ما زالت الأسرة الفلسطينية قادرة على تحدي الفقر بأشكاله وأطيافه المتنوعة، على الرغم من تضييق المحتل ومحاولات المجتمع الدولى فرض طوق من العزلة على الفلسطينيين؛ حيث لجأت إلى ابتكار طرق جديدة تدبر بها أمور بيتها وحياتها بإمكانيات متواضعة زهيدة، ورغم أن الإحصائيات الرسمية للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين تؤكد أن هناك مليونا وثلاثمائة ألف فلسطيني يعيشون تحت خط الفقر، فإن الأسرة الفلسطينية ترفع منذ سنوات شعار “معا ضد الفقر”، وهو نفس شعار الحملة الخيرية التي انطلقت منذ أيام في مدينة نابلس بالضفة الغربية.
ففي الجامعة تقتصد الفتاة جزءا من مصروفها، لا يتعدى بضعة شواكل، لتستفيد منه في شراء مرجع معين أو كراسة تحتاجها لكتابة محاضراتها، كما يدخر الأطفال مصروفهم اليومي لجلب حاجاتهم الأساسية.
“إنسان أون لاين” تعرض في هذا التقرير نماذج لأسر فلسطينية تحدت شظف العيش بإمكانيات بسيطة بشموخ، حيث كبحن بإرادتهن جماح الفقر.
المصروف.. بنك توفير الأطفال!!
في الساعة السادسة صباحا وعندما يحين وقت الذهاب إلى المدرسة، تنهض أم صابر -40 عاما- لتجهيز أبنائها لليوم الجديد، وتقصد المطبخ وتشعل البوتاجاز ذا الشعلة الواحدة وتضع عليه براد الشاي، ثم تسرع لإحضار رغيف أو اثنين من الخبز البيتي مع الدقة والزعتر، وتفرش أم صابر ذلك البساط في ساحة المنزل المكشوف للسماء هروبا من الغرفة الضيقة التي فرشها أبناؤها بممتلكاتهم المتواضعة، وتصب أم صابر الشاي وتوزعه على أبنائها مع قطعة خبز صغيرة لكل واحد منهم يتولى هو عملية فتها في كوب الشاي أو أكلها مع الزعتر.
وتروى أم صابر، التي تسكن مخيم الشاطئ، قصتها مع تحدي ضيق اليد وتقول: “أحاول جاهدة أن أخرج أبنائي ومعهم مصروفهم الجيبي، وحرصا مني على عدم خروج أبنائي بدون مصروف ولسوء وضعنا فقد أستدين مؤقتا من جارتي بعض الشواكل لكي أعطيهم”، وتضيف: “شيكل هو “راتب” أبنائي الذين علمتهم أن يتقنوا صرفه، ولقد عودتهم على اقتطاع جزء منه للادخار بأنفسهم أو مع زملائهم من خلال الجمعيات، وعلمتهم أن يستفيدوا من هذا في جلب حاجياتهم الضرورية، وكلما طلبوا مني لباسا جديدا أو حاجة لا أستطيع أنا توفيرها طلبت منهم الاشتراك في “جمعية” كي يجلبوا حاجاتهم، وحتى الألعاب يجلبونها بهذه الطريقة”.
وأما عن تدابير الغذاء فتقول أم صابر: “أحاول أن لا أحرمهم من أي من المأكولات، الخضروات كلها نأكلها من زرع فناء البيت، وكل ما نستعين به من السوق نأتي به حسب إمكانياتنا”، أما عن الكمية فتقول: “لقمة هنية تكفي مية، أنا لست مضطرة لطهي كميات كبيرة لا أستفيد منها لاحقا”.
في نفس الحارة وعلى باب بيت آخر متواضع، جلست نجاح تقلب حبات العدس في طبق بلاستيكي، وعبر نظرة حائرة من عيون سوداء صغيرة لكنها تعكس تحديا كبيرا ورضا بالوضع الذي تعيشه تبدأ نجاح في رواية قصتها: “كان زوجي يعمل داخل أراضي 48 وبعد اندلاع أحداث الانتفاضة منع من الوصول لمكان عمله”. وتضيف: “تدبير الأمور أصبح أمرا عاديا يأتي مع كل شيء والحمد لله، أتذكر بالأمس كيف استعنت ببعض أشياء من مطبخ جارتي عندما قدم ضيوف لزيارتنا، وهذا معتاد لدينا”.
أما الأمر الأكثر أهمية من وجهة نظر نجاح فهو كيف تدبر الأمور حتى في وضع لمسات جمالية في بيتها، حيث تقول: “انظري لبيتي، أنا لا أتواني عن وضع أي من اللمسات التي قد تساعد في تجميل بيتي، انظري لهذا المطرز قد صنعته بيدي أما هذه الباقة فقد صنعتها لي جارتي، وأنا صنعت لها ساعة مطرزة”، وتمضى نجاح قائلة في إصرار وزهو: “فرش بيتي هذا كله من صنع يدي، استعين بماكينة أختي وأجلب نوعا مقبولا من القماش، أما بناتي فهن أيضا يشاركن في وضع لمسات بالبيت، فقبل أسبوع قامت نها بشراء مفرش بعدما ادخرت 20 شيكلا من مصروفها الجيبي، وقبل ذلك ادخرت واشترت “تنورة” ترتديها هي وأختها، وكلما وجدت نفسها بحاجة لشيء ادخرت كي تشتريه”.
الجمعيات كنوز الفتيات!!
ليست ربات البيوت والزوجات وحدهن من يتحدون ظروف الفقر وآلامه؛ بل إن الكل في فلسطين يتحدى من أجل العيش، شبابا كانوا أم طلابا، فتيان أو زهراوات.
نور طالبة جامعية يتيمة الأب تقطن خان يونس، ظروفها المادية ليست بالميسورة حتى تتمكن من تلبية كافة التزاماتها الجامعية والشخصية، لذا فإنها فضلت البعد عن الأهل الذين يقطنون في خان يونس والإقامة مع أخيها وزوجته في غزة حيث تدرس، وبذلك توفير تكاليف المواصلات؛ حيث لا تزور أسرتها إلا مرة واحدة كل أسبوع.
وتضيف نور بعد أن ترسم ابتسامة خفيفة على ملامحها: “لم أكتف بذلك؛ بل رحت أذهب وأعود من وإلى الجامعة مشيا على الأقدام كي أوفر بعضا من المال أستعين به في اقتناء مرجع مهم لبحث التخرج أو شراء بعض الكراريس اللازمة لتدوين المحاضرات”. وبكلمات نمت عن وعيها وثقافتها تمضي قائلة: “لم أشعر يوما أني مجبرة على المشي؛ بل كان وسيلة ذات نفع مزدوج؛ أولا أعطتني دافعا للتقدم والنجاح، وثانيا منحتني جسما رشيقا، فهي رياضة جسدية قبل أن تكون روحية”.
ورغم كل هذه المعاناة إلا أن نور حريصة على أن تبدو في مظهر جيد، وإن كانت تعتمد على جلباب واحد، وتكشف سر ذلك قائلة: “أتبادل أنا وزوجة أخي الملابس ولا أخفيك أنى أحيانا آخذ من زميلتي بعض الملابس حتى أنعم بالتغيير”، وتكمل نور حكايتها وهي ما زالت تحافظ على تلك الابتسامة الهادئة: “هناك كنز أيضا لا بد أن أتحدث عنه وهو الجمعيات، أنا أحرص دائما على الاشتراك في الجمعيات، وبها أفعل كل ما أريد، بصراحة أغلب ما أملك حصلت عليه عن طريقها، خاصة في بداية الفصل الدراسي وعندما تكثر الحاجات”.
داخل المطبخ معركة انتصار !!
أم مصطفى شراب، سيدة في منتصف الثلاثينيات من عمرها، لم يعمل الزمن مخالبه في تفاصيل وجهها الذي ما زال ينعم بالنضارة والحيوية، لديها من الأطفال سبعة، صبيتان وخمسة بنين، وزوجها كان يعمل داخل الخط الأخضر حتى أغلقت كل الطرق أمامه كبقية العمال.
ومن خلال ابتسامة راضية قانعة بقضاء الله وقدره، تروى أم مصطفي كيف تدبر أمور بيتها وأطفالها في ظل عدم وجود دخل ثابت لزوجها، قائلة: “الرزق بيد الله إن أراد أن يرزقنا، فلا راد لحكمه، وإن شاء أن يقتر علينا رزقه فلا راد لأمره”، وتصمت قليلاً ثم تتابع الحديث: “صحيح أن إمكانياتنا المادية بعد ترك زوجي العمل انخفضت بشكل ملحوظ إلا أننا -والحمد لله- نعيش بكرامة”.
سألتها كيف توفر متطلبات بيتها الأساسية؟ تبتسم ثم تصحبني إلى غرفة المطبخ لتطلعني على بعض المنتجات الغذائية، مشيرة إلى أنها من هذه الأشياء توفر لأطفالها ما يحتاجون إليه من غذاء كامل القيمة، وبإمكانيات متواضعة لا ترهقها.
وأضافت أم مصطفى: “من حليب الأونروا أصنع وجبتي الإفطار والعشاء لأطفالي؛ حيث أصنع من هذا الحليب أصناف الجبن المختلفة؛ هذه جبنة بيضاء لأحبائي مصطفى وياسر وأحمد، أما هذه الصفراء فهي خاصة بـ مهند ومعتز وأمل، أما ريهام فأنا أصنع لها اللبن الخضيض الذي تحبه، أما زوجي فأصنع له الجبنة ذات المذاق الطيب”.
وتتابع: “بهذه الطريقة أوفر لهم وجبتي الإفطار والعشاء التي لا غنى لهم عنها يوميا، وهي مغذية ومفيدة خاصة إذا زينا المائدة بطبق من شرائح الطماطم والجزر والخيار، ناهيك عن كوب من الشاي”.
وعن وجبة الغذاء الأساسية تقول أم مصطفى: “الحمد لله أطباقي غنية ومفيدة لصحة أطفالي وأسرتي، ولا شك أنها قليلة التكاليف تتراوح بين شوربة العدس والمجدرة ناهيك عن البامية والبازلاء والملوخية، والدجاج يتواجد على المائدة حسب الإمكانيات، وأنا أعمل دائما بالمثل الشعبي “على قد لحافك مد رجليك”.
وتشير أم مصطفى إلى أنها تقوم بشراء البقوليات حينما تكون أسعارها مناسبة، وتقوم بتخزينها بالفريزر وكذلك بقية الخضار وورق العنب؛ حتى لا أشعر أسرتي بنقص الإمكانيات.
التحدي خصلة !!
أم محمد التي اعتادت شظف الحياة وباتت متأقلمة مع إمكانياتها البسيطة تقول بكلمات واثقة: “أنا ميقنة جدا أن الفقر ليس عارا يوصم به الفرد؛ بل هو حالة تنتجها ظروف اقتصادية وسياسية تؤثر على دخل الأسر والأفراد؛ فمنهم من يقع فريسة له ومنهم من يحاربه ويتغلب عليه بأفكار ومشاريع قد تبدو للعيان كجناح بعوضة، لكن تأثيرها أقوى وأنجع”.
وتروي قصتها في مواجهة ضيق اليد بعد أن دمر بيتها وفقدت الزوج والمعيل، مشيرة إلى أنها شاركت زوجها الهم والألم في حياته، وبعدما رحل تابعت الرحلة من بعده، وتتابع: “لقد ابتدعت طرقا عدة للتخلص من فقري؛ أولها أني استغليت هوايتي في الخياطة والتفصيل لأوفر متطلبات أسرتي، وكان ذلك في البداية لأجل أطفالي، وكنت أحيك لهم الملابس التي تضاهي الملابس الجاهزة، وتجعلهم يفخرون بها، وكنت أصنع لهم الزي المدرسي بيدي وكذلك ملابس العيد، وأذكر أني كنت أحيك لبناتي الفساتين من جهاز عرسي فتبدو جميلة جذابة قد لا يقتنيها أحد”. وتكمل أم محمد سرد طرقها الفذة في التغلب على آلام الفقر ومعاناته قائلة: “حينما عانى زوجي من المرض وأصبح جليس الكرسي المتحرك بدأت أحيك الملابس للجيران بأجر رمزي يمكنني من توفير احتياجات أطفالي وقد وفقني الله في ذلك”.
منهج في الصمود والبقاء
ويعلق الدكتور عبد الكريم سكر أستاذ علم الاجتماع على تلك النماذج الرائعة للكثير من الأسر الفلسطينية التي نجحت في تدبير أمورها المادية وسط الفقر والبطالة، ويقول: “هذا جزء من نضالنا وصمودنا، الحاجة أم الاختراع، هم يحاولون بكل المتاح أن يتعايشوا مع القفر وينتصرون عليه”. ويضيف: “نحن نجد لأنفسنا سبلا لاستكمال مسيرة الحياة ليصبح الطفل رجلا يدبر مع أمه وأبيه، ويعرف كيف يلبي حاجاته بأقل التكاليف المتاحة، والأم أصبحت تتفنن في تدبير أمور منزلها وأبنائها”. ويؤكد سكر على أهمية التكافل الاجتماعي الذي يشكل درعا متينة في محاربة الفقر؛ حيث يعطي من يملك من لا يملك على نطاق الأسرة وخارجها أيضا.
وتعليقا على الموضوع، يقول الاقتصادي الفلسطيني سمير حمتو: إن الشعب الفلسطيني ضرب أروع الأمثلة في الصبر والتغلب على الظروف الاقتصادية الصعبة وحرب التجويع التي تعرض لها على مدار سنوات الانتفاضة الخمس الماضية، موضحا أن عشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية التي فقدت مصدر دخلها الوحيد تمكنت من التأقلم مع ظروف الفقر والحرمان والمعاناة والألم وعاشت بأقل القليل؛ إيمانا منها بأن هذا العمل هو جزء من الواجب الملقى على عاتقها نحو الوطن، وأن الوطن يحتاج إلى التضحيات، وهذه التضحيات والصبر على الفقر والحرمان وعدم الشكوى لهو أقل ما يمكن تقديمه من أجل الوطن والأرض.
ويؤكد حمتو أنه مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية وتدهور الأحوال المعيشية والحياتية لعشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية لا يجد المرء صعوبة في الوصول إلى تفسيرات منطقية تدل على سر تمكن الإنسان الفلسطيني من الصمود لهذه الفترة الطويلة دون مصدر دخل يؤمن له أدنى مقومات الاستمرار في الحياة.
وأكد حمتو أن الإنسان الفلسطيني -وبشهادة الجميع- أظهر قدرة فائقة أذهلت العالم على الصمود والبقاء رغم كافة الصعاب، وأظهر براعة في التكيف مع أصعب الظروف، وساعده على ذلك وجود بصيص أمل بأن دوام الحال من المحال، وأن قسوة الظروف وصعوبة الأوضاع واشتداد الأزمة لا بد أن يتبعها انفراج، وأن بزوغ فجر الحرية وتحقق الحلم الفلسطيني في الاستقلال وإقامة الدولة يستوجب معه التضحية بكل غال ونفيس.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69357
