فكرة جديدة للتنمية، خرجت من رحم المعاناة ومن قلب الحياة الصعبة التي يعيشها الناس في فلسطين، الفكرة هي تحويل حبات البندورة الناضجة الحمراء إلى “قشور” مالحة مجففة تعد للطهي، حيث قامت إحدى الجمعيات الأهلية في الضفة الغربية وبالتحديد في مدينة طوباس بتعليم الفتيات والسيدات مثل هذه الحرفة، وضربت بذلك هدفين في نفس الوقت: الأول تعليم النساء حرفة بسيطة تعينهن على الحياة، والثانية إحياء هذه الحرفة التراثية القديمة.
وتشير سعيدة بشارات رئيسة جمعية سيدات طمون التعاونية، إلى أنه تم الاعتماد على الخبرات المتوارثة من الجدات والسيدات الطاعنات في السن في القرية لتعليم الفتيات، وصناعة هذا النوع من الطعام.
من جهته، أشار المهندس وجدي بشارات، مدير زراعة طوباس، إلى أنه يمكن تحويل البندورة إلى قشر مجفف من مختلف أنواع البندورة، وهي إحدى طرق حفظ المواد الغذائية بالتمليح والتجفيف.
ولفت إلى أن منطقة طوباس، كانت قديما مشهورة بهذا النوع من العمل، حيث كانت النساء يقمن بتجفيف البندورة وتخزينها، لكون زراعة هذا المحصول كانت تعتمد على موسم واحد، موضحا أن توجه النساء إلى هذه الطريقة بات نادرا في هذه الأيام بالرغم أنها فرصة للبعض في الحفاظ على التراث.
وعلى أرض الواقع فقدت الموائد هذا الصنف من الخضراوات المجففة والمملحة في ظل الكم الهائل من المعلبات التي تباع في الأسواق، فسعيدة هي واحدة من بين عشر نساء في بلدة طمون جنوب طوباس، يصنعن قشر البندورة في عمل يكاد يكون مقتصرا عليهن في هذه المنطقة الزراعية.
وأوضحت أن بداية الفكرة نشأت قبل عامين، حيث كان هناك اجتماع نسائي، من أجل ابتكار أفكار ومحاولات لإنجاح مشروع التصنيع الغذائي في الجمعية، مما دفع بالجدة إلى تزويدهم بهذه الفكرة التي لاقت قبولا وتنفيذا فوريا بعد ذلك.
ونوهت إلى أن هذا المنتج فيه من الأصالة والإبداع ما يعيد الكثير من النسوة إلى الأصول حيث تراث الآباء والأجداد.
وبينت أن البداية كانت كميات قليلة من البندورة، لا تتعدى بضع كيلوجرامات وذلك من باب التجربة، وأن الكمية الأولى من المادة الجاهزة والتي كانت تقريبا كيلو ونصف الكيلو لاقت إقبالا كبيرا، من خلال مشاركتها في أحد المعارض الغذائية المحلية، حيث نالت قبول واستحسان القائمين على المعرض، والذين شجعوا بدورهم على تكرار المحاولة والتخصص فيها.
ونوهت إلى أن المجموعة لاقت الدعم والتشجيع من المركز الفلسطيني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، الذي يرعى عادة أفكارا كهذه، موضحة أن كل بندورة ليست تصلح لهذا النوع من الأطعمة.
وأضاف، أنه إلى جانب الحبة الحمراء الصلبة، يجب أن تكون البندورة بلدية ذات شكل دائري وحجم متوسط، وأن تشطر بشكل عرضي لضمان بقاء السوائل داخل الحبة. ونوهت إلى أن المادة المنتجة، تمتاز بأن لها شكلا وطعما مميزين إلى جانب أنها تصلح لأصناف غذائية أكثر من أصناف أخرى.
كما أشارت، إلى أنه ولكي تكون العملية الإنتاجية ناجحة فيجب أن تكون الشمس ساطعة “وحامية” لكي تنشف البندورة، مبينة أن القائمات على المشروع يتقاسمن الأدوار فيما بينهن، فقسم ينظف المادة الأولية وآخر يجففها من الماء، فيما تتولى أخريات تقسيم الحبات وتمليحها، وعرضها على أقمشة خاصة على الأسطح في الشمس في بيئة نظيفة بعيدة عن الغبار.
وذكرت أن المدة اللازمة للإنتاج، تعتمد على درجة الحرارة، غير أن المتوسط الزمني لها عشرة أيام تقريبا، شريطة أن تكون البندورة مكشوفة، وفيما يتعلق بتسويق المنتج، أوضحت أنه ما زال محدودا، حيث يقتصر على التسويق في معارض محلية، وأنه كان هناك مؤخرا محاولة لفتح آفاق تسويقية في الخارج لم تؤت ثمارها بعد.
كما أوضحت، أن عقبة التسويق المحلي تواجه هذا المنتج، شأنه في ذلك شأن كافة المنتجات النسوية الريفية، الأمر الذي يدفع بهذه المجموعة إلى عدم المجازفة وصناعة المادة بكميات كبيرة قد لا تلقى رواجا، لا سيما أن المجموعة القائمة على الإنتاج تعتمد على التمويل الذاتي المحدود.
من جهته، أشاد جمال مبسلط، منسق المشاريع في المركز الفلسطيني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بعمل هذه المجموعة النسوية، الذي يتناول صنفا من الخضار في منطقة تتميز بإنتاج هذا الصنف بغزارة؛ مما حدا بالمركز إلى تشجيع هؤلاء النسوة على هذا النوع من الإنتاج، إلى جانب قيام المركز بتدريبهن على طريقة الإنتاج السليمة، وأشار إلى أنه بتلك الطريقة يمكن السيطرة على الفائض الإنتاجي الغزير من البندورة في منطقة طوباس، مبينا أن الكلفة للبندورة في بعض الأوقات تكاد تكون صفرا، حيث يبلغ سعر الصندوق في فصل الصيف ثلاثة شواكل، وهو الأمر الذي يحقق في النهاية التنمية الاقتصادية التي تتلخص بالسيطرة على فائض الإنتاج وإيجاد منتج بأقل التكاليف.
ونوه مبسلط، إلى أن هذا الصنف كانت المنطقة قد اشتهرت به قديما، حيث كان الناس يلجئون إلى تجفيف البندورة، لأنها كانت تتواجد في فصلين فقط هما “التشريني والصيفي” فكانوا يلجئون لها لمواجهة “الندرة”، أما الآن فلمواجهة الفائض.
وقال: إن التجربة أثبتت أن متذوقي هذا الصنف هم من كبار السن الذين يرون فيه عودة للزمن الغابر، ويستعيدون خلاله بعض الأكلات التراثية القديمة، مؤكدا على أن هذا المنتج طبيعي وخالٍ من أي مواد كيماوية حافظة، وله استخداماته الخاصة في بعض الأصناف من الأطعمة.
وأشار مبسلط، إلى جدوى هذا النوع من المنتجات، في حالة توفر المناخ التسويقي له، موضحا أن السوق المحلية له ما زالت محدودة جدا لسببين رئيسيين هما: عدم توفر البندورة الطازجة في جميع الأوقات، إلى جانب عدم تعود الناس عليها، لا سيما فئة الشباب.
وأضاف، أنه رغم ذلك، فإن هناك آفاقا تسويقية كبيرة، نحاول الوصول إليها في الخارج، مؤكدا على أن فكرة إنتاج هذا الصنف نجحت كثيرا، بدليل سؤال الناس وجمهور المستهلكين عنه، كما أن تجارب أخرى في معارض خصصت للتذوق والعرض، سابقة أكدت على نجاح هذه الفكرة وإمكانية تسويقها، وذلك من خلال الإقبال الكثيف عليها.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69353
