مزارعات ينقذن أسرهن من شبح التشرد

ظلت المرأة الفلسطينية عنوانا للتحدي والصمود فبالرغم من كافة التحديات المحدقة التي تحيط بها في كافة النواحي والمجالات، استطاعت بقوة وشموخ الصمود ليكتب لها النجاح في كافة الميادين والمجالات سواء السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية وغيرها من المجالات المتنوعة.. في هذا التحقيق ننقل بالقلم والصورة وعبر موقعنا “إنسان أون لاين. نت” قصص نجاح لسيدات أبين الجلوس في المنزل، وخرجن إلى سوق العمل يجاهدهن من أجل إنقاذ أسرهن من شبح التسول الذي بات وشيكا أن يفتك بتلك الأسر خاصة بعد أن فقد عشرات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني لأعمالهم داخل الخط الأخضر جراء الحصار والإغلاق المتواصل دون هوادة.
“إنسان أون لاين. نت” حرص على أن ينقل صورة حية لمجموعة من النساء المزارعات اللواتي حفرن نجاحهن بقوة الإرادة والعزيمة حتى أصبحن مثالا حيا وعنوانا حقيقيا للمرأة الفلسطينية المزارعة.
المزارعة “أم محمد ” 52 عاما من “قرية دمرة” الواقعة أقصى قرية بيت حانون، تحدثت إلينا وهي تحمل قفصا مليئا بالخضراوات، وهي في طريقها إلى سوق الزاوية في مدينة غزة قائلة: “إن حياتي انقلبت كليا جراء الوضع الراهن وأصبحت أنا وعائلتي البالغ عدد أفرادها 18 فردا في مهب الريح، وبات أبنائي على وشك الضياع وترك مقاعد الدراسة بعد أن ساءت الحالة الاقتصادية إلى أقصى درجاتها، حتى باتت العائلة لا تتمكن من توفير لقمة العيش، وأصبح الجوع والفقر عنوانا للأسرة “.
وتضيف ” أم محمد”: ” قررت أن أحارب ظروف الواقع السيئة التي ألمت بالأسرة، فعملت على زراعة ما تبقى من الأرض بعد أن تم تجريفها من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، ورفضت أن أرسل المنتجات الزراعية للسوق من خلال وسطاء، حيث حرصت على تسويقها بنفسي وذلك من خلال قطفها بمساعدة أبنائي في ساعات الصباح الأولى، والتوجه بها إلى مدينة غزة لبيعها والعودة إلى ممارسة الزراعة، مشيرة إلى أنها وخلال عمل متواصل تمكنت من توفير العديد من الزبائن الذين باتوا يشترون منها كل احتياجاتهم. وقالت وعلامات الألم تأبى أن تترك محياها ولو للحظة واحدة، سأعمل بكل جهد من أجل توفير لقمة العيش لأبنائي وأحفادي من أجل الحفاظ عليهم من شبح التسول وسؤال الحاجة مشيرة إلى أنها تمكنت من توفير لقمة العيش للعائلة.
كتب علينا الشقاء
المزارعة لطيفة عبد الله 45 عاما، قابلناها في سوق الزاوية في مدينة غزة، تجلس وسط مجموعة من النسوة اللواتي يعرضن منتجاتهن الزراعية والحيوانية، عندما اقتربنا منها، بادرنا طفلها بابتسامة على وجهه، قالت لنا والدموع تسيل من مقلتيها وتأبى أن تتركها ولو للحظة واحدة: ” نعم، كتب علينا الشقاء، ولكنه يزول مع توفير احتياجات الأسرة”. وتضيف: أعمل على تربية مجموعة من الأغنام، وبقرة واحدة، وعدد من الدواجن، حيث يستغرق عملي معظم وقتي، فهو مقسم بين متطلبات التربية، وبيعي للألبان والأجبان والبيض من أجل توفير احتياجات الأسرة والحفاظ عليها بعد أن فقد معيلها الوحيد عمله داخل الخط الأخضر، وليت الأمر اقتصر على ذلك، فقد أصابته رصاصة غادرة خلال اجتياح بيت حانون أقعدته داخل جدران المنزل بعد أن فقد القدرة على المشي وبات بأمس الحاجة للمساعدة وتقديم العون.
سأواصل عملي
وتشير لطيفة إلى أنها وبتشجيع من زوجها تمكنت من العمل، وأصبح لها سمعة حسنة في السوق، يقصدها العديد من الناس، وتؤكد لنا على أنها مصممة على مواصلة طريقها مهما كانت العقبات، حيث ستعمل على تذليلها من أجل أسرتها خاصة أن الظروف الاقتصادية والمعيشية تزداد سوءا يوما بعد يوم، جراء الوضع السياسي الراهن. وأضافت لطيفة وهي تبيع أحد زبائنها بيضا، نعم لقد واجهت مصاعب جمة ولكن بالإرادة والصمود تمكنت من توفير بعض مستلزمات الأسرة. وتقول: اليوم والحمد لله، وبعد عمل متواصل تجاوز العامين استطعنا أن نضيف بجوار الألبان والأجبان بعض الخضراوات خاصة البقدونس والنعناع والزعتر، وهي مزروعات أعمل على زراعتها داخل البيت.
العمل عبادة
وعلى مقربة من لطيفة، كانت تجلس سيدة متشحة بالسواد، يقف بجوارها شاب ويحيطها العديد من المواطنين تعمل على بيعهم بصمت، وكأنها تعرف كل واحد منهم ماذا يريد. اقتربنا، منها وبدأنا بالحديث إلا أنها طلبت منا معاودتها آخر النهار لأنها تعمل الآن على بيع ما بجعبتها من خضراوات وفواكه، وما كان منا إلا أن احترمنا رغبتها، وعندما عدنا إليها كانت تنتظرنا وبجوارها ذلك الشاب، وقد انتهت من بيع كل ما أحضرته في الصباح الباكر.
عمل دءوب
قالت: أنا أم لسبعة أبناء توفي زوجي، وكنت حينها لم أتجاوز الثلاثين والآن بلغت 48 عاما، ترك لي زوجي أمانة كبيرة لا أعرف كيف أعيلها خاصة أننا أسرة مستورة الحال فعملت داخل الخط الأخضر في الزراعة، وكنت أتوجه إلى عملي في الساعة الثالثة فجرا لأعود مع مغيب الشمس أذاكر لأبنائي دروسهم وأتعرف على مشاكلهم واحتياجاتهم وهكذا استمر طوال الأسبوع باستثناء يومي الجمعة السبت، حيث أتوجه إلى أرضي، أنا وأطفالي لرعايتها.
ومع اندلاع انتفاضة الأقصى، أخذت أعمل في أرضي ليل نهار، كنت أوفر لأسرتي خلالها كل ما تحتاجه فالخير كثير، وقد أكرمني الله بأبناء حفظوا الجميل، حيث أنهوا الدراسة الجامعية، وتواصلوا معي في الأرض.

أم فلسطينية تناجى ربها بعد تجريف أرضها
ولكن ما إن بدأت قوات الاحتلال بسياسة تجريف الأرض واقتلاع الأشجار حتى بدا الخوف يدب في قلبي وأصبحت أبيت في الأرض، ولا أعرف عنوانا لمنزلي، وذلك من أجل الحفاظ عليها ولكن ما توقعته قد حصل بالفعل، لقد جرفت أرضي بالكامل وتم إبادتها عن الوجود وحولت إلى شوارع تعبرها الدبابات إلى قرية بيت حانون. كادت أسرتي تصاب بنكسة قوية تفقدها التوازن، ولكنني آثرت عدم البقاء في المنزل والبكاء على ما فات، وسؤال الحاجة، وعملت جاهدة على زراعة بعض الأمتار داخل منزلي بالخضراوات حسب مواسمها فلدي فكرة جيدة عن الزراعة، وقد وفقت بصورة كبيرة وبدأت أتوجه إلى الأسواق، فأنا أجوب كل القطاع كل حسب اليوم المحدد للسوق الخاص به، فيوم الجمعة أنا في غزة، والسبت في رفح، أما الإثنين ففي النصيرات، وهكذا إلى أن تمكنت وخلال عام كامل من الحفاظ على المستوى المعيشي لأسرتي، وبقاء أبنائي على مقاعد الدراسة مؤكدة لنا على أنها ستواصل العمل مهما بلغت التحديات التي قد تحول دون ذلك.
وعندما سألناها عن ذاك الشاب الذي يحمل الأواني الخاصة بالخضراوات، قالت ضاحكة إنه ابني أحمد، أنهى دراسته الجامعية في تخصص المحاسبة، ونتيجة لقلة وندرة فرص العمل، يعمل بجانبي في جني الخضراوات وتسويقها، حيث نعمل على تقسيم الأدوار، بحيث أكون أنا في أحد الأسواق وهو هنا في سوق الزاوية خاصة بعد أن أصبحنا معلما واضحا للأهالي هنا.

الأم المثالية
ومن جانبه، تحدث أحمد قائلا: إن والدتي بحق هي الأم المثالية الصامدة التي أبت تركنا والتخلي عنا وسط هذه الظروف القاسية التي نعيشها، فقد عملت على تربيتنا وتوفير ما نحتاجه بالرغم من أنها لم تنل حظها في التعليم. وأكد أحمد وهو يحتضن والدته على أن أمه هي الأمل في هذه الدنيا، قائلا: “نحن بدونها لا شيء”. ويضيف: إنني أعمل مع والدتي منذ فترة من أجل مساعدتها خاصة أن العديد من الزبائن يطلبون أشياء معينة، أعمل على تسجيلها وتوفيرها في اليوم الثاني مهما كانت الأعباء المترتبة على ذلك، الآن عرفت معنى التعب الذي كانت تلقاه أمي فهي كنز لا يعوض.
وللحديث بقية

الجدار العازل تسبب فى تدمير مساحات زراعية كبيرة
“انتقلت ” إنسان أون لاين. نت ” إلى مدينة خان يونس وهناك التقت مجموعة من النسوة المزارعات اللواتي يعملن على تسويق مزروعاتهن، الكل هنا، يجمع على أن العمل عبادة وأنه السلاح الأقوى للحفاظ على الأسر من التشتت والضياع في ظل أوضاع اقتصادية متردية وبطالة متفاقمة وحياة يملؤها البؤس والشقاء.
 
طابور المتسولين
نبيلة حسين من قرية “بني سهيلا”، قالت لنا: “إنني لا أعرف في هذه الدنيا إلا الزراعة فأنا أعشقها وهي مهنة توارثتها عن الأجداد والآباء ولا يمكن أن أتخلى عنها خاصة أنني ومن خلال عملي هذا أعمل على تربية أبناء أخي الذي أبقاه المرض طريح الفراش ولولا عملي هذا لأصبح أبناؤه ضمن طابور المتسولين الذين لا يخلو منهم شارع أو حي أو زقاق في كل أرجاء قطاع غزة، جراء الأوضاع المعيشية القاسية.
ولنا كلمة
بات من المؤكد أن المرأة الفلسطينية لعبت، وما زالت دورا كبيرا ومهما في تعزيز الصمود الأسطوري الذي أبداه الشعب الفلسطيني، من خلال مهام يتعامل معها المجتمع باعتبارها جزءا من دورها التقليدي بالأسرة، حيث إنها أبدعت بتأمين وجبة الغذاء لعائلتها بصورة متوازنة، كما خففت من آثار الفقر الذي وصل إلى معدلات غير عادية في المجتمع الفلسطيني.