المفتول يقود ربة منزل فلسطينية للعالمية

تسببت اعتداءات سلطات الاحتلال في حق زوجها في تقاعده عن العمل، لكنها لم تيئس وعملت بقول الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم “اليد العليا خير من اليد السفلى”، وراحت تستثمر مهاراتها كربة بيت وطباخة ماهرة في البحث عن قوت يومها، لكنها لم تكن تعلم بأن ذلك سوف يفتح لها الباب إلى العالمية، إنها أم رامز زقوت التي جهزت في منزلها مصنعا صغيرا لصنع أشهر أكلة شعبية فلسطينية هي المفتول (الكسكس) ولتستحق بعد سنين من العمل وبجدارة المرتبة الأولى في صناعة المفتول بعدما مثلت فلسطين على المستوى الدولي في مهرجان دولي أقيم خصيصا للتباري بين المتسابقين في إعداد هذه الوجبة الشهيرة محليا وعالميا، وكان ذلك عام 2002م بمهرجان الكسكس الدولي في إيطاليا.
نجاح باهر
كان الدافع الرئيسي لمشروع هذه الأم هو سد رمق أطفالها وتلبية متطلباتهم
اليومية، بعد أن فقدت أسرتها مصدر رزقها، لكنها حفرت فيما بعد بذاكرة الوطن المحتل
قصة نجاح باهرة سطرتها بفضل عزمها وإصرارها على تحقيق عيش كريم لأسرتها في ظل ظروف
اقتصادية صعبة تعيشها الأراضي الفلسطينية.
إنسان أون لاين يشارك جمهوره وزواره استعراض مشروع اقتصادي صغير لأم فلسطينية
أنقذت أسرتها من خطر الفقر والضياع، بل واستطاعت الوصول بمشروعها البسيط إلى
العالمية.
بحثنا في أحد أزقة حي الشيخ رضوان بغزة المدينة عن بيت أم رامز زقوت، لكننا لم
نبذل جهدا في ذلك فما أن ذكرنا الاسم حتى سارع أطفال الحي لتوصيلنا للبيت، كان لا
يزال بناء البيت الخارجي غير مكتمل، لكن شموخ هذا المنزل كان واضحا كشموخ صاحبته
التي استقبلتنا بابتسامة زادت من جمال ملامحها الشرقية جمالا.
العودة إلى الجذور
استقبلتنا أم رامز في غرفة الضيوف وكم كنا نتشوق لأن نرى مصنعها الصغير في هذا
البيت المتواضع. تقول أم رامز متحدثة عن الظروف التي دفعتها لتطوير تجربتها في صنع
المفتول وهي التي لم تتجاوز الأربعين عاما: “في الانتفاضة الأولى تعرض زوجي لإصابة
على يد قوات الاحتلال أدت لعدم مقدرته على العمل، ونحن لدينا 5 أطفال، نعيش جميعا
في بيت صغير في مخيم الشاطئ، أصبح أبنائي بحاجة لمعيل يوفر لهم القوت اليومي، وضغط
الحياة هنا أكبر من أن أتحدث عنه في كلمات”.
اتجهت أفكار أم رامز إلى الماضي بمجرد أن بدأت تبحث بعزم عن بديل كريم للعيش،
حيث الأم والجدة، فوجدت أنها تملك صنعة من شأنها أن تلبي احتياجاتها دون اللجوء إلى
أحد ليساعدها، وتوضح هنا: “ساعدني الله الكريم كي أفكر في صنع المفتول في بيتي ثم
أبيعه للمقربين مني وفعلا هذا ما حدث كنت أصنع حوالي 3 كيلوجرامات من المفتول يوميا
للجيران أو الأقارب والمعارف بمقابل مالي ثم بدأت أزيد الكمية التي كان ابني رامز
يتوجه بها إلى المحال التجارية فيعرض عليها المنتج وحينما كان يعود إلى المنزل وقد
باع كل ما بحوزته أشعر بالفخر والاعتزاز بنفسي وتزداد عزيمتي يوما بعد يوم من أجل
مواصلة وتطوير العمل”.
الحاجة أم الاختراع
كانت أم رامز في حديثي معها تطلق مبادئها في عبارات اقتنعت بها خير اقتناع مثل
“الحاجة أم الاختراع” و”لذة النجاح في قهر المعاناة وتحدي الظروف”؛ فهي جاهدت في أن
تستثمر بكل ما لديها من قوة وعزم في هذا المشروع البيتي الصغير، وتتحدث لنا بتفاصيل
أكثر عن لحظات البداية فتقول: “كان ذلك في عام 1989، صنعت فيها المفتول من أجل أن
يدر علي دخلا يعينني على توفير احتياجات زوجي المريض من الأدوية والعلاجات
المختلفة، ناهيك عن احتياجات أطفالي”، وتشير هنا أم رامز إلى أنها لم تواجه صعوبة
في إيجاد المكان الخاص بالعمل وكذلك التسويق. أستأذنها التوضيح أكثر فتقول إنها
عمدت إلى صنع المفتول داخل المنزل لتكون قريبة من الزوج المريض وتتابع أمور
أطفالها. أما التسويق فقد كان مضمونا بالنسبة إليها فهي تصنع للجيران والأقارب وبعض
من الزبائن الذين يشيرون إليها بحاجتهم إلى كمية معينة”.
وتتابع أم رامز: “الأدوات أيضا كانت متوفرة لدي وغير باهظة الثمن”، مشيرة إلى
أنها تنحصر في موقد نار وغربالة ومفتولية ووعاء الفخار أو الألمنيوم للفتل،
بالإضافة إلى وعاء آخر يوضع به الماء المملح ليرش به الدقيق ويتحول إلى كرات ومن ثم
يتم تنزيله عبر ثقوب الغربالة الصغيرة. وتتابع أم رامز راوية القصة قائلة: “إنها
كانت تتوسع في إنتاجها اليوم تلو الآخر فكل من يذق طعم مفتولها يعجبه، ويسأل عن
الطاهي، ومن ثم يأتي ليطلب الطبق الذي لم ينس طعمه، ويريد أن يعيده مرارا وتكرارا؛
الأمر الذي دعاها إلى توسيع نشاطها فزادت من كمية المفتول التي تصنعها وفقا لمعطيات
الطلب لديها، حتى ذاعت شهرة مفتولها محليا.
ودفع هذا النجاح أم رامز إلى التقدم لجمعية الإغاثة الزراعية للحصول على ترخيص
بالعمل، كما عمدت إلى عقد اتفاقية معهم تمدهم بأكياس المفتول مقابل نسبة معينة من
التسويق، ضمن برنامج التعاونيات الخاصة بالمشاريع الإنتاجية البيتية.
يوم في حياة أم رامز
وعن الإجابة عن الكيفية التي تكون عليها أيامها، وكيف تؤدي عملها تقول: “تبدأ
مسيرتي اليومية بالعمل حسب الكمية المطلوب مني إنجازها لأي من الجهات التي أتعامل
معها؛ فأحيانا أجبر للعمل مع أبنائي لمدة 16 ساعة كخلية نحل متكاملة”. وعلى الرغم
من ذلك، تؤكد أم رامز والحديث ليس عن المفتول أن هذا لم يؤثر بتاتا على تحصيل
أبنائها العملي، وذلك ما أثبتته شهادات التقدير والتي لا تقل نسبتها عن 95% للجميع
صبيانا وبنات.
الطريق للعالمية
الطموح لدى أم رامز لم يقتصر على الشهادة المحلية بأفضلية المفتول وجودته
الصحية، بل إنها كانت تطمح لتصدير منتجها لدول أخرى ساعدها في ذلك الأجانب الذين
توافدوا إلى مصنعها ليتذوقوا طبق المفتول؛ فأسر أذواقهم وأصروا على تصديره إلى
بلادهم بعدما تأكدوا من جودته عن طريق إخضاعه لفحوصات دقيقة في مختبرات وزارة الصحة
والتموين الفلسطينية، وتشير أم رامز إلى أنها “من خلالهم استطاعت المشاركة في
المهرجان السنوي الذي تقيمه إيطاليا لصناعة الكسكس بمشاركة دول البحر الأبيض
المتوسط”.
وهنا تنبسط ملامح وجه أم رامز مبتسمة، فقد تذكرت أن طبقها حاز على الجائزة
الأولى في المهرجان من أول مشاركة في المسابقة التي عقدت عام 2002، وتتابع حديثها:
“بعدها اتسع المجال أمام منتج المفتول خاصة وراحت تسوقه في البلدان العربية
والأوربية من خلال اشتراكها في تعاونية الشيخ رضوان بغزة والتي تصدر ما لا يقل عن
30-40 طنا من المفتول للسوق الخارجية وما لا يقل عن 15 طنا للسوق المحلية”.
تلك كانت قصتها مع المفتول ذلك الطبق الشعبي الذي جنبها الحاجة إلى سؤال الأهل
والأقارب، وحقق لها أحلام أطفالها في متابعة مراحل التعليم من الابتدائية وصولا إلى
الجامعة، وبعد تلك الآمال التي تحققت ما زالت ترنو أم رامز بعينها إلى قطعة من
الفضاء الأخضر تقيم عليها مصنع المفتول ليتابعه أولادها ويكون شاهدا على المهنة
المتواضعة التي فرجت عن همومهم، وحققت أحلامهم، وذللت الصعاب في طريقهم.