في مناطق التوتش وبحر الغزال والاستوائية وهي خليط من مسلمين ومسيحين واللادينيين هكذا يطلق عليهم ولما وصلت لنا مساعدات وصلناها لهم جميعا ووظفنا أولادهم جميعا؛ لذلك فالذين دافعوا عنا وثنيون ومسيحيون وقالوا إن هذه الإغاثة الإسلامية مؤسساتنا؛ لأنهم شعروا أننا لم نفرق بين أحد، كان هناك شروط من جيش تحرير السودان للعمل هناك مثل عدم العمل بالدعوة أو السياسة أو العمل العسكري، واحترمنا هذا وعملنا، أما في لبنان فلا يوجد أية شروط.
– ماذا عن فريق العمل؟
هناك فريقان للعمل، أحدهما في بيروت يقوم على الاتصال بالمؤسسات الدولية والحكومية، سواء الحكومة اللبنانية أو الحكومات الأخرى، وفريق عمل في صيدا يقوم بعمل دراسات الجدوى والمشاريع وتوزيع المواد الإغاثية والتنسيق مع المؤسسات المحلية.
ومنهم كل الجنسيات معي مثلا في بيروت أمريكان وهنا فرنسيون وبريطانيون وعرب وباكستانيون، كما أن رئيس فريق الجنوب من المسيحيين.
لا حدود للخير
– كيف لمسيحي أن يعمل في مؤسسة الإغاثة الإسلامية؟
العمل الإنساني لا تحده حدود وحتى العمل الديني لو أصبح يعلو على الحزبية لا تحدوه حدود، لكننا نحزب الدين لصالح أحزابنا وجماعتنا، مع أن كل الأديان تتخطى الحدود العرقية والحزبية، لكن المتدينين هم الذين يضعون حدودا، ولو فهمنا الإسلام فهما صحيحا لوجدنا أنه لعامة الناس في أي زمان وأي مكان.
مؤسستنا تتعامل مع الصليب الأحمر ولنا شراكة ونتعامل مع الأمم المتحدة ونتعامل مع العون الكاثوليكي والعون المسيحي، وسأعطيك مثالا: عملنا تجربة مع العون الكاثوليكي في أكثر من بلد مثل كوسوفو، وهم قد تبرعوا لبناء مدارس للمسلمين وفي أفغانستان والشيشان تبرعوا لإطعامهم وفي هندوراس تعاونا معهم لبناء بيوت، هذا التعاون يدفع إليه الدين دون أن يحزب الدين بطريقة معينة، وعلينا أن ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة، وأتت الحكمة قبل الموعظة بهدف أن نعامل الناس بطريقة يتفهمونها ولكل مقام ومقال بأن يتحدثوا مع الناس على قدر ما يستطيعوا أن يتحملوا، وإلا فإننا نفتنهم في دينهم.
الله يقول للرسول "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".. كلمة رحمة للعالمين تتعدى أصول الرحمة لكل العوالم التي نعرفها والتي لم نعرفها، وهذا منهجنا في العمل ونجح والحمد لله.
هناك بعض المبادرات الأخيرة منها المنتدى الإنساني العالمي، وعملنا مدة 4 سنوات أقنعنا مؤسسات كبيرة والصليب الأحمر أن نشترك جميعا مجموعة من أجل نشر وتفعيل دور العمل الخيري الإسلامي في العالم والدفاع عنه، وكونا هذا المنتدى ويشترك فيه مؤسسات إسلامية من تركيا وقطر والكويت والبحرين وإندونيسيا والصليب الأحمر والأمم المتحدة، وكلها منضمية إلينا كأمناء لفكرة تشمل كل هذه المجتمعات من منطلق إنساني هو جزء من الدين، والدين يسع هذه المنظومة، لا نجبر أحدًا أن يتدين أو يترك دينه. والإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، هناك من يتكلم وهناك من يعمل، وكن أنت قدوة وابرز في وقت الخطر تكن مع الناس أهم من مائة مساعدة غذائية، هذا هو الإيمان أن تكون مع الناس وقت الخطر.
الموارد محددة
– ما هي موارد مؤسسة الإغاثة الإسلامية؟
مواردنا تأتي من 80% من الناس من متوسطي الدخل من المسلمين على مستوى العالم، وقد وصل دخلنا في السنة الماضية إلى 180 مليون دولار، وهناك حكومات بدأت تتعاون معنا والاتحاد الأوروبي والامم المتحدة، إلا أن القاعدة الأساسية هي الرجل البسيط الذي يتبرع بالجنيه أو الليرة وأو السنت لمراكزنا المنتشرة في 35 دولة وقائمة على التبرعات التي أغلبها من أوروبا وأمريكا.
– ما هو الملمح الذي خرجت به من تجربة لبنان؟
معنى الرجولة.. فالرجولة لا تعني ذكورة وأنوثة، هي مجموعة من العوامل مثل النخوة والإباء والكرامة والعون، وهناك امرأة بـ50 رجلا؛ لأنها تملك هذه الصفات، وهناك رجال بهم عضلات وليس له قيمة. وفي لبنان اكتشفت أن الرجولة ليست كلاما بل هي عمل وموقف في مكانه وفي وقته.
وترتبط الرجولة بالإيمان بالله ارتباطا كاملا وعندما رجعت من لبنان خطبت الجمعة، وكانت رسالتي للمصلين في إنجلترا لو كنتم جميعا مجتمعين في قانا أو في بنت جبيل وفوقكم 500 طائرة وأنتم بحالتكم الأن لم يكن ليصيبكم خدش بسيط؛ لأن الله لم يقدّر لكم هذا.