كان عماد عفانة الشاب الفلسطيني الذي تجاوز الثلاثينيات من عمره، واقفا أعلى أحد المباني الشاهقة يؤدي عمله في طلاء واجهة المبنى عندما أخذه التفكير في زوجته وأولاده الصغار الذين ينتظرونه في المنزل، قرر أن يضاعف نشاطه لكي ينتهي من العمل بسرعة ويعود إليهم، وفي غمرة حماسه اختل توازنه وسقط من ارتفاع كبير، شاءت إرادة الله ألا يمت لكنه أصيب بشلل نصفي أقعده عن الحركة، أظلمت الدنيا أمامه واستبد به اليأس، بكاء أطفاله أمام عينيه وعدم قدرته على إطعامهم أو الإنفاق عليهم ضاعف آلامه خاصة أنه لم يحصل على أي شهادة علمية تعينه على الكسب، حيث انقطعت علاقته بالمدرسة بعد الصف الأول الإعدادي.
المحنة والمنحة
يبدأ عفانة سرد قصته قائلا: بعد إصابتي بالشلل النصفي توجهت إلى مستشفى الوفاء للتأهيل الطبي، حيث كنت أتلقى العلاج الطبيعي، لم أكن أدري وقتها ماذا سأفعل في دنياي بعد إصابتي بهذه الإعاقة، لكني في النهاية استسلمت لقضاء الله وقدره، وسألت الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يجعلني من الصابرين.
ويتابع: في مستشفى الوفاء الطبي، جاءتني البشارة، ومنّ الله عليّ بالفرج، حيث زارني وفد من “جمعية الوداد للتأهيل الاجتماعي”، وبعد أن تعرفوا على حالتي، عرضوا عليّ المساعدة من أجل التمكن من الاندماج في المجتمع من جديد، والبعد عن كل مظاهر اليأس والإحباط، واستعادة ثقتي في نفسي وقدراتي، وقالوا لي “مهمتنا أن نمكنك من الاعتماد على نفسك وعدم انتظار المعونة من أحد”.
ويضيف عفانة: كانت البداية حينما عرض وفد الجمعية عليّ أن أختار مهنة جديدة، كي أباشرها، من أجل أن أعيش من خلالها وأستطيع الإنفاق على أسرتي.. ولما كنت مصابا بشلل نصفي أقعدني عن الحركة، فقد وجدت صعوبة في اختيار مهنة تناسب حالتي، وفي النهاية عرضوا علي إقامة (بسطة صغيرة) أبيع فيها المستلزمات المنزلية، فوافقت على الفور، وفعلا بدأت في التنفيذ.
ويتابع: بعد مدة بسيطة، زارني وفد جمعية الوداد من جديد، ووقفوا على حالتي وحالة مشروعي الصغير، وهنا شعروا بالرضا والاطمئنان تجاه إصراري على النجاح، فعرضوا علي توسيع المشروع وإقامة محل بقالة صغير.
كان هذا الأمر بالنسبة لي حلماً، ولكن من أين؟ فالرزق يكاد يكفي الإنفاق، فأخبروني بأنهم سيساعدوني على تحقيق هذا الحلم من خلال مشروع جديد تنظمه المؤسسة بتمويل من “ائتلاف الخير” ويتلخص في إقامة مشاريع صغيرة للمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة، بهدف إعادة الثقة إلى نفوسهم، وإعادة دمجهم في المجتمع.
ويمضي قائلاً: لم أصدق ما سمعته، على الفور قدمت الوثائق المطلوبة من أجل تمويل المشروع، وبعد ثلاثة أشهر وافقت الجمعية على طلبي ومنحتني قرضاً قيمته 1300 دولار… كان هذا منتصف عام 2003، فقمت بفتح محل (بقالة) في منزلي وأخذت تجارتي تكبر شيئاً فشيئاً، حتى أصبح من البقالات الناجحة في المنطقة، وتضاعف رأس المال بفضل الله.
الطريق الصعب
ويشير إلى أنه عرفاناً منه بالجميل تجاه من مد له يد العون، أطلق عماد على بقالته اسم “الوداد” نسبة لاسم الجمعية التي أقامت له المشروع.
ويضيف أنه بعد أن افتتح البقالة بـ 1300 دولار تضاعف رأس ماله حتى أصبح الآن حوالي 6000 دولار كما أن بعض الزبائن مدينون لي بـ 2000 دولار.
وحول أهم الصعوبات التي واجهته يقول عفانة: بالطبع لم يكن الطريق مفروشا بالورود أمامي؛ نظراً للظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها القطاع (غزة )، والفقر المنتشر، وكانت أولى المعوقات التي واجهتني هي عدم امتلاكي الخبرة اللازمة لإدارة أمور التجارة؛ الأمر الذي سبب لي بعض المشاكل في البداية لكنني نجحت في التغلب عليها مع مرور الوقت، ويضاف إلى ذلك كثرة الديون المستحقة لي على الزبائن، مما يوقعني أحياناً في بعض المشاكل في تمويل تجارتي.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69340
